الرئيسية » فالإنسان عندما يتكرر تجاهل كلامه قد يصل إلى مرحلة يقول فيها: لعل الصمت
Uncategorized

فالإنسان عندما يتكرر تجاهل كلامه قد يصل إلى مرحلة يقول فيها: لعل الصمت

الكاتب عايد حبيب جندي الجبلي  مدير مكتب سوهاج بجريدة 
ماذا قلتُ وماذا أقول؟ حين لم تسمعوا قولي في قول الحق والأقوياء، وفي نفس المكان يجلسون فلا يفهمون القول. خيراً لي ألا أقول شيئاً؛ لأنهم لا يرغبون في قولي ولا يسمعون صوتي البتة، ولأنهم لا يفهمون معيار القول المسبق للشيء المسبق.
إنهم يريدون الواقع بما فيه، ولا يرغبون بسماع الحقيقة. فأنا أنا، وأنتم أنتم، ولا أجلس في مجلسكم؛ فأنتم لا تُصغون للكلم، ولا تعرفون ماذا يُقدَّم في الحياة التي تبشر بما تحتويه بوقائعها لنا في الحاضر، وتتنبأ بما تؤول إليه في المستقبل. فالتبشير بالشيء كمثل الخريف حين يبشر بمقدمه قبل أن يأتي.
أنتم جالسون في زمنٍ لا يسبق مَن حوله في تقدم الحياة، وفي معزلٍ عن رفاهية العقل وتطوره. جالسون على تلة من ركام، سيأتي فيضانٌ ويجرفها، وتصبحون في وسط الفيضان يجرفكم حيثما يريد؛ فتصرخون ولا أحد يسمعكم، وتبكون ببكاءٍ مرير. ومن هنا، تتذكرون قولي في الأقاويل التي كنت أقولها لكم.. ولم تسمعوا.»
النص الذي كتبته يقوم على فكرة التحذير المسبق؛ أي أن المتكلم يرى ما قد يحدث قبل وقوعه، ويحاول أن ينبه الآخرين، لكنهم لا يستمعون إليه إلا بعد أن يصبح الواقع أقوى من قدرتهم على تغييره. وفيه مزج بين الحكمة، والعتاب، والتنبؤ بالمستقبل، ونقد الجمود الفكري.
شرح النص
«ماذا قلتُ وماذا أقول؟»
تبدأ العبارة بحيرة ممزوجة بالمرارة. فالمتكلم يشعر أنه قال ما كان ينبغي أن يُقال، وحذّر مما كان يجب التحذير منه، لكنه لم يجد آذانًا صاغية. لذلك أصبح يسأل: ماذا بقي لي أن أقول بعد أن لم يُسمع الكلام الأول؟
«حين لم تسمعوا قولي في قول الحق والأقوياء»
المقصود أن كلامه لم يكن مجرد رأي عابر، وإنما كان متعلقًا بالحق وبما يفعله أصحاب القوة والتأثير. فهو يحاول أن يلفت الانتباه إلى أن الواقع لا يُفهم فقط بما يحدث أمام العين، بل بما يفعله الأقوياء وما يمكن أن ينتج عن أفعالهم.
«وفي نفس المكان يجلسون فلا يفهمون القول»
هنا تظهر المفارقة: الناس موجودون في المكان نفسه، ويرون الأحداث نفسها، لكنهم لا يصلون إلى المعنى الذي يحاول المتكلم شرحه. فالمشكلة ليست في غياب المعلومة، وإنما في غياب القدرة على قراءة دلالتها.
«خيراً لي ألا أقول شيئاً»
هذه ليست بالضرورة دعوة إلى الصمت، بل تعبير عن الإحباط. فالإنسان عندما يتكرر تجاهل كلامه قد يصل إلى مرحلة يقول فيها: لعل الصمت أرحم من الكلام الذي لا يجد من يسمعه.
«لأنهم لا يرغبون في قولي ولا يسمعون صوتي البتة»
يتحول الأمر هنا من عدم الفهم إلى عدم الرغبة في الاستماع أصلًا. أي أن المشكلة ليست أن كلام المتكلم غامض فقط، وإنما أن هناك موقفًا مسبقًا من كلامه.
«معيار القول المسبق للشيء المسبق»
هذه من أكثر العبارات تجريدًا في النص، ويمكن فهمها على أنها تشير إلى الكلام الذي يسبق الحدث ويحاول استشرافه قبل وقوعه.
أي أن المتكلم لا ينتظر وقوع الشيء حتى يتحدث عنه، بل ينظر إلى مقدماته وعلاماته، ثم يقول: إن هذه المقدمات قد تقود إلى نتيجة معينة.
وهنا يصبح الفرق بين من يصف الواقع ومن يقرأ اتجاه الواقع:
الأول يقول: هذا ما يحدث الآن.
والثاني يقول: إذا استمر ما يحدث الآن، فهذا ما قد يحدث لاحقًا.
وهذا هو المحور الأساسي للنص كله.
«إنهم يريدون الواقع بما فيه، ولا يرغبون بسماع الحقيقة»
هذه العبارة تحمل مفارقة قوية؛ لأن الواقع والحقيقة قد يبدوان شيئًا واحدًا، لكن النص يفرّق بينهما.
الواقع هو ما حدث أو يحدث فعلًا.
أما الحقيقة في سياق النص فهي ما وراء الواقع: أسبابه، ونتائجه، وما يمكن أن يقود إليه.
ولهذا قد يقبل الإنسان مشاهدة الواقع، لكنه يرفض سماع تفسيره أو التحذير من مستقبله.
«فأنا أنا، وأنتم أنتم»
هذه العبارة ترسم مسافة نفسية وفكرية بين المتكلم والمخاطبين. كأنه يقول:
أنا أرى الأشياء من زاوية مختلفة، وأنتم تنظرون إليها من زاويتكم، ولذلك لا أستطيع أن أفرض رؤيتي عليكم.
ثم تأتي:
«ولا أجلس في مجلسكم»
وهي ليست بالضرورة عن الجلوس المكاني، وإنما يمكن أن تكون عن الانتماء الفكري إلى المجلس نفسه. فالمتكلم يشعر أنه لم يعد جزءًا من طريقة التفكير التي تجمعهم.
«فأنتم لا تُصغون للكلم»
هنا يميز النص بين سماع الصوت والإصغاء إلى المعنى.
قد يسمع الإنسان الكلمات بأذنه، لكنه لا يصغي إليها بعقله. والإصغاء الحقيقي، وفق منطق النص، هو أن يتوقف الإنسان أمام الكلمة ويسأل:
لماذا قيلت؟ وإلى ماذا تشير؟ وما الذي يمكن أن يحدث إذا تجاهلناها؟
«الحياة التي تبشر بما تحتويه بوقائعها لنا في الحاضر، وتتنبأ بما تؤول إليه في المستقبل» هذه الجملة هي قلب الفكرة الفلسفية في النص.
فالكاتب ينظر إلى الحاضر باعتباره مقدمة للمستقبل. الأحداث لا تأتي فجأة من العدم؛ وإنما تحمل داخلها إشارات إلى ما يمكن أن تصبح عليه لاحقًا.
مثلًا: إذا ظهرت مشكلة صغيرة وتم تجاهلها، فقد تتحول إلى أزمة. وإذا ظهرت بوادر تغير اجتماعي أو اقتصادي أو فكري، فإن قراءة هذه البوادر قد تساعد على فهم الاتجاه الذي تسير إليه الأمور. وهنا تأتي الصورة الجميلة:
«فالتبشير بالشيء كمثل الخريف حين يبشر بمقدمه قبل أن يأتي» هذه استعارة موفقة جدًا. فالخريف لا يأتي فجأة دون علامات؛ بل تسبقه إشارات: تغير الهواء، اصفرار الأوراق، برودة تدريجية، تغير شكل الطبيعة.
وبالتالي يصبح الخريف رمزًا للحدث القادم الذي تظهر مقدماته قبل وصوله.
وهذا يشرح معنى «القول المسبق» في النص:
أن ترى أوراق الخريف قبل الخريف، فتقول إن الفصل قادم، بينما من حولك قد يقولون: لم يأتِ الخريف بعد، فلماذا تتحدث عنه؟
«أنتم جالسون في زمن لا يسبق من حوله في تقدم الحياة»
هنا ينتقل النص من النقد الفردي إلى نقد الجمود الحضاري والفكري.
المتكلم يرى أن المخاطبين يعيشون داخل زمن متغير، لكنهم لا يتحركون مع هذا التغير. وكأن الزمن يتقدم من حولهم بينما هم ثابتون في مكانهم.
وهذا يجعل المشكلة ليست فقط في رفض نصيحته، وإنما في رفض التطور نفسه.
«وفي معزل عن رفاهية العقل وتطوره»
المقصود بـ«رفاهية العقل» هنا ليس الرفاهية المادية، وإنما قدرة العقل على:
التفكير. التحليل. مراجعة الأفكار. قبول الجديد. فهم المتغيرات. النظر إلى المستقبل.
فالعقل الذي لا يتطور يصبح أسيرًا لما اعتاده، حتى لو تغير العالم من حوله.
«جالسون على تلة من ركام» هذه من أقوى الصور في النص.
تلة الركام ترمز إلى شيء يبدو ثابتًا في الوقت الحالي، لكنه في الحقيقة مكوّن من أشياء متراكمة فقدت صلاحيتها.
قد يكون الركام رمزًا للأفكار القديمة، أو الأخطاء المتراكمة، أو القرارات الخاطئة، أو الجمود، أو الاعتماد على واقع لم يعد قائمًا.
والأهم أن المتكلم لا يقول إنهم يقفون على أرض صلبة، بل يقول إنهم يجلسون فوق ركام؛ أي إن الثبات الذي يظنونه موجودًا قد يكون وهمًا.
«سيأتي فيضان ويجرفها» هنا تظهر نتيجة تجاهل التحذير.
الفيضان رمز لقوة أكبر من قدرة الإنسان على مقاومتها، وقد يكون المقصود به تغيرًا كبيرًا ومفاجئًا يأتي فيزيل البنية القديمة التي ظن أصحابها أنها ثابتة.
وبذلك يصبح تسلسل الصورة: جمود → تراكم → ركام → فيضان → انجراف.
«وتصبحون في وسط الفيضان يجرفكم حيثما يريد» هذه نتيجة مهمة في فلسفة النص:
من لا يستعد للتغيير وهو هادئ، قد يجد نفسه مضطرًا إلى التعامل معه وهو في ذروة العاصفة.
فالإنسان يستطيع أن يختار طريقه قبل الفيضان، لكنه عندما يصبح وسطه، قد يفقد القدرة على تحديد اتجاهه.
«فتصرخون ولا أحد يسمعكم، وتبكون ببكاء مرير» هنا يصل النص إلى ذروة المأساة. في البداية كان المتكلم هو الذي يتحدث ولا يُسمع.
وفي النهاية يصبح المخاطبون هم الذين يصرخون ولا يُسمعون. وهذه مقابلة أدبية واضحة: في البداية: أنا أتكلم وأنتم لا تسمعون. في النهاية: أنتم تصرخون ولا أحد يسمعكم. وهكذا يعود الصمت إلى أصحابه، لكن بعد فوات الوقت.
«ومن هنا، تتذكرون قولي»
هذه هي الخاتمة المنطقية للنص.
الناس الذين رفضوا الكلام قبل وقوع الحدث قد يتذكرونه بعد وقوعه، لا لأن الكلام أصبح أقوى، بل لأن الواقع أثبت ما كانوا يرفضون سماعه.
وهنا يحمل النص عتابًا عميقًا:
ليست المشكلة أنكم لم تعرفوا الحقيقة، بل أنكم لم تريدوا سماعها عندما كان سماعها نافعًا.
المعنى العام
يمكن تلخيص النص في فكرة واحدة:
الإنسان قد يرى علامات المستقبل في أحداث الحاضر، ويحاول تحذير من حوله، لكن المجتمع قد يرفض كلامه لأنه لا يريد الحقيقة التي تزعج واقعه. وعندما يقع ما حُذّر منه، يصبح الكلام القديم حاضرًا في الذاكرة، لكن بعد أن يفقد قدرته على إنقاذ أحد.
والنص في جوهره ليس عن شخص يقول «أنا أعرف المستقبل»، وإنما عن قراءة مقدمات الأشياء.
فكما أن الخريف يمكن أن يُعرف من علاماته قبل أن يحل، فإن كثيرًا من التحولات في الحياة تظهر لها مقدمات قبل وقوعها. ومن يقرأ تلك المقدمات قد يبدو للآخرين متشائمًا أو مبالغًا، حتى يأتي اليوم الذي يتحول فيه التحذير إلى واقع.
وأجمل ما في الصورة الختامية أن الفيضان ليس هو العقوبة الحقيقية؛ العقوبة الأشد هي أن يتذكر الإنسان، وسط الماء، اليد التي حاولت أن تشير إليه إلى الخطر قبل أن يأتي، ثم يدرك أن الوقت الذي كان يستطيع فيه أن يتصرف قد مضى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *