مدينة الماريونيت
بقلم: أسماء عبده
في وسط المدينة… وسط الزحمة والبيوت المتلاصقة… قرر “سالم” و”أميرة” أن يفعلا شيئاً غريباً. أن يبنيا بيتاً… من زجاج.
ليس نافذة كبيرة، ولا شرفة مفتوحة.. بل بيت كامل. حائطه شفاف.. سقفه شفاف.. حتى الستائر لم تكن خياراً مفضلاً. في البداية، استغرب الناس، وقفوا يتفرجون، يهمسون: “دول عايزين يفضحوا نفسهم؟” لكن سالم وأميرة كانا يريان الأمر بشكل مختلف؛ قالا: “نحن لا نختبئ.. نحن نعيش بصدق.”
وبدأ العرض..
استيقظوا صباحاً.. الناس تراهم. فطروا.. الناس تراهم. اختلفوا.. ثم تصالحوا.. والجميع يشاهد. في الأول، كانا يشعران بالخجل.. ثم اعتادا.. ثم بمرور الوقت، بدأوا يستمتعون. فالإحساس بأنك “مرئي” طوال الوقت، يمنحك وهماً بأنك “مهم”.
ثم ركبوا سماعات داخل البيت، وميكروفونات خارجه، ليسمعوا تعليقات المارة: “البيت ليس نظيفاً” .. “تبدو حزينة اليوم”. وبدأوا يعدّلون حياتهم بناءً على رغبة الجمهور. ينظفون أكثر.. يضحكون أكثر.. يقللون الخلافات ويزيدون جرعة “الحب” المصطنع. تحولا إلى عرايس ماريونيت.. يتحركان بخيوط يمسكها “الغرباء”.
البرد القاتل خلف الزجاج
لكن خلف هذا الزجاج، كان هناك ثمن باهظ. مع الوقت، بدأ الصقيع يتسرب لروح أميرة. شعرت بملل قاتل من هذه الحياة “المعلّبة”، وببرد دائم رغم دفء الإضاءة، وإحساس بالنقص رغم كل عبارات المديح. كانت تعيش حياة مثالية في عيونهم، وميتة في عيون نفسها.
وحين وصلت أميرة للنقطة التي لم تعد تحتمل فيها الخيوط، وقررت أن تنهي حياتها لتتخلص من هذا الثقل.. حدث المشهد الأكثر رعباً في المدينة.
لم يركض أحد لكسر الزجاج وإنقاذها.. لم تصرخ جارة للنجدة.. بل وقف الجميع خلف حوائطهم الشفافة، يرفعون هواتفهم ببرود مخيف، يضبطون زوايا التصوير، ويتسابقون لالتقاط “اللحظة الأخيرة”. كان موت أميرة بالنسبة لهم مجرد “تريند” جديد، ومقطع فيديو سيجلب آلاف المشاهدات.
من الزجاج إلى الشاشات
دعونا نكون صرحاء.. سالم وأميرة ليسا خيالاً، وبيتهما الزجاجي ليس مجرد قصة. نحن فقط غيرنا الشكل؛ لم نعد نبني بيوتاً من زجاج، بل بنينا “حسابات”.
نفتح الكاميرا.. نرتب المشهد.. ونعرض حياتنا. وضعنا “ميكروفونات” عصرية، أسميناها: لايك، كومنت، شير. وكل إشعار هو توجيه يعيد صياغة هويتنا.
الختام
إن المأساة الحقيقية في “مدينة الماريونيت” ليست في اختفاء الجدران، بل في اختفاء “الإنسان” خلف هوس المشهد. لقد نجحت السوشيال ميديا في تحويل حياتنا من تجارب تُعاش بعمقها وألمها وصدقها، إلى “سلعة” تُعرض للمزايدة اليومية على منصات التفاعل. نحن لا نعدّل صورنا ومواقفنا لنكون أفضل، بل لنكون “أكثر قبولاً” في عيون الآخرين، حتى لو كان الثمن هو اغتيال عفويتنا ودفن حقيقتنا تحت طبقات من الفلاتر والتمثيل المتواصل. إننا نعيش في مفارقة مرعبة؛ فنحن في قمة اتصالنا التقني، لكننا في أوج عزلتنا الشعورية، حيث صار الآخر بالنسبة لنا مجرد “رقم” أو “تعليق”، وصار ألمنا الشخصي مجرد “محتوى” ينتظر دوره في العرض.
في نهاية المطاف، يجب أن نسأل أنفسنا بجدية: متى كانت آخر مرة عشنا فيها لحظة كاملة دون أن نفكر في “كادر” تصويرها؟ السوشيال ميديا لم تطلب منا أن نتخلى عن هويتنا صراحة، لكنها بهدوء شديد، غسلت عقولنا حتى صرنا نرى أنفسنا بعيون الغرباء لا بقلوبنا نحن. إن استعادة ذواتنا تبدأ من كسر هذا الإطار الزجاجي، وإعادة الاعتبار للخصوصية والهدوء ولحظات “الملل الحقيقي” التي تصنع وعينا بعيداً عن صخب الميكروفونات. لنستعد قدرتنا على أن نكون “بشرًا” لا مجرد “مشاهدين”، ولنتذكر دائماً أن أجمل ما في الحياة هو ذلك الجزء الذي لا يراه أحد، الجزء الذي نعيشه بصدق من أجلنا نحن، لا من أجل “التريند”.
في مغسلة العقول… لا يُطلب منك أن تصدق ، يكفي فقط .. أن تعتاد
فنحن لا نصنع المحتوى .. المحتوى هو من يصنعنا

