الرئيسية » حين تحملك العنايه الالهيه
اخبار

حين تحملك العنايه الالهيه

حين تحملك العنايه الالهيه

حين تحملك العنايه الالهيه

بقلم محمد عطا القطيعي 

 

حديثٌ إلى الأرواح التي أنهكها الطوفان

إلى كل روحٍ أنهكتها الحياة حتى ظنت أن لا طاقة لها بالمزيد…

إلى كل قلبٍ وقف طويلًا أمام أمواج الابتلاء، ينظر إليها وهي تتعالى، موجةً فوق موجة، حتى خُيّل إليه أن السفينة أصغر من البحر، وأن الأسباب أضعف من العاصفة، وأن الطريق قد أغلق أبوابه كلها…

اقرأ هذه الآية بقلبك قبل عينيك:

﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ۝ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾

تأملها مرةً أخرى…

لم يقل سبحانه: فحمله اللوح، أو أنقذه الدُّسُر، أو غلبت السفينة الطوفان.

قال:

﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾.

وهنا يبدأ السر.

فالسفينة لم تكن عظيمةً لأنها مصنوعة من مادةٍ لا تُغلب، وإنما كانت عظيمةً لأن الذي حملها هو الله.

كان الطوفان هائلًا، وكانت السفينة من خشب، وكان الماء جبالًا، وكانت الأسباب في ظاهرها أقل من أن تواجه هول المشهد كله.

لكن حين تتولى العناية الإلهية شيئًا، لا يعود يُقاس بحجم أسبابه، وإنما بعظمة من تولاه.

وهذه ليست قصة نوحٍ وحده…

إنها قصة كل قلبٍ آمن بالله حين لم يعد في يده شيء.

كم من إنسانٍ يجلس اليوم في صمت غرفته، يحمل في صدره طوفانًا لا يراه أحد!

طوفانُ فقدٍ، أو مرض، أو خذلان، أو دين، أو خوفٍ من غدٍ مجهول، أو بابٍ أُغلق بعد أبواب، أو أمنيةٍ طال انتظارها حتى صار الانتظار نفسه وجعًا.

يبتسم أمام الناس…

ثم يعود إلى وحدته، فيخلع عن وجهه قناع التماسك، ويجلس أمام الله بقلبٍ لا يعرف ماذا يقول.

وقد يهمس:

يا رب… لم يعد في يدي شيء.

وهنا تحديدًا تبدأ يد الله في الظهور.

فالله لا يحتاج منك أن تكون قويًا دائمًا؛

ولا يشترط أن تأتيه بقلبٍ لا يرتجف، أو نفسٍ لا تحزن، أو روحٍ لا تتعب.

يكفي أن تأتيه وأنت مكسور، ولكنك لم تنكسر عنه.

يكفي أن تقول:

يا رب، لا أعرف كيف أنجو… لكني أعرف أنك لا تضيعني.

إن أعظم ما يعلّمنا إياه الطوفان ليس كيف نصنع سفينةً أقوى…

بل كيف نعرف من الذي يحمل السفينة.

قد تكون أسبابك اليوم صغيرة.

دعاءٌ في جوف الليل.

ركعتان لا يعلم بهما أحد.

دمعةٌ سقطت وأنت وحدك.

استغفارٌ تردده وقلبك مثقل.

صدقةٌ قليلة.

صبرٌ طويل.

تركُ معصيةٍ كنت تستطيع فعلها.

كلمة: حسبي الله.

أو حتى تنهيدةٌ خرجت من قلبٍ لم يعد يحتمل إلا الله.

في أعين أهل المادة، قد تبدو هذه الأشياء قليلة.

لكن السماء لا تنظر إلى حجم السبب كما ينظر إليه البشر؛

إنما تنظر إلى صدق القلب الذي تعلق بمسبب الأسباب.

فالخشبة لا تنقذ وحدها…

والدعاء لا يعمل بقوة ألفاظه، وإنما بكرم من يسمعه.

والسفينة لا تشق البحر بذاتها…

ولكنها تجري حين يأذن الله لها أن تجري.

ولذلك جاء التعبير القرآني المزلزل:

﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾

يا الله!

أيُّ طمأنينةٍ أوسع من أن تكون حياتك، في لحظات خوفك، في عين الله؟

أن تكون في عنايته حين لا يراك أحد.

أن يحفظك من حيث لا تعلم.

أن يفتح لك بابًا لم تكن تراه.

أن يغلق عنك بابًا كنت تظنه نجاتك، فإذا به لو فُتح عليك كان هلاكك.

أن يؤخر شيئًا لأن وقته لم يحن.

وأن يمنع شيئًا لأنك لا تعرف ما وراءه.

وأن يأخذ منك شيئًا كنت تبكي لفقده، ثم تكتشف بعد أعوام أنك كنت تبكي لأنك لم تكن تعرف الحكمة.

كم من بابٍ أغلقه الله رحمةً، ونحن حسبناه عقوبة!

وكم من تأخيرٍ ظنناه حرمانًا، وكان في الحقيقة إعدادًا!

وكم من طوفانٍ حسبناه نهاية الطريق، فإذا به الطريق الذي رفع سفينتنا فوق كل ما كنا نخافه!

أيها القلب المتعب…

لا تجعل شدة الموج تقنعك أن الله تركك.

فقد يكون أعظم حضورٍ لله في حياتك هو في اللحظة التي تشعر فيها أنك وحدك.

لا تقل:

الموج أعلى من سفينتي.

قل:

إن كان الله هو الذي يحمل سفينتي، فما شأن ارتفاع الموج؟

لا تقل:

أسبابي قليلة.

قل:

رب الأسباب لا تعجزه قلة الأسباب.

لا تقل:

لقد انتهيت.

قل:

ربما انتهت قدرتي أنا… ولكن قدرة الله لا تنتهي.

فأنت لا تعيش بالأسباب وحدها.

أنت تعيش بالله.

وحين يشتد الطوفان، لا تبحث عن جبلٍ تستند إليه كما فعل من ظن أن الجبل سيعصمه من أمر الله.

ابحث عن الله.

فليس كل مرتفعٍ نجاة، وليس كل منخفضٍ هلاكًا.

قد يقف الإنسان فوق جبلٍ من المال، ثم يغرق قلبه.

وقد يجلس على أرضٍ ضيقة، ولا يملك من الدنيا إلا القليل، ويكون قلبه أوسع من السماء.

فالنجاة ليست دائمًا أن يتغير العالم من حولك…

أحيانًا تكون النجاة أن يتغير قلبك وأنت في قلب العالم.

أن تمر العاصفة ولا تمر على إيمانك.

أن يخذلك البشر ولا تشعر أن الله خذلك.

أن تضيق بك الدنيا ولا يضيق بك باب الله.

أن تفقد شيئًا من يدك، ولا تفقد شيئًا من يقينك.

أيها الإنسان…

أنت لست متروكًا للرياح.

ولست ورقةً في مهب المصادفات.

ولست رقمًا تائهًا في هذا الكون الهائل.

إن كنت مع الله، فأنت في رعايةٍ لا تراها، وعنايةٍ قد لا تفهمها، ولطفٍ قد يأتيك متأخرًا في ظنك، لكنه يأتيك في وقته الذي اختاره الله.

وما أدراك ما لطف الله؟

اللطف هو أن تأتيك النجاة في اللحظة التي تظن فيها أن النجاة مستحيلة.

أن يُنقذ الله قلبك قبل أن ينقذ ظروفك.

أن يمنحك قوة الاحتمال قبل أن يرفع عنك البلاء.

أن يرزقك السكينة قبل أن يغيّر الواقع.

لأن الله أحيانًا لا يهدئ البحر أولًا…

بل يهدئ القلب الذي في السفينة.

فإذا كنت اليوم في طوفانٍ لا تعرف متى ينتهي…

اثبت.

ليس لأنك أقوى من الطوفان،

بل لأنك تعرف من هو أقوى من الطوفان.

وابنِ سفينتك بما تستطيع:

من خشب الدعاء،

ومسامير الصبر،

وحبال اليقين،

وشراع الرضا،

ومجداف الاستغفار،

واجعل قبلتها الله.

ثم اترك الباقي له.

فليس مطلوبًا منك أن تعرف كيف ستصل.

مطلوب منك فقط ألا تترك يد الله وأنت في الطريق.

وسيأتي يوم…

تلتفت فيه إلى الوراء، فتكتشف أن تلك الأيام التي كنت تسأل الله فيها:

لماذا أنا؟

كانت هي ذات الأيام التي كان الله فيها يصنع منك إنسانًا آخر.

وأن تلك العاصفة التي حسبتها جاءت لتقتلعك…

كانت تقتلع منك خوفك.

وأن ذلك الفقد الذي أبكاك…

كان يفتح في روحك مكانًا لشيءٍ أعمق.

وأن الأبواب التي أغلقت في وجهك…

كانت تدفعك نحو بابٍ لا يُغلق.

وأنك لم تكن تغرق كما ظننت…

بل كنت تُنقل إلى ضفةٍ لم تكن تعرفها.

سلامٌ على كل روحٍ أرهقها الطوفان ولم تفقد رب الطوفان.

سلامٌ على كل قلبٍ بكى في الخفاء، ثم قال رغم انكساره:

يا رب.

سلامٌ على الذين لم يجدوا في الأرض مأمنًا، فوجدوا في السماء وطنًا.

سلامٌ على من تأخر فرجهم، ولم يتأخر يقينهم.

سلامٌ على الذين ظنوا أن سفينتهم من خشب، ثم اكتشفوا أنها كانت محمولةً بعناية الله.

وتذكر دائمًا:

ليست العبرة بقوة السفينة…

بل بمن يحملها.

وليست النجاة في أن تكون أمواج الحياة صغيرة…

بل في أن يكون يقينك بالله أكبر.

فإذا قال لك الطوفان:

ستغرق.

فقل له بقلبٍ لا يرتجف:

لن أغرق… ما دام الذي يحملني هو الله.

وإذا قالت لك الأيام:

انتهيت.

فقل:

لم يبدأ الله معي ليتركني في منتصف الطريق.

وإذا قالت لك الدنيا:

لا مخرج.

فابتسم…

لأنك تعرف أن الله سبحانه يقول:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

وهنا…

حين تنتهي حيلتك،

وتسقط قوتك،

وتضيق الأرض،

وتعلو الأمواج،

وتتراجع الأسباب…

لا تخف.

فربما كانت تلك هي اللحظة التي تبدأ فيها معجزة العناية.

فالسفينة التي تجري بأعين الله… لا يخيفها البحر.

والقلب الذي يسكنه الله باليقين…

لا تهزمه العواصف.

والله يقول الحق،

وهو يهدي السبيل.

حين تحملك العنايه الالهيه

حين تحملك العنايه الالهيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *