قضية العقيدة وشؤون الحياة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا عباد الله أنه لمن المؤسف حقا أن كثيرا من المتحمسين لهذا الدين ضلوا الطريق، فجعلوا قضية الحكم بغير ما أنزل الله في شؤون الحياة قضية منفصلة عن قضية العقيدة، لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة، ولا يعدون المروق منها مروقا من الدين كالذى يمرق من عقيدة أو عبادة، والعمل بشريعة الله تعالى يجب أن يقوم ابتداء على العبودية لله عز وجل، على الطاعة لله تعالى، إظهارا لكمال العبودية لله سبحانه، وبعد الطاعة يجوز للعقل البشري أن يلتمس حكمة الله عز وجل بقدر ما يستطيع فيما أمر الله تعالى به أو نهى عنه، فإن عرف الحكمة فذلك من فضل الله، وإن لم يعرف فمقتضى العبودية الطاعة والانقياد والتسليم لله عز وجل، والعقل كلما تخلص من الهوى بمخالطة التقوى له، ومراقبة القلب له، يختار الطيب على الخبيث، فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، والله سبحانه، جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس.
وأكرمها بأفضل الكتب والرسل والشرائع، وأعدها لحمل منهج الله في الأرض، لتستقيم عليه، وتقيم الناس عليه، وحينئذ تكون ربانية حقا، وترتفع بشريتها إلى أحسن تقويم، فاللهم صلي وسلم وبارك على نبينا محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين والأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحب والآل، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين، إنه حينما تتصدق بنية شفاء مريضك فلا تقل سأجرب، بل كان جازما موقنا واثقا بأن الله عز وجل سيشفي مريضك ولا تستعجل النتيجة ولا تقنط ولا تيأس من رحمة الله تعالى بل كن واثقا به فهو الشافي النافع الكريم الذي بيده الضر والنفع والذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء والذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، فأحسن الظن به وأنه سيشفي مريضك فالله عند حسن ظن عبده به.
ولن يخذل الله أبدا عبده ما أحسن الظن به، وإن لم تري نتيجة سريعة لشفاء مريضك بعد صدقتك وهذا قد يحصل ولكنه نادر جدا فتصدق مرةً أخرى وكرر ذلك ولا تقنط وكن على تمام الثقة أن صدقتك لن تضيع أبدا فهي محفوظة عند من لا يضل ولا ينسى سبحانه وبحمده، وأنه إن لم يشفي مريضك بسبب صدقتك فاعلم يقينا أن ذلك لم يتم للطف إلهي وحكمة ربانية لأن الله تعالى قد لا يشفي المريض أحيانا حتى لو تصدق بل قد يلطف بعبده المتصدق فلا يشفيه حتى يتخلص من ذنوب يقيم عليها ففتش نفسك ونفس مريضك وتخلصوا من الذنوب والمعاصي وسترون من دفع أكرم الأكرمين عنكم وقبوله صدقتكم وشفائه ومعافاتـه ما لا يخطر لكم على بال وإذا شفى الله مريضك وأبدله عن الضراء سراء فتوجه ومريضك إليه بالحمد والشكر والهج بذلك كثيرا قائلا الحمد لله رب العالمين لأنه أهل الثناء والمجد وقد أذن إيذانا عظيما بالزيادة لمن وفقه لشكره.
فمن أكثر من شكر ربه على أن شفاه، فليبشر بزيادة العافية والبعد عن الأمراض، وإن دين الإسلام هو دين يرحم من رحم عصفورا من الذبح، فعن أبي أمامة رضي الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من رحم، ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة” رواه الطبراني، ودين يأمر أتباعه حتى أثناء الحرب ألا يقتلوا طفلا وألا يمثلوا بجثة، فعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال “اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا” رواه مسلم، وإنه دين يغفر لمن رحم كلبا وأشفق عليه مهما بلغت ذنوبه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش،
إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها، فاستقت له به، فسقته إياه، فغفر لها به” وإنه دين يأتي نبيه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة خصيما لمسلم موحد ظلم ذميا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة” رواه أبو داود، بل ويحرم الجنة على من قتل معاهدا، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما” رواه البخاري.

