بقلم/نشأت البسيوني
في حياة الانسان ابواب كثيرة بعضها يفتح بسهولة وبعضها يحتاج الى سنوات من المحاولة وبعضها يظل مغلقا مهما بحثنا عن طريق اليه لكن الانسان لا يفهم معنى الابواب الا عندما يدرك ان المفتاح الحقيقي لا يكون دائما في يده فقد يكون في قراره او في شجاعته او في قدرته على التخلي عن شيء ظل يتمسك به طويلا
ومن اغرب ما في الحياة ان الانسان قد يقف امام باب مفتوح ويظل يبحث عن مفتاحه لأنه اعتاد ان يظن ان الوصول يجب ان يكون صعبا وقد تكون الفرصة امامه واضحة لكنه يخاف من استخدامها وقد يأتيه الخير في صورة لم يتوقعها فيرفضه لأنه كان ينتظر الخير بالشكل الذي رسمه في خياله
ومع مرور الوقت يتعلم ان الابواب لا تتشابه وان لكل باب حكايته فهناك باب ندخله فنجد خلفه راحة وهناك باب ندخله فنجد تجربة تغيرنا وهناك باب نطرقه كثيرا ولا يفتح فنعتقد اننا خسرنا بينما تكون الحقيقة ان ذلك الباب لم يكن لنا من البداية
ويبدأ الانسان في فهم معنى الانتظار بطريقة مختلفة فلا يعود يظن ان تأخر الشيء يعني رفضه ولا يعتبر اغلاق باب نهاية الطريق فقد يكون التأخير حماية وقد يكون الاغلاق توجيها وقد يكون الطريق الذي لم يسلكه سببا في وصوله الى مكان لم يكن يتخيل وجوده
وفي مرحلة من العمر يكتشف الانسان ان بعض المفاتيح لا يصنعها المال ولا المكانة ولا العلاقات بل تصنعها المعرفة فالانسان الذي يتعلم يصبح قادرا على فتح ابواب كانت تبدو مستحيلة والذي يطور نفسه يكتشف فرصا لم يكن يراها من قبل لأن عينه اصبحت ترى ما لم تكن تراه
وهناك مفتاح اخر لا يقل اهمية وهو الصبر فبعض الابواب لا تحتاج الى قوة حتى تفتح بل تحتاج الى وقت فقد يحاول الانسان كسرها فيخسر نفسه ثم يكتشف بعد سنوات انها كانت ستفتح لو انتظر قليلا
ومع ذلك فالصبر لا يعني الوقوف امام باب مغلق الى الابد فهناك فرق بين ان تنتظر فرصة حقيقية وبين ان تضيع عمرك في انتظار شيء انتهى وقته ولذلك يحتاج الانسان الى الحكمة حتى يعرف متى يصبر ومتى يتحرك ومتى يترك الباب ويبحث عن طريق اخر
وقد يكون اصعب باب يواجهه الانسان هو باب الاعتراف بالحقيقة لأن خلفه اشياء لا يريد رؤيتها فقد يكتشف ان علاقة كان يدافع عنها لم تعد صالحة وان شخصا كان يثق به لم يكن كما ظن وان قرارا اتخذه منذ سنوات يحتاج الى مراجعة
لكن الحقيقة رغم قسوتها تمنح الانسان حرية لا يستطيع الكذب ان يمنحه اياها فالانسان الذي يعرف الحقيقة يستطيع ان يغير طريقه اما الذي يهرب منها فيظل يدور حول المشكلة نفسها مهما تغيرت الايام
ومع النضج يتعلم الانسان ان بعض الابواب لا ينبغي ان يفتحها مرة اخرى حتى لو امتلك مفتاحها فقد يكون الماضي قد انتهى بالفعل وقد يكون الرجوع اليه سببا في اعادة وجع استطاع الانسان بعد سنوات ان يتجاوزه
وهنا يعرف ان امتلاك المفتاح لا يعني ان عليه استخدامه دائما فالحكمة ليست في القدرة على فتح الباب بل في معرفة الباب الذي يستحق ان يفتح
وقد يكون هناك باب للصفح وباب للرحيل وباب للبداية وباب للاعتذار وباب للحلم وباب للراحة وكل واحد منها يحتاج الى مفتاح مختلف وبعض المفاتيح نجدها في الآخرين وبعضها نصنعه داخل انفسنا بعد سنوات من التجربة
وفي كثير من الاحيان يكون الانسان هو الباب والمفتاح في الوقت نفسه فقد يمنع نفسه من التقدم بسبب خوف قديم وقد يضع امام حلمه الف عذر وقد يقنع نفسه ان الظروف هي السبب بينما يكون السبب الحقيقي انه لم يمنح نفسه فرصة حقيقية للمحاولة
وعندما يكتشف ذلك يبدأ التغيير من الداخل فيتوقف عن انتظار اللحظة المثالية ويبدأ بما يستطيع ويخطئ ثم يتعلم ويجرب ثم يعدل خطواته ولا يعود يرى الخطأ كدليل على عدم قدرته بل يراه جزءا من طريق التعلم
ويفهم ان الانسان لا يحتاج الى ان يعرف الطريق كله حتى يبدأ يكفي ان يعرف الخطوة القادمة فكم من شخص ضيع سنوات لأنه كان يريد ضمان النهاية قبل ان يتحرك وكم من شخص وصل لأنه امتلك شجاعة البداية رغم انه لم يكن يعرف ماذا ينتظره بعد الباب
ومع مرور السنوات يصبح الانسان اكثر هدوءا في التعامل مع الابواب المغلقة فلا يضربها بعصبية ولا يجلس امامها باكيا طوال العمر بل يسأل نفسه ماذا تعلمت من هذا الباب ولماذا كنت اريده وهل ما زلت اريده فعلا ثم يمضي عندما يكتشف ان الطريق انتهى
يدرك ان الحياة ليست مجموعة ابواب نفتحها ثم نصل الى نهاية محددة بل هي رحلة من الابواب المتتابعة وفي كل مرة يدخل الانسان الى مرحلة جديدة يتغير المفتاح الذي يحتاج اليه
مفتاح اليوم قد لا يفتح باب الغد
والقرار الذي كان صحيحا في مرحلة قد لا يناسب مرحلة اخرى
والشخص الذي كان ضروريا في وقت قد يصبح وجوده مؤذيا بعد سنوات
والحلم الذي كان يملأ القلب قد يتغير عندما تتغير نظرة الانسان الى نفسه
وهذا كله طبيعي لأن الانسان نفسه يتغير
وفي اجمل مراحل النضج يتوقف الانسان عن سؤال الحياة لماذا اغلقت هذا الباب في وجهي ويبدأ في سؤال نفسه ماذا يوجد خلف الباب الذي فتحته لي الحياة الآن
عندها يصبح اكثر استعدادا لرؤية الفرص التي كانت تمر امامه دون ان ينتبه اليها ويصبح اكثر قدرة على ترك ما انتهى واكثر شجاعة في استقبال ما بدأ
ويعرف ان بعض الابواب لم تكن خسارة عندما اغلقت وان بعض المفاتيح لم تكن ضائعة بل كانت تنتظر اللحظة المناسبة وان بعض الطرق لم تكن نهايتها كما توقع لكنه خرج منها بشخصية اقوى وقلب اكثر وعيا
لا يبقى المهم كم بابا فتح الانسان ولا كم بابا اغلق في وجهه بل المهم ماذا صنع خلف الابواب التي دخلها وماذا ترك وراء الابواب التي غادرها وهل خرج من رحلته وهو يحمل في قلبه نورا ام ظل يحمل مفاتيح قديمة لابواب لم تعد موجودة
فالانسان الحكيم لا يعيش عمره يبحث عن مفتاح واحد يفتح له الدنيا كلها بل يتعلم ان لكل مرحلة مفتاحها وان اجمل المفاتيح هي التي تمنحه القدرة على فتح قلبه للامل وفتح عقله للمعرفة وفتح يده للخير وفتح حياته لبداية جديدة عندما يحين وقتها
وعندما يصل الى هذه الحقيقة يعرف ان بعض الابواب لا تحتاج الى مفتاح اصلا
بل تحتاج فقط الى شجاعة ان نبتعد عنها ونمضي نحو باب اخر ينتظر منا ان نطرقه مرة واحدة فقط ليخبرنا ان الطريق الذي ظنناه ضاع كان يقودنا في الحقيقة الى المكان الذي كنا نبحث عنه منذ البداية
مفتاح

