بقلم: الجيوفيزيقي محمد عربي نصار
في مشهد من أكثر المشاهد الطبيعية إثارةً للدهشة، تستعد أجزاء من العالم يوم الأربعاء 12 أغسطس 2026 لمشاهدة كسوف كلي للشمس، حين يعبر القمر بين الأرض والشمس فيحجب قرصها، ويجري ظل القمر فوق سطح الأرض بسرعة هائلة، محولًا النهار في شريط جغرافي ضيق إلى ما يشبه الغسق لبضع دقائق.
لكن بالنسبة للمصريين، فإن القصة الأكثر إثارة ليست ما سيحدث في أغسطس الجاري؛ فكسوف 2026 لن يُشاهد من مصر. الموعد الذي يستحق أن نضع تحته خطًا عريضًا هو 2 أغسطس 2027، عندما يعبر مسار كسوف كلي استثنائي مصر، وتصبح الأقصر وجنوب البلاد من أهم مناطق الرصد الفلكي في العالم.
والأمر، من منظور الجيوفيزياء، أكبر من مجرد قرص أسود يغطي الشمس؛ إنه تجربة طبيعية ضخمة تسمح لنا بمشاهدة استجابة الغلاف الجوي والأرض لانخفاض مفاجئ وسريع في الطاقة الشمسية.
ماذا يحدث فوق رؤوسنا؟
لفهم الكسوف ببساطة، تخيل ثلاثة أجرام تصطف تقريبًا على خط واحد: الشمس ← القمر ← الأرض.
عندما يحدث هذا الاصطفاف في التوقيت والهندسة المناسبين، يسقط ظل القمر على الأرض. ومن يوجد داخل الجزء المركزي الداكن من الظل، أو Umbra، يشاهد الكسوف الكلي؛ أما من يوجد في منطقة شبه الظل Penumbra فيرى جزءًا فقط من الشمس محجوبًا.
والمدهش أن الشمس أكبر من القمر بنحو 400 مرة في القطر، لكنها أبعد عنه عن الأرض بنحو 400 مرة تقريبًا؛ لذلك يبدو القرصان في سمائنا بحجم ظاهري متقارب بصورة تسمح للقمر، في ظروف معينة، بأن يغطي الشمس بالكامل.
إنها مصادفة هندسية سماوية مدهشة جعلت الكسوف الكلي واحدًا من أروع المشاهد التي يستطيع الإنسان رؤيتها من سطح الأرض…
12 أغسطس 2026… العالم يشاهد ومصر خارج المشهد
بحسب بيانات NASA الخاصة بكسوف 12 أغسطس 2026، سيكون الكسوف كليًا على طول مسار يمر بمناطق تشمل جرينلاند وآيسلندا وشمال إسبانيا، بينما تشاهد مناطق أوسع من أوروبا وشمال الأطلسي كسوفًا جزئيًا.
وتصل أقصى مدة للمرحلة الكلية إلى نحو دقيقتين و18 ثانية.
أما مصر فستكون خارج نطاق مشاهدة الكسوف الكلي والجزئي في ذلك اليوم.
وهنا يجب التمييز بين عبارتين كثيرًا ما تختلطان في الأخبار: أن الكسوف «كلي» لا يعني أنه كلي في كل مكان على الأرض، بل يعني أن هناك شريطًا جغرافيًا محددًا يصل فيه الحجب إلى 100%، بينما قد تشاهده مناطق أخرى جزئيًا، وقد لا تراه دول أخرى على الإطلاق.
لكن لماذا يهتم الجيوفيزيقي بالكسوف؟
هنا تبدأ القصة العلمية الأكثر إثارة.
نحن لا نتعامل فقط مع ظاهرة فلكية، وإنما مع تجربة طبيعية مؤقتة في نظام الأرض.
الشمس هي المصدر الأساسي للطاقة التي تتحكم في تسخين سطح الأرض والغلاف الجوي. وخلال الكسوف الكلي يحدث انخفاض سريع للغاية في الإشعاع الشمسي الواصل إلى مساحة محددة من الأرض.
وبذلك يقدم الكسوف للعلماء ما يشبه تجربة طبيعية On–Off Experiment: مصدر الطاقة الشمسية ينخفض فجأة ثم يعود بعد دقائق، بينما تقيس الأجهزة استجابة البيئة.
ماذا يحدث للغلاف الجوي؟
مع تقدم الكسوف ينخفض الإشعاع الشمسي، ثم تبدأ درجة حرارة الهواء قرب السطح في الانخفاض بدرجات متفاوتة تبعًا للموقع والطقس والرطوبة والرياح.
وقد تتغير حركة الهواء محليًا نتيجة اختلاف التسخين بين المنطقة الواقعة تحت الظل والمناطق المحيطة بها.
بعبارة مبسطة: يمر فوق الأرض ظل بارد نسبيًا وسريع الحركة، ويستجيب له الجزء السفلي من الغلاف الجوي..
لكن التأثير لا يتوقف عند السطح.
الأيونوسفير… مختبر جيوفيزيائي في السماء
على ارتفاع عشرات إلى مئات الكيلومترات توجد طبقات من الغلاف الجوي المتأين تعرف باسم الأيونوسفير Ionosphere.
الإشعاع الشمسي، وخصوصًا الأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية، يؤدي دورًا رئيسيًا في تأيين الذرات والجزيئات هناك.
ماذا يحدث عندما يحجب القمر الشمس فجأة؟
تنخفض عملية التأين في المنطقة المتأثرة بالظل، وتتغير كثافة الإلكترونات وخصائص بعض طبقات الأيونوسفير مؤقتًا، ثم تبدأ في التعافي بعد انتهاء الكسوف وعودة الإشعاع الشمسي.
ولهذا يهتم علماء الجيوفيزياء أثناء الكسوف ببيانات GPS/GNSS وقياسات المحتوى الإلكتروني الكلي TEC والرادارات والأيونوسوند وغيرها.
فالكسوف هنا يصبح تجربة ضخمة لدراسة العلاقة:
الشمس → الغلاف الجوي العلوي → الأيونوسفير → انتشار الموجات الكهرومغناطيسية.
وقد تظهر تغيرات مؤقتة في ظروف انتشار بعض موجات الراديو نتيجة تغير خصائص الأيونوسفير.
وهذا مثال رائع على أن الجيوفيزياء لا تدرس فقط ما يوجد تحت أقدامنا من صخور وطبقات، بل تدرس أيضًا البيئة الفيزيائية المحيطة بالأرض وتفاعلها مع الشمس.
وهل الكسوف يسبب الزلازل؟
هذه نقطة تستحق التوقف أمامها، خصوصًا مع انتشار منشورات على وسائل التواصل تربط بين الكسوف والزلازل أو البراكين.
لا توجد أدلة علمية موثوقة تسمح باعتبار الكسوف الشمسي سببًا للزلازل المدمرة.
صحيح أن الشمس والقمر يمارسان قوى جاذبية على الأرض، وهي المسؤولة عن ظواهر المد والجزر، وتوجد بالفعل دراسات جيوفيزيائية تبحث تأثير Earth Tides في الإجهادات الصغيرة داخل القشرة الأرضية.
لكن هذا مختلف تمامًا عن الادعاء بأن مرور الكسوف سيؤدي إلى حدوث زلزال.
فالكسوف في جوهره هندسة للضوء والظل نتيجة اصطفاف الأجرام، وليس آلية تطلق فجأة طاقة تكتونية ضخمة داخل القشرة الأرضية.
لذلك لا ينبغي تحويل ظاهرة فلكية رائعة إلى مصدر للخوف.
ثم يأتي 2 أغسطس 2027… وهنا تدخل مصر قلب الحدث
إذا كان كسوف 2026 حدثًا سنقرأ عنه ونشاهد صوره من الخارج، فإن الاثنين 2 أغسطس 2027 سيكون مختلفًا تمامًا.
سيمر مسار الكسوف الكلي عبر شمال إفريقيا ومصر وشبه الجزيرة العربية، وستكون مناطق في جنوب مصر، وعلى رأسها الأقصر، داخل نطاق الكسوف الكلي.
وفي الأقصر ستقترب مدة الكلية من 6 دقائق و23 ثانية، وهي مدة استثنائية بالنسبة لكسوف كلي.
تخيل المشهد:
الأقصر في منتصف النهار تقريبًا… معابد عمرها آلاف السنين… الشمس المصرية الساطعة فوق وادي النيل… ثم يبدأ قرص القمر في التقدم ببطء أمام الشمس.
يتحول الهلال الشمسي إلى خيط رفيع.
تنخفض الإضاءة بسرعة.
ثم تختفي آخر نقطة من سطح الشمس…
وفجأة يظهر القرص الأسود للقمر محاطًا بالهالة الشمسية Corona.
لن يكون ذلك مجرد مشهد سياحي؛ بل حدث فلكي وجيوفيزيائي عالمي بكل المقاييس.
لماذا سيكون كسوف 2027 استثنائيًا؟
هناك هندسة مدارية مناسبة للغاية وراء طول مرحلة الكلية.
يتغير بُعد القمر عن الأرض لأن مداره ليس دائرة كاملة، كما يتغير بُعد الأرض عن الشمس خلال العام. وفي كسوف أغسطس 2027 ستكون الظروف الهندسية مناسبة ليبدو القمر كبيرًا بما يكفي لتغطية الشمس فترة طويلة نسبيًا.
كما أن موقع مسار الظل فوق مصر وشمال إفريقيا يجعل مناطق معينة قريبة جدًا من مركز مسار الكلية.
والنتيجة: أكثر من ست دقائق من الليل المؤقت في قلب النهار.
وهي فترة طويلة جدًا عندما نتحدث عن كسوف شمسي كلي.
الأقصر قد تتحول إلى مختبر جيوفيزيائي عالمي
وهنا أرى أن أهمية الحدث بالنسبة لمصر ينبغي ألا تقتصر على السياحة أو التصوير.
كسوف 2027 يمثل فرصة ممتازة لإجراء برنامج علمي مصري متكامل تشارك فيه الجامعات والمعاهد البحثية والمتخصصون في الفلك والجيوفيزياء والأرصاد والاتصالات.
يمكن خلال الساعات المحيطة بالكسوف متابعة عدة متغيرات بصورة متزامنة: درجة حرارة الهواء والضغط والرطوبة وسرعة واتجاه الرياح والإشعاع الشمسي، إلى جانب قياسات GNSS-TEC للأيونوسفير والمجال المغناطيسي الأرضي وانتشار الموجات الراديوية.
ثم تقارن القياسات قبل مرور الظل وأثناءه وبعده..
وهنا تتحول دقائق الظلام الست من مجرد مشهد مبهر إلى تجربة علمية طبيعية نادرة.
القاهرة لن تغرق في الظلام الكامل
من المهم أيضًا تصحيح اعتقاد قد ينتشر قبل الحدث.
ليس معنى أن مصر ستشهد كسوفًا كليًا أن كل مصر ستشاهده كليًا.
فالكسوف الكامل لا يظهر إلا داخل شريط جغرافي محدد.
الأقصر ومناطق من جنوب مصر ستكون في وضع متميز للغاية، بينما ستشاهد القاهرة كسوفًا جزئيًا عميقًا جدًا، وليس مرحلة كلية.
ولهذا قد تختلف التجربة بصورة مذهلة بين شخصين يفصل بينهما بضع مئات من الكيلومترات.
لا تنظر إلى الشمس مباشرة
وسط الحماس يجب ألا ننسى أخطر خطأ يمكن ارتكابه: النظر إلى الشمس بالعين المجردة أثناء المراحل الجزئية للكسوف.
الشمس لا تصبح آمنة لمجرد أن معظم قرصها اختفى.
يجب استخدام نظارات كسوف مخصصة مطابقة لمعايير السلامة المناسبة أو مرشحات شمسية معتمدة للأجهزة البصرية. ولا تكفي النظارات الشمسية العادية.
أما داخل مسار الكسوف الكلي، فهناك فترة قصيرة جدًا أثناء الكلية الكاملة فقط يصبح فيها سطح الشمس محجوبًا تمامًا؛ وبمجرد بدء ظهور الشمس مجددًا يجب استعادة وسائل الحماية فورًا.
من كسوف لا نراه… إلى موعد قد يتذكره جيل كامل
إذن لدينا تاريخان، لكن لكل منهما قصة مختلفة:
12 أغسطس 2026: كسوف شمسي كلي عالميًا، لكنه لن يكون مرئيًا من مصر.
2 أغسطس 2027: الموعد الكبير لمصر؛ كسوف كلي يعبر أجزاء من البلاد، وتصبح الأقصر إحدى أبرز نقاط الرصد على كوكب الأرض، بمرحلة كلية تقارب 6 دقائق و23 ثانية.
وربما تكمن روعة الكسوف في أنه يذكرنا بحقيقة أكبر من الظاهرة نفسها.
نحن نعيش فوق كوكب متحرك، يدور حول نجم، بينما يدور حولنا قمر بسرعات ومسافات هائلة؛ وفي لحظة محسوبة بدقة، تصطف هذه الأجرام الثلاثة بحيث يستطيع جسم قطره نحو 3,474 كيلومترًا أن يحجب عنا نجمًا قطره قرابة 1.39 مليون كيلومتر.
وعندما يحدث ذلك، لا يتوقف العلم عند النظر إلى السماء.
الفلك يفسر لنا لماذا حدث الكسوف، والجيوفيزياء تراقب كيف استجابت الأرض وغلافها الجوي لمرور ظل القمر.
وفي 2 أغسطس 2027، لن تكون مصر مجرد دولة تشاهد هذا المشهد…
بل ستكون جزءًا من أحد أعظم المختبرات الطبيعية المفتوحة في العالم.
حين يختفي قرص الشمس في وضح النهار… كسوف 2026 يمر بعيدًا عن مصر، وموعد تاريخي ينتظرها في 2027

