ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد جعل الله تعالى للمتقين أعظم الإنتفاع والإهتداء بكلامه فقال تعالي ” ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين ” ومن كرامتهم عليه فقد أعد لهم جنات عريضة لا يقدرها حق قدرها إلا الذي خلقها فقال تعالي ” وسارعوا إلي مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين” وجعل لهم العاقبة الباقية وخصهم بها فعقباهم خير وأمرهم لا يؤول إلا إلى خير فقال تعالي ” والعاقبة للمتقين” وعندما يرد الناس على الصراط فلا ينجو ممن هم عليه إلا المتقون، فقال تعالى ” ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا” وهذه منح عظيمة وعطايا ربانية لا يقدر أن يحدها حاد، وإياكم والإستهزاء بعباد الله تعالي، فإن من أجل خطورة الإستهزاء فقد أبرزه العلماء رحمهم الله في كتاب الردة من كتب الفقه الإسلامي ولا شك أن الردة أعظم كفرا من الكفر الأصلي كما هو معلوم عند أهل العلم، ويقول أبن قدامة المقدسي رحمه الله.
من سب الله تعالى كفر سواء مازحا أو جادا، وكذلك من أستهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه، وقال النووي رحمه الله والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن عمد واستهزاء بالدين صريح، ونقل القرطبي رحمه الله عن القاضي ابن العربي وهو يشرح موقف المستهزئين في غزوة تبوك قوله لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جادا أو هزلا وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة فإن التحقيق أخو العلم والحق والهزل أخو الباطل والجهل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، يكفر به صاحبه بعد إيمانه، ولما كان كتاب الله هو كتاب التربية الإسلامية الحقة، فقد حذر الله سبحانه وتعالى المؤمنين ونهاهم عن خلق السخرية والاستهزاء لكي يقوم المجتمع المسلم على الصدق والحق والإحترام والجدية، بعيدا عن عيوب الجاهلية وأخلاقها.
فيقول سبحانه وتعالي في سورة الحجرات ” يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون” فالحمد لله الذي بعث في الناس رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، أحمدك يا رب على أن اخترت الرسول الكريم ليكون نورا للعالمين وضياء للسالكين، وقدوة للناس أجمعين، ما من خصلة من خصال الخير إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم أوفر الحظ والنصيب من التخلق بها وقد وصفه الله تعالى بلين الجانب لأصحابه، وفي معاملته صلى الله عليه وسلم لأصحابه من حسن الخُلق ما لا يخفي ومن ذلك أنه كان يقضي حوائجهم ويتواضع معهم ويجيب دعوتهم ويزور مرضاهم ويشهد جنائزهم ويدعو لهم ولأبنائهم ويشفق عليهم ويشعر بآلامهم.
وينهاهم عن المبالغة في مدحه وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه في وصفه للنبي صلى الله عليه وسلم قال ” ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له حاجته ” رواه النسائي، وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ” رواه الحاكم، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، فيسلم على صبيانهم ويمسح برؤوسهم ويدعو لهم ” رواه النسائي، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول على المنبر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ” لا تطروني أي تبالغوا في مدحي، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده ، فقولوا عبد الله ورسوله ” رواه البخاري، فإعلموا يا عباد الله أن العبادة لا يتأتى القيام بها على وجهها إلا في ظل الأمن.
فالصلاة قال الله تعالى عنها فى سورة البقرة ” حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون” وقال تعالى فى سورة النساء “فإذا أطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا” وفى معنى قوله تعالى ” فإذا أطمأننتم فأقيموا الصلاة” أى أدوها بكمالها وصفتها التامة، وأيضا فإن من شروط وجوب الحج هو الأمن، فإذا وجد الإنسان نفقة الحج ولم يكن الطريق إليه آمنا فلا يجب عليه الحج قولا واحدا، فقال الله تعالى فى سورة البقرة ” فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى”

