الرئيسية » مرايا الغياب
مقالات

مرايا الغياب

مرايا الغياب

مرايا الغياب

بقلم/نشأت البسيوني

في حياة الانسان اشخاص لا يغادرون تماما حتى عندما يبتعدون فهناك حضور يبقى في التفاصيل وفي الاماكن وفي بعض الكلمات التي اعتدنا سماعها منهم وفي اشياء صغيرة لا ينتبه لها احد لكنها تجعلنا نتذكرهم دون موعد وقد يمر يوم كامل دون ان نفكر في شخص غاب عنا ثم تأتي لحظة بسيطة تجعل صورته تعود الى الذاكرة وكأن المسافة لم تكن موجودة وكأن الزمن لم يمر

والغياب ليس دائما ان يرحل شخص من المكان فقد يكون الانسان موجودا امامنا لكنه غائب عن قلوبنا وقد نجلس بجواره ونتحدث معه ونراه كل يوم لكننا نشعر ان شيئا ما تغير وان المسافة التي بين الارواح اصبحت اكبر من المسافة التي بين الاجساد

وهذا النوع من الغياب يكون اكثر قسوة احيانا لأن الانسان لا يعرف هل يقترب ام يبتعد ولا يعرف هل يتحدث عما يشعر به ام يصمت ولا يعرف هل ما تغير يمكن اصلاحه ام ان الحكاية وصلت الى مرحلة لا ينفع معها الكلام

وقد تأتي لحظة يدرك فيها الانسان ان بعض العلاقات لا تنتهي بسبب مشكلة واحدة بل تنتهي بسبب تراكم اشياء صغيرة لم تجد طريقها الى الحل كلمة لم يتم توضيحها موقف لم يتم الاعتذار عنه شعور تم تجاهله مرة بعد مرة حتى اصبح الصمت اقوى من الرغبة في الكلام

ومع مرور الوقت يبدأ كل طرف في تفسير تصرفات الآخر بطريقته فيزداد البعد وتكبر المسافة ويصبح كل واحد منهما ينتظر من الآخر خطوة لا تأتي ثم تتحول العلاقة من قرب جميل الى ذكرى ثقيلة لا يعرف احد كيف بدأت نهايتها

والانسان في كثير من الاحيان لا يخسر الاشخاص بسبب قلة الحب بل بسبب قلة التعبير فقد يحب شخصا كثيرا لكنه لا يعرف كيف يقول ذلك وقد يتألم من تصرف معين لكنه لا يتحدث عنه وقد يحتاج الى كلمة تطمئنه لكنه يتظاهر بالقوة وقد يظن الطرف الآخر ان كل شيء بخير لأن لا احد تحدث

وهكذا تضيع اشياء كثيرة كان يمكن ان تنقذها كلمة صادقة في الوقت المناسب

فالكلام الذي نؤجله كثيرا قد يفقد قيمته عندما يأتي متأخرا والاعتذار الذي نؤخره قد يصبح اصعب والعتاب الذي نخاف منه قد يتحول الى مسافة طويلة لا نعرف كيف نقطعها

ولهذا يحتاج الانسان الى ان يكون واضحا مع من يحب قبل ان يصبح الوضوح مستحيلا

يقول انا متعب عندما يكون متعبا

يقول انا اخطأت عندما يخطئ

يقول انت مهم بالنسبة لي عندما يشعر بذلك

ويقول هذا التصرف يؤلمني عندما يحدث

لان العلاقات لا يمكنها ان تعيش على التخمين وكل طرف ينتظر من الآخر ان يفهم ما في داخله دون كلام

وقد يظن الانسان ان الشخص الذي يحبه يعرفه جيدا ولذلك لا يحتاج الى شرح مشاعره لكن الحقيقة ان اقرب الناس الينا قد يخطئون في فهمنا اذا لم نساعدهم على معرفة ما يحدث داخلنا

ومع ذلك هناك غياب لا يمكن اصلاحه مهما كثرت الكلمات لأن بعض الاشخاص يرحلون من الحياة نفسها وبعض العلاقات تنتهي بشكل لا يسمح بالعودة وبعض الابواب تغلق دون ان تمنحنا فرصة لقول ما كنا نريد قوله

وهنا يبدأ الجزء الاصعب من الحكاية

كيف يتعلم الانسان ان يعيش مع شيء لم يحصل على نهايته التي كان يريدها

والاجابة ليست سهلة

لكنه مع الوقت يتعلم ان بعض النهايات لا تحتاج الى اجابة كاملة حتى يستطيع الانسان الاستمرار وان بعض الاسئلة ستظل بلا رد وان بعض الاشخاص لن يعودوا وان بعض الكلمات ستبقى في القلب دون ان تصل الى اصحابها

ومع ذلك تستمر الحياة

يستيقظ الانسان في الصباح

يذهب الى عمله

يتحدث مع الناس

يضحك

يخطط

ويبدأ في اكتشاف ان القلب قادر على حمل الحزن ومواصلة الطريق في الوقت نفسه

وهذه من اغرب قدرات الانسان

انه يستطيع ان يفتقد شخصا ويواصل حياته

ان يحزن على شيء انتهى ويجد شيئا جديدا يفرحه

ان يحمل ذكرى قديمة ويصنع مستقبلا مختلفا

ان يتذكر من غاب دون ان يتوقف عن استقبال من بقي

ومع مرور السنوات يتغير شكل الغياب

في البداية يكون الغياب سؤالا مؤلما

ثم يصبح ذكرى

ثم يصبح جزءا من الماضي

ثم يأتي يوم يستطيع فيه الانسان ان يتذكر دون ان ينكسر

لا يعني ذلك ان الشخص لم يعد مهما

بل يعني ان القلب تعلم كيف يحمل الذكرى دون ان يجعلها تمنعه من الحياة

وهنا يبدأ الانسان في فهم معنى آخر للوفاء

فالوفاء لا يعني ان نبقى واقفين عند باب الماضي الى الابد

ولا يعني ان نرفض الحياة لأن شخصا غاب

ولا يعني ان نعاقب انفسنا على شيء انتهى

الوفاء الحقيقي ان نحفظ الجميل دون ان نمنع انفسنا من الاستمرار

ان نتذكر من احببناهم بالخير

ان نعترف بما قدموه لنا

ان نتعلم من التجربة

ثم نمضي

وقد تكون اجمل هدية نقدمها لمن غاب عنا ان نكمل حياتنا بشكل افضل

ان نصبح اكثر صدقا

اكثر رحمة

اكثر قدرة على تقدير الموجودين

اكثر حرصا على الكلام في وقته

واكثر شجاعة في التعبير عن المشاعر قبل ان تتحول الى ذكريات

فالغياب يعلم الانسان قيمة الحضور

يجعله يعرف ان وجود شخص بجانبه ليس امرا عاديا

وان المكالمة التي يمكنه ان يجريها اليوم قد تصبح غدا شيئا يتمنى لو كان يستطيع فعله

وان الجلسة التي تبدو عادية قد تكون بعد سنوات من اجمل الذكريات

وان كلمة احبك التي نستحي من قولها اليوم قد تصبح غدا كلمة نتمنى لو قلناها اكثر

لذلك لا تؤجل المشاعر الجميلة

لا تؤجل الاعتذار

لا تؤجل الشكر

لا تؤجل السؤال عن شخص تحبه

ولا تجعل الكبرياء يمنعك من كلمة قد تصلح شيئا قبل ان يصبح اصلاحه مستحيلا

فالحياة لا تعطينا دائما فرصة ثانية

يفهم الانسان ان الغياب ليس مجرد مساحة فارغة في المكان بل هو درس طويل عن قيمة الحضور وعن معنى الوقت وعن اهمية الكلام الصادق وعن هشاشة العلاقات وعن قدرة القلب على الاستمرار

وقد يبقى في داخلنا اشخاص لن يعودوا

وقد تبقى اماكن لا نستطيع زيارتها دون ان نتذكرهم

وقد تبقى اغنيات وكلمات وروائح ومواقف تعيدنا اليهم للحظات

لكننا مع الوقت نتعلم ان الذكرى يمكن ان تكون مؤلمة وجميلة في الوقت نفسه

نحزن لأنهم غابوا

ونبتسم لأنهم كانوا هنا

نفتقدهم

لكننا لا نكره الحياة بسبب غيابهم

وهكذا تتحول مرايا الغياب من شيء يعكس الفراغ الى شيء يعكس قيمة ما كان موجودا

فنحن لا نشعر بقيمة بعض الاشياء كاملة الا بعد رحيلها

ولا نعرف كم كان وجود انسان جميلا الا عندما يصبح مكانه فارغا

ولا نفهم قيمة اللحظة الا عندما تتحول الى ذكرى

ولهذا ربما تكون الحكمة الاهم التي يتركها الغياب في قلب الانسان هي ان ننتبه الى من معنا الآن

ان نحبهم بوضوح

ان نسمعهم بصدق

ان نعطيهم وقتامرايا الغياب

ان نغفر قبل ان تتراكم المسافات

وان نقول ما نريد قوله قبل ان يصبح الكلام مجرد امنية في ذاكرة لا تستطيع العودة الى الماضي

لان بعض الغياب لا يعالج

لكن بعضه كان يمكن منعه بكلمة واحدة في الوقت المناسب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *