د. طالب محمد كريم
باحث في فلسفة الدولة والسياسات العامة

تُقاس الحكومات عادةً بحجم ما تنجزه في أوقات الاستقرار، غير أن الاختبار الحقيقي لكفاءة الحكم يبدأ عندما تتداخل الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية في وقت واحد. ففي مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال عن عدد المشاريع التي أُنجزت، وإنما عن قدرة المؤسسات على الاستمرار، وعن مدى نجاح القيادة في تحويل الأزمات من عوامل تعطيل إلى دوافع لإعادة البناء.
ومن هذا المنطلق يمكن قراءة تجربة التشكيلة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كردستان.
لقد تسلمت هذه الحكومة مسؤولياتها في بيئة استثنائية بكل المقاييس. فمنذ الأشهر الأولى واجهت جائحة كورونا التي أصابت الاقتصاد العالمي بالشلل، ثم الانخفاض الحاد في أسعار النفط، وهو المورد الرئيس لاقتصاد الإقليم. ولم تمضِ تلك الأزمة حتى تعقد ملف تصدير النفط، وتحول مساره إلى الحكومة الاتحادية، واستمرت الخلافات المالية والدستورية مع بغداد، وما ترتب عليها من أزمة سيولة وتأخر في صرف الرواتب. وفي الوقت نفسه، واجهت الحكومة تحديات داخلية تمثلت في التباينات السياسية داخل الائتلاف الحاكم، وضغوط المعارضة، إلى جانب استهداف قطاع الطاقة بهجمات أمنية دفعت بعض الشركات إلى تقليص استثماراتها أو مغادرة الإقليم.
في الأدبيات السياسية، تُوصف هذه الحالة بأنها (تراكم للأزمات)، أي اجتماع أزمات صحية ومالية وسياسية وأمنية في دورة زمنية واحدة، وهي من أصعب البيئات التي يمكن أن تعمل فيها أي حكومة. ولهذا، فإن تقييم الأداء لا يصح أن يكون معزولاً عن هذا السياق، لأن الأرقام خارج بيئتها قد تضلل أكثر مما تفسر.
ورغم هذه البيئة المعقدة، تكشف البيانات الرسمية عن أن الحكومة لم تكتفِ بإدارة الأزمات اليومية، بل اتجهت إلى بناء قواعد تنموية طويلة الأمد. فقد استمرت مشاريع البنية التحتية في قطاعات المياه والكهرباء والطرق والزراعة والتعليم والصحة والإدارة الرقمية، بالتوازي مع تفعيل مشاريع استثمارية تجاوزت قيمتها 22 مليار دولار في قطاعات الإسكان والصناعة والسياحة والخدمات، وهو ما يعكس استمرار النشاط التنموي رغم القيود المالية والسياسية التي أحاطت بعمل الحكومة.
إن أول ما يلفت الانتباه هو أن الحكومة تعاملت مع الأمن المائي بوصفه قضية استراتيجية لا مجرد خدمة عامة. فالتوسع في إنشاء السدود والبرك المائية ومشاريع المياه يعكس إدراكاً مبكراً للتحولات المناخية وللضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية، وهي مشاريع لا تُقاس بنتائجها الآنية بقدر ما تُقاس بأثرها في تعزيز الأمن المائي والغذائي خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت ذاته، اتجهت السياسة الاقتصادية نحو تنويع مصادر النشاط الاقتصادي. فالاستثمار في السايلوهات، والبيوت البلاستيكية، والتصنيع الزراعي، وزيادة الاستثمار الزراعي، وفتح منافذ لتصدير المنتجات المحلية، كلها تعكس محاولة للانتقال تدريجياً من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، وهي سياسة تكتسب أهميتها في ظل الضغوط التي تعرض لها القطاع النفطي خلال السنوات الماضية.
وفي البنية التحتية، يظهر اتجاه واضح نحو الاستثمار في المستقبل. فآلاف المشاريع في الطرق والجسور والبلديات وشبكات المياه والصرف الصحي لا تمثل مجرد أعمال إنشائية، بل تؤسس لرفع كفاءة الاقتصاد، وتحسين البيئة الاستثمارية، وربط المدن والمناطق المختلفة بشبكة خدمية أكثر تكاملاً.
أما في قطاع الكهرباء، فقد شهد الإقليم تحولاً نوعياً من سياسة معالجة النقص إلى سياسة تحقيق الاكتفاء والاستدامة. وتشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع القدرة الإنتاجية من نحو 2360 ميغاواط عام 2019 إلى أكثر من 4330 ميغاواط عام 2026، بالتزامن مع إنشاء محطات جديدة وإطلاق مشروع (روناهي)الهادف إلى توفير الكهرباء على مدار أربع وعشرين ساعة، وهو تحول يعكس انتقالاً من إدارة الأزمة إلى التخطيط الاستراتيجي لهذا القطاع الحيوي.
ومن الناحية المؤسسية، ربما يكون التحول الرقمي والإصلاح الإداري من أبرز ملامح هذه المرحلة. فالدول الحديثة لم تعد تُقاس بعدد المباني الحكومية، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية. وفي هذا السياق، شرعت الحكومة في توطين الرواتب، وتوسيع أنظمة الدفع الإلكتروني، وإطلاق منصات رقمية للإدارة المالية والخدمات العامة، بما يعكس توجهاً تدريجياً نحو الإدارة الحكومية الحديثة.
كما امتد النشاط الحكومي إلى قطاعات التعليم والصحة وسوق العمل. وتشير الأرقام الرسمية إلى توفير أكثر من 150 ألف فرصة عمل من خلال المشاريع الاستثمارية، إضافة إلى آلاف التعيينات في قطاعات التربية والصحة والخدمة العامة، في محاولة للتخفيف من آثار الركود الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وفي المقابل، لا تكتمل القراءة العلمية من دون الإشارة إلى أن البيانات الرسمية تمثل المصدر الأساس لهذا التقييم، وهي توثق حجم المشاريع والمؤشرات الحكومية، لكنها لا تغني عن الدراسات المستقلة التي تقيس جودة التنفيذ، وكفاءة الإنفاق، والأثر الفعلي لهذه السياسات في مستويات الدخل والبطالة والخدمات العامة. فالتمييز بين الإنجاز التنفيذي والأثر التنموي يعد من أهم مبادئ تقييم السياسات العامة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف العلمي يقتضي الاعتراف بأن استمرار تنفيذ مشاريع استراتيجية في ظل هذا الحجم من الضغوط يمثل بحد ذاته مؤشراً على قدرة مؤسسات الحكم على المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار، وعدم السماح للأزمات بأن تشل عملية البناء.
لقد كتب الفيلسوف الألماني هيغل أن التاريخ لا يتحرك في أوقات السكون، بل يتشكل عبر لحظات الصراع. ويمكن استعارة هذه الفكرة لفهم تجربة التشكيلة الوزارية التاسعة، إذ إن قيمتها لا تكمن في أنها عملت في ظروف مثالية، وإنما في أنها واصلت البناء بينما كانت تواجه أزمات متزامنة في الاقتصاد والسياسة والأمن.
إن الحكم النهائي على أي تجربة حكومية سيظل رهن الزمن، لأن التاريخ لا يصدر أحكامه عند انتهاء الولاية الحكومية، بل بعد أن تتضح آثار السياسات في المجتمع والاقتصاد ومؤسسات الدولة. غير أن ما يمكن قوله اليوم، استناداً إلى الأرقام الرسمية والمشاريع المنفذة على الأرض، هو أن التشكيلة الوزارية التاسعة قدمت نموذجاً لمحاولة إدارة الأزمات من خلال الاستثمار في بناء المؤسسات، وتعزيز البنية التحتية، وعدم الاكتفاء بإدارة تداعيات الأزمات.
وهذا، في تقديري، هو الفارق بين حكومة تنشغل بإطفاء الحرائق، وحكومة تحاول، رغم الحرائق، أن تواصل بناء المستقبل.
بناء إقليم كردستان في زمن الأزمات
قراءة في تجربة التشكيلة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كردستان

