بقلم د. سلام عيدان مرزوك
تُثبت التجارب الاقتصادية الدولية المقارنة أن اللجوء إلى التلاعب المالي بسعر الصرف، سواء عبر الخفض القسري المفاجئ أو التثبيت الإداري المصطنع غير المدعوم بقاعدة إنتاجية حقيقية، لا يُنتج سوى تشوهات هيكلية وفخاخ تضخمية مدمّرة تأكل الأخضر واليابس. إن التاريخ الاقتصادي الحديث يزخر بنماذج لدول دخلت في متوالية خفض العملة المتكرر على أمل معالجة العجز المالي في موازناتها العامة؛ فدول مثل نيجيريا ومصر ولبنان خاضت مراراً وتكراراً تجارب الخفض والتعويم، معتقدة أن تعديل السعر الدفتري للعملة قادر على سد الفجوة بين الإيرادات والنفقات.
غير أن النتيجة الواقعية في تلك التجارب كانت معاكسة تماماً لكل الوعود النظرية الوردية؛ إذ قاد الخفض المتكرر إلى تآكل سريع للاحتياطيات النقدية الأجنبية، وانهيار تاريخي للقدرة الشرائية للطبقات العاملة، واندلاع موجات تضخم جامح تجاوزت كل التوقعات. والسبب الجوهري وراء هذا الفشل الذريع يكمن في بديهية اقتصادية يتجاهلها السياسيون دوماً: إن خفض قيمة العملة لا يمكن أن يحفز الإنتاج أو يعزز الصادرات إذا كانت الدولة تعاني أصلاً من ضمور في قطاعاتها الإنتاجية الحقيقية؛ فبدون مصانع ومزارع وبنية تحتية كفؤة، يتحول الخفض النقدي من أداة إنعاش إلى مقصلة حقيقية تُفرغ جيوب المواطنين لصالح ترقيع دفاتر المحاسبة الحكومية.
وفي العراق، يتكرر هذا المشهد المأساوي اليوم بصورة أشد قسوة وخطورة، حيث يصر صانع القرار الاقتصادي على إعادة تدوير الفشل نفسه تحت مسميات “الإصلاح المالي الضروري”. إن ما يشهده الاقتصاد العراقي اليوم ليس مجرد عارض مالي عابر فرضه التوتر الإقليمي أو المخاوف المتعلقة بأمن الممرات المائية كمضيق هرمز والتهديدات المحيطة بحركة الملاحة؛ فالأزمة العراقية الحقيقية أقدم من ذلك وأعمق بكثير.
لقد بدأت الكارثة الفعلية منذ اللحظة التي اختل فيها التوازن الهيكلي للموازنة العامة للدولة، وتحديداً عندما صعد “سعر تعادل برميل النفط” (Fiscal Breakeven Price)—وهو السعر الذي تحتاجه الدولة لتغطية نفقاتها التشغيلية والاستثمارية دون تسجيل عجز—إلى مستويات قياسية وغير واقعية تجاوزت بأشواط سعر البيع الفعلي للنفط في الأسواق العالمية. لقد تضخمت بنود الإنفاق التشغيلي وتكدست الموازنات بجيوش من التعيينات العشوائية والامتيازات غير المنتجة، حتى غدا الاقتصاد العراقي أسيراً لأسعار نفط تفوق طاقة السوق الدولية. وبدلاً من مواجهة هذا الخلل البنيوي الصارخ عبر كبح النفقات الفائضة وإعادة هيكلة المالية العامة، هربت السلطة النقدية والمالية إلى أقصر الطرق وأكثرها سهولة وكسلاً: التضحية بالدينار العراقي وخفض قيمته الاسمية، في محاولة بائسة لتعظيم الإيرادات بالدينار لسد فاتورة الرواتب المفتوحة.
إن هذا القرار المحاسبي يمثل خطيئة اقتصادية وجريمة اجتماعية كاملة الأركان في بيئة كالعراق؛ بيئة تستورد ما يزيد على 90% من احتياجاتها الغذائية والدوائية والسلعية الأساسية من الخارج. إن خفض قيمة العملة في بلد ريعي استهلاكي يفتقر إلى الاكتفاء الذاتي يعني تلقائياً فرض ضريبة دخل قسرية وتنازلية ومباشرة على أشد فئات المجتمع ضعفاً وهشاشة.
فالمعادلة هنا مجحفة إلى أقصى الحدود: الطبقة السياسية المتنفذة وشبكات المنتفعين والفاسدين يعيشون في وادٍ منفصل تماماً عن المجتمع، محصنين في مناطقهم المحمية، يتقاضون أجورهم ومكتسباتهم وامتيازاتهم دون أن تمسها تقلبات الأسواق، ولا يعلمون شيئاً عن وطأة الحياة اليومية للشعب. في المقابل، يقع العبء بالكامل على عاتق الفقراء، وأصحاب الأجور اليومية، والموظفين الصغار، والمتقاعدين، الذين لا يملكون أصولاً عقارية أو حسابات دولارية تحميهم من التآكل اللحظي لقوت يومهم. إن هذا القرار يسرق من مائدة الفقير لقمته الأخيرة ليعوض عجزاً تسببت به منظومة لم تحسن إدارة ثروات البلاد على مدى عقدين من الزمن.
وكان الأجدر بالدولة، إن كانت تمتلك ذرة من الحس بالمسؤولية، أن تتجه إلى حزم إنقاذ حقيقية وبدائل واقعية تجنب الفئات الهشة هذه الآثار المدمرة، ومن أبرز هذه الحلول:
أولاً: الضرب بيد من حديد على رؤوس الفساد واسترداد الأموال المنهوبة؛ فلا يمكن القبول بسياسة مسرحية تسعى لإسكات الشارع عبر ملاحقة صغار الموظفين والوسطاء الهامشيين وتقديمهم كأكباش فداء، بينما ينعم فاسدو الخط الأول وقادة الصفقات المليارية بالحصانة والحرية. إن استرداد مليارات الدولارات المهربة إلى الخارج، وتفكيك منظومات غسيل الأموال، كفيلان وحدهما بتأمين سيولة تفوق ما يتوهمه صانع القرار من مردود جراء خفض الدينار.
ثانياً: تطبيق برنامج “التوفير الإجباري” للموظفين في الدرجات العليا والمتوسطة بنسبة لا تتجاوز 15% من إجمالي الراتب، بحيث تُودع هذه الأموال في صناديق تنموية سيادية وتُحول إلى سندات وطنية مضمونة وذات عوائد مجزية تُصرف للموظف بعد سنوات. هذا الإجراء يسحب فائض السيولة النقدية من السوق دون إفقار الموظف أو مصادرة حقه، بل يُنشئ مدخرات استثمارية تُعاد إلى أصحابها لاحقاً.
ثالثاً: التحول التدريجي نحو التمويل الذاتي الجزئي للوزارات والمؤسسات الرسمية؛ إذ لا يعقل أن تظل مئات الدوائر الحكومية عالة مطلقة على الموازنة الاتحادية، بل يجب إلزام كل وزارة بتغطية نسبة محددة من نفقاتها التشغيلية ورواتب كوادرها عبر تفعيل إيراداتها الذاتية، ورقمنة الجباية، واستثمار أصولها المعطلة بدلاً من استنزاف الخزينة المركزية.
رابعاً: ضبط المنافذ الحدودية ومكافحة التهرب الجمركي الصريح، وإنهاء الفوضى في قطاع الإعفاءات والاستيراد غير الخاضع للضوابط، والذي يهدر سنوياً مليارات الدولارات القادرة على سد العجز دون الحاجة لتقويض العملة الوطنية.
إن الاستمرار في إدارة الاقتصاد العراقي بعقلية ردود الأفعال المحاسبية والتضحية بقيمة الدينار كلما ضاقت موارد الريع هو إعلان إفلاس سياسي ورؤيوي لا لبس فيه. نوجه خطابنا النقدي الصريح والمباشر إلى البنك المركزي والحكومة واللجان المعنية في البرلمان: كفاكم هروباً إلى الأمام وجبناً في مواجهة الحيتان الكبار! إن حماية العملة الوطنية تبدأ من استعادة السيادة المالية، وكسر شوكة الفساد في خطوطه الأولى، وإصلاح الموازنة من جذورها، وليس من مد اليد الآثمة إلى جيوب الضعفاء والكادحين. إن العجز المالي الحقيقي في العراق لم يكن يوماً في حجم الإيرادات، بل في الإرادة السياسية الغائبة؛ والاستمرار في إرهاق المجتمع بالحلول العرجاء لن يقود إلى الاستقرار، بل يمهد لانفجار اجتماعي وشيك لن تبقي شظاياه حجراً على حجر.
جراحة في جسد مشلول: خفض الدينار وتصدير الأزمة إلى جيوب الفقراء

