حين كان عقله اوسع من عصره… ابو الريحان البيروني عقله سبق الزمان
بقلم محمد عطا القطيعي
ليست عظمةُ العلماء في كثرة ما حفظوا، ولا في عدد الكتب التي تركوها خلفهم، وإنما في قدرتهم على أن ينظروا إلى العالم بعينٍ لم تكن قد تعلّمت بعدُ كيف تنظر.
وفي تاريخ البشرية عقولٌ لم تعش في زمنها فحسب، بل عاشت أبعد من زمنها؛ عقولٌ جاءت إلى الدنيا وكأنها تحمل في داخلها أسئلةَ قرونٍ لم تولد بعد، وتبحث عن أجوبةٍ لم تكن أدوات عصرها قد أُعدّت لاكتشافها.
ومن بين هذه العقول ينهض اسمٌ شامخٌ كأنه صفحةٌ مضيئة من كتاب الحضارة الإنسانية:
أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني.
ذلك الرجل الذي لم يرضَ أن يكون عالمًا في علمٍ واحد، لأن الكون في نظره لم يكن مقسمًا إلى جزرٍ منفصلة؛ فالرياضيات عنده طريقٌ إلى الفلك، والفلك نافذةٌ على الجغرافيا، والجغرافيا تقود إلى فهم الأرض، وفهم الأرض يفتح بابًا للفلسفة، والفلسفة لا تكتمل إلا بالسؤال والتجربة والبرهان.
لقد كان البيروني يرى المعرفة نسيجًا واحدًا، تتشابك خيوطه، فإذا أمسكت بخيطٍ منه قادك إلى خيطٍ آخر، حتى تجد نفسك أمام صورة الكون بأسره.
عقلٌ لم يعرف حدودًا للمعرفة
كان البيروني عالمًا في الطب، والفلك، والرياضيات، والجغرافيا، والجيولوجيا، والكيمياء، والصيدلة، والفلسفة، والتاريخ، واللغات والترجمة، وترك تراثًا علميًا واسعًا في مؤلفات متعددة المجالات.
ولم تكن موسوعيته ترفًا معرفيًا، ولا رغبةً في جمع الأسماء والعلوم، بل كانت انعكاسًا لطريقة تفكيره؛ فقد كان يؤمن بأن الحقيقة لا تسكن علمًا واحدًا، وأن الظاهرة الواحدة قد تحتاج إلى أكثر من مفتاح حتى تُفتح أبوابها.
ولهذا لم يكن يسأل عن الشيء فحسب، بل كان يسأل:
كيف نعرفه؟
وبأي دليل نعرفه؟
وهل يمكن أن نختبر ما نعتقد أننا نعرفه؟
وهنا تبدأ عبقرية البيروني الحقيقية.
فهو لم يكن مجرد رجلٍ يعرف كثيرًا، بل كان رجلًا يعرف كيف يصنع المعرفة.
حين قاسَ الأرض بعقلٍ سبق أدواته
من أروع ما يكشف عن عبقرية البيروني محاولاته العلمية لقياس أبعاد الأرض.
في عصرٍ لم تكن فيه الأقمار الصناعية، ولا أجهزة تحديد المواقع، ولا الخرائط الرقمية، ولا وسائل القياس الحديثة التي نعرفها اليوم، استطاع أن يوظف الرياضيات والهندسة والفلك في محاولةٍ علمية دقيقة لحساب نصف قطر الأرض.
لقد أدرك أن الطبيعة لا تحتاج إلى أن تعطي الإنسان أسرارها جاهزة؛ وإنما يكفي أحيانًا أن يمنحها الإنسان سؤالًا ذكيًا، وقياسًا دقيقًا، وعقلًا لا يخشى الحساب.
وهكذا تحولت الجبال والآفاق والزوايا إلى أدواتٍ في يده، وتحول العقل إلى مختبر، وتحولت الرياضيات إلى لغةٍ يقرأ بها تضاريس الكوكب.
وهنا لا تكمن الدهشة في الرقم وحده، وإنما في الفكرة التي سبقت الرقم:
أن الأرض يمكن أن تُقاس بالعقل، حتى حين تعجز اليد عن الإحاطة بها.
الأرض التي تحت أقدامنا… كانت سؤالًا في رأسه
لم يتعامل البيروني مع الأرض بوصفها مجرد مكانٍ يعيش عليه الإنسان، بل جعلها موضوعًا للبحث والقياس والمقارنة.
وفي أعماله الجغرافية والفلكية تناول مسائل تتعلق بشكل الأرض وأبعادها وحركتها، وأسهم في تطوير الأساليب الرياضية والجغرافية التي أصبحت فيما بعد جزءًا أساسيًا من علوم قياس الأرض.
ولهذا ارتبط اسمه بتاريخ الجيوديسيا، ذلك العلم الذي يبحث في شكل الأرض وأبعادها وقياسها.
إنها مفارقة تستحق التأمل:
الإنسان الذي كان يقف على الأرض، كان يحاول أن يفهم الأرض نفسها.
لم يكتفِ بأن يمشي فوقها؛ أراد أن يعرف شكلها، وحجمها، وأبعادها، وعلاقتها بالسماء التي تعلوه.
الفلك عنده لم يكن سماءً… بل سؤالًا
حين نظر البيروني إلى السماء لم يرَ مجرد نجومٍ تتلألأ في الليل، وإنما رأى نظامًا يمكن للعقل أن يدرسه.
كان الفلك عنده علمًا يحتاج إلى الحساب والرصد، لا إلى الحكايات وحدها.
وهنا تتجلى إحدى أهم سمات العقل العلمي عنده:
الفصل بين ما نتخيله وما نستطيع إثباته.
لقد كان شديد العناية بالرصد والقياس، ويستخدم الرياضيات لفهم الظواهر الفلكية والجغرافية، وناقش مسائل تتعلق بحركة الأرض والظواهر السماوية ضمن سياق علمي وفلسفي بالغ العمق.
ولذلك فإن قراءة البيروني اليوم لا تمنحنا معلوماتٍ عن الماضي فقط، وإنما تمنحنا درسًا في كيفية التفكير.
من الكيمياء إلى الصيدلة… ومن المادة إلى الإنسان
ولم تتوقف رحلته عند السماء والأرض.
فقد بحث في المعادن والأحجار والأوزان النوعية، واهتم بخصائص المواد، كما ترك مؤلفات ذات قيمة في الصيدلة والأدوية.
وفي كتابه «الصيدنة في الطب» تناول أسماء الأدوية وموادها ومرادفاتها بلغات متعددة، بما يكشف عن عقلٍ لم يكن يفصل بين العلم واللغة، ولا بين المعرفة والتواصل.
فالدواء عنده ليس مادةً فحسب؛ بل له اسم، وتاريخ، وموطن، وخصائص، واستعمال.
وكأن البيروني يقول لنا:
إن معرفة الشيء لا تكتمل بمعرفة اسمه، بل بمعرفة حقيقته وآثاره ومكانه في شبكة الأشياء.
البيروني… المؤرخ الذي لم يكتب التاريخ من نافذة واحدة
وفي التاريخ أيضًا كان مختلفًا.
لم يكن ينظر إلى الشعوب والحضارات بعينٍ مغلقة، وإنما حاول أن يفهم عقائدها وعاداتها وعلومها وموروثاتها من داخل منظومتها الفكرية.
وفي كتابه الشهير «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» قدّم دراسة واسعة للحضارة الهندية، تناول فيها جوانب من أديانها وفلسفتها وعلومها وعاداتها.
وهنا يظهر وجهٌ آخر من عبقريته:
أن تعرف الآخر دون أن تفقد قدرتك على التفكير النقدي، وأن تفهم ثقافةً أخرى قبل أن تحكم عليها.
وهذه ليست مجرد مهارة تاريخية؛ إنها فضيلة فكرية ما زال العالم يحتاج إليها.
لم يكن البيروني يجمع العلوم… بل كان يجمع مفاتيح الكون
ربما كان الخطأ في قراءة البيروني أن ننظر إليه باعتباره رجلًا ألّف في علوم كثيرة.
أما القراءة الأعمق فتقول شيئًا آخر:
لقد كان يبحث عن وحدة المعرفة.
فالطبيب فيه يحتاج إلى الكيميائي، والكيميائي يحتاج إلى الرياضي، والرياضي يحتاج إلى الفلكي، والفلكي يحتاج إلى الجغرافي، والجغرافي يحتاج إلى المؤرخ، والمؤرخ يحتاج إلى الفيلسوف.
وهكذا تصبح علومه المتعددة ليست غرفًا منفصلة، وإنما قاعاتٍ متصلة في عقلٍ واحد.
ولذلك فإن قيمة البيروني لا تُقاس فقط بعدد الكتب التي كتبها، وإنما بقدرته على بناء جسورٍ بين علومٍ لم يكن الناس قد اعتادوا أن يروها متجاورة.
عبقريةٌ لم تكن تصرخ… بل كانت تبرهن
وقد احتفى به عدد من كبار مؤرخي العلم، ومن أشهر ما نُقل في وصف مكانته قول مؤرخ العلم جورج سارتون عنه إنه كان رحالةً وفيلسوفًا ورياضيًا وفلكيًا وجغرافيًا وعالمًا موسوعيًا، وعدّه من كبار علماء الإسلام والعالم.
كما اشتهرت عنه أوصافٌ بالغة الإعجاب في الكتابات الاستشراقية والتاريخية.
لكن أجمل شهادةٍ للبيروني ليست ما قاله عنه الآخرون.
أجمل شهادةٍ له هي ما تركه بنفسه.
كتابٌ بعد كتاب.
وسؤالٌ بعد سؤال.
وتجربةٌ بعد تجربة.
وبرهانٌ يقود إلى برهان.
أبو الريحان… حين يتحول الإنسان إلى سؤال
إن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من البيروني ليس أن نحفظ أسماء مؤلفاته، ولا أن نردد أنه كان عالمًا موسوعيًا فحسب.
بل أن نفهم فلسفة عقله.
لقد عاش في زمنٍ كانت فيه أدوات المعرفة محدودة، لكنه لم يجعل محدودية الأدوات ذريعةً لمحدودية السؤال.
وهذه هي العبقرية الحقيقية.
فالأدوات قد تتغير، والآلات قد تتطور، والمختبرات قد تتسع، لكن الإنسان الذي لا يعرف كيف يسأل سيظل فقيرًا مهما امتلك من الأجهزة.
أما البيروني، فقد امتلك ما هو أعظم من الأجهزة:
امتلك عقلًا لا يكتفي بما يعرف، وقلبًا لا يخشى ما يجهل، ومنهجًا يبحث عن البرهان.
ولهذا فإن الحديث عن البيروني ليس حديثًا عن رجلٍ عاش منذ قرون.
إنه حديثٌ عن فكرةٍ اسمها الإنسان حين يحرر عقله من حدود عصره.
لقد كان البيروني واقفًا في القرن الحادي عشر، لكن أسئلته كانت تنظر إلى قرونٍ قادمة.
وكان يرفع عينيه إلى السماء، ويضع قدميه على الأرض، ثم يقول للعقل:
تعالَ نحاول أن نفهم.
وهنا تكمن عظمته.
فقد لا يكون أعظم إنسانٍ هو من امتلك أكبر قدرٍ من المعلومات، وإنما من استطاع أن يحوّل المعرفة إلى سؤال، والسؤال إلى بحث، والبحث إلى برهان، والبرهان إلى حضارة.
ذلك هو أبو الريحان البيروني؛
رجلٌ لم يكن عصره يتسع لعقله،
فاضطر عقله أن يتسع للعصور.
وإذا كانت الحضارات تُقاس بما تركته خلفها، فإن البيروني ترك ما هو أبقى من الحجر:
ترك نموذجًا للعقل الذي لا يضع للمعرفة سقفًا، ولا للدهشة نهاية، ولا للحقيقة طريقًا إلا طريق البحث والبرهان.
———-القطيعى الشريف———-

