الرئيسية » بيبرس وقطز.. حين أنقذ السلطانُ الدولةَ فقتله السلطانُ الذي جاء بعده
مقالات

بيبرس وقطز.. حين أنقذ السلطانُ الدولةَ فقتله السلطانُ الذي جاء بعده

بيبرس وقطز.. حين أنقذ السلطانُ الدولةَ فقتله السلطانُ الذي جاء بعده

بيبرس وقطز.. حين أنقذ السلطانُ الدولةَ فقتله السلطانُ الذي جاء بعده

بقلم محمود سعيد
في صفحات التاريخ، هناك لحظات تقف أمامها طويلًا؛ لأن فيها مفارقة لا تستطيع السنوات أن تمحوها. ومن أكثر هذه المفارقات إثارة في تاريخ مصر والشام قصة السلطان سيف الدين قطز والسلطان الظاهر بيبرس؛ رجلٌ وقف في وجه أخطر قوة عرفها العالم في ذلك العصر، ثم انتهت حياته بعد أشهر قليلة على يد رجال من داخل معسكره.

بعد وفاة السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب، دخلت المنطقة مرحلة شديدة الاضطراب، وانتهت الدولة الأيوبية في مصر عمليًا بعد مقتل ابنه توران شاه، لتبدأ مرحلة جديدة هي عصر المماليك.

ثم جاء قطز إلى الحكم في ظرف استثنائي. كانت جيوش المغول قد اجتاحت مساحات واسعة من العالم الإسلامي، وسقطت بغداد، وأصبح الطريق مفتوحًا أمامهم نحو الشام ومصر.

لم يكن أمام قطز وقت طويل.

جمع قواته، وتحرك إلى الشام، وهناك وقعت معركة عين جالوت سنة 1260م، وهي واحدة من أشهر المعارك في التاريخ الإسلامي. انتصر المسلمون على المغول، وتوقفت موجة التوسع المغولي نحو مصر.

كان ذلك إنجازًا عظيمًا لقطز وللمماليك، وكان من أبرز القادة المشاركين في المعركة الأمير بيبرس.

لكن المفارقة بدأت بعد الانتصار.

عاد قطز إلى مصر منتصرًا، إلا أن الخلافات السياسية بينه وبين بعض الأمراء المماليك اشتدت، وكان بيبرس في مقدمة هؤلاء. وفي طريق العودة، أثناء رحلة صيد، قُتل قطز سنة 1260م، ثم أصبح بيبرس سلطانًا.

وهنا يقف التاريخ أمام سؤال صعب:

كيف يمكن لرجلين قاتلا معًا في عين جالوت لإنقاذ البلاد أن ينتهي بهما الأمر بأن يقتل أحدهما الآخر؟

الإجابة تكشف طبيعة النظام السياسي المملوكي في ذلك العصر؛ فقد كانت القوة العسكرية والنفوذ بين الأمراء عنصرًا حاسمًا في الوصول إلى السلطنة، وكانت الانقلابات والاغتيالات والصراعات على الحكم تتكرر بصورة كبيرة.

لكن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نتوقف عند جريمة قتل قطز وننسى ما فعله بيبرس بعد ذلك.

فبيبرس أصبح واحدًا من أقوى سلاطين الدولة المملوكية. واجه المغول، وحارب الصليبيين، وعمل على تثبيت أركان الدولة، وأنشأ المنشآت والمساجد، وقوى الجيش والإدارة، وجعل من الدولة المملوكية قوة كبرى في المنطقة.

وهنا تظهر إحدى أعقد دروس التاريخ:

قد يجتمع في الإنسان المجد والخطأ، والانتصار والخيانة، والبناء والدم.

فلا يصح أن نقول إن إنجازات بيبرس تمحو قتله لقطز، كما لا يصح أن نقول إن قتله لقطز يلغي كل إنجازاته السياسية والعسكرية.

التاريخ ليس كتابًا أبيض وأسود.

والأمر نفسه يمكن أن نراه في كثير من عصور الحكم؛ فحين تصبح السلطة غاية في ذاتها، قد يتحول الحليف إلى خصم، والصديق إلى منافس، والوفاء إلى مؤامرة.

ومن هنا تأتي العبرة الحقيقية من قصة قطز وبيبرس.

قطز هزم المغول، لكنه لم يستطع أن يهزم صراع السلطة داخل دولته.

أما بيبرس، فقد ورث دولة قوية، وحقق لها انتصارات وإنجازات عظيمة، لكنه وصل إلى السلطنة بعد دم صديقه وسلطانه.

ثم استمرت الصراعات المملوكية على الحكم عبر أجيال، حتى جاء العثمانيون في القرن السادس عشر وأنهوا دولة المماليك سياسيًا بعد صراع مرير.

وهكذا تتكرر أمامنا الحقيقة التي يعرفها التاريخ منذ آلاف السنين:

السلطة التي لا يحكمها العدل تتحول من وسيلة لخدمة الناس إلى غاية يتقاتل الناس من أجلها.

وقد يموت السلطان، ويبقى القصر، ويبقى الجيش، وتبقى الدولة، لكن يبقى السؤال الأخلاقي أيضًا:

هل يستحق الوصول إلى الحكم أن يدفع الإنسان ثمنه بدم أقرب الناس إليه؟

قصة قطز وبيبرس ليست مجرد حكاية عن سلطان قُتل وسلطان جلس على العرش بعده؛ إنها درس في أن الانتصار على عدو الخارج لا يكتمل إذا كان الداخل يأكل نفسه بالصراع على السلطة.

والأغرب أن التاريخ كثيرًا ما يعيد المشهد نفسه بأسماء مختلفة؛
يتغير السلطان، ويتغير الزمان، وتتغير الرايات، لكن شهوة السلطة تبقى واحدة.

بقلم: محمود سعيد برغش

بيبرس وقطز.. حين أنقذ السلطانُ الدولةَ فقتله السلطانُ الذي جاء بعده

بيبرس وقطز.. حين أنقذ السلطانُ الدولةَ فقتله السلطانُ الذي جاء بعده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *