الرئيسية » من حارس للقانون إلى «سمسار توظيف»: تفكيك الفشل التنفيذي لوزارة العمل أمام سطوة رأس المال
مقالات

من حارس للقانون إلى «سمسار توظيف»: تفكيك الفشل التنفيذي لوزارة العمل أمام سطوة رأس المال

من حارس للقانون إلى «سمسار توظيف»: تفكيك الفشل التنفيذي لوزارة العمل أمام سطوة رأس المال

بقلم :شريف السبع

باحث في الشؤون العمالية

عندما تتنازل السلطة التنفيذية عن دورها السيادي في فرض احترام التشريع، وتحول أدواتها الرقابية إلى مجرد إرشادات وشكليات إدارية، تتفكك المنظومة العمالية برمتها. ما نشهده اليوم ليس مجرد قصور إداري في متابعة ملف التشغيل، بل هو تحول بنيوي خطير في فلسفة إدارة ملف العمل؛ حيث خلعت “وزارة العمل” عباءتها الأصيلة كحارس للقانون وضامن للتوازن بين طرفي العملية الإنتاجية، وارتدت ثوب “دلال التوظيف” الذي يكتفي بجمع الفرص والتسويق لها، بغض النظر عن مدى إنسانيتها أو مشروعية ظروفها.

 

​أولاً: ملتقيات التوظيف.. الغطاء الإعلامي لشرعنة السخرة وتعهيد العمالة

 

​إن الإغراق الإعلامي الأسبوعي بإعلان ملتقيات التوظيف والنشرات الدورية ليس دليلاً على صحة سوق العمل، بل هو ستارة غبار تُستخدم للتغطية على الغياب الميداني للرقابة. لقد أصبحت هذه الملتقيات المنفذ الأكبر لدعم وترويج “العمل الهش”، عبر الترخيص الصريح للشبه مجاني لشركات وسائط وتوريد العمالة (أو ما يُعرف بنظام التعهيد Outsourcing ومقاولات الأنفار الحديثة).

 

​في هذا النموذج:

 

​تسليع الإنسان: يُعامل العامل كـ “مدخل إنتاجي” أو قطع غيار، يتم استئجاره عبر وسيط تجاري يحتجز جزءاً كبيراً من قيمة أجره كـ “عمولة”، بينما يُحرم العامل من ريع عمله وتعهده المباشر مع المصنع.

 

​إهدار الأمان الوظيفي: يعمل العامل داخل المنشأة لسنوات وهو “غريب عنها” قانونياً، بلا حق في التثبيت، ولا نصيب في الأرباح، ولا حماية عند الإغلاق أو الاستغناء.

 

​تجريد الحقوق التأمينية: تتملص شركات التوريد والمنشآت المستفيدة على حد سواء من تغطية العامل تأمينياً بشكل كامل، ليبقى العامل مكشوفاً أمام الإصابات والفقر.

 

​إن تحول مؤسسة الدولة إلى منصة لتسهيل عمل هؤلاء الوسطاء بدلاً من تجريفهم وحظر نشاطهم الاستغلالي، هو شرعنة صريحة لنموذج من السخرة الحديثة يمس كرامة الأيدي العاملة.

 

​ثانياً: الحد الأدنى للأجور.. مهزلة النص القانوني أمام سطوة رأس المال

 

​يتجلى عجز الإدارة التنفيذية في أوضح صوره عند اختبار قدرتها على فرض “الحد الأدنى للأجور”. بالرغم من صدور القرارات الرسمية، يثبت الواقع الميداني أن نفوذ رجال الأعمال وإدارات الشركات أقوى بكثير من هيبة القرار الحكومي.

 

​ولقد أُفرغ هذا القرار من مضمونه عبر طريقين:

 

​ثغرة الاستثناءات المجانية: تحول بند “طلب الاستثناء للظروف الاقتصادية” من استثناء ضيق إلى قاعدة عامة تُمنح للشركات والمصانع لتعطيل تطبيق الأجر العادل، وتثبيت أجور لا تسد الرمق في ظل تضخم طاحن.

 

​الالتفاف الصوري على الأجر: تلجأ إدارة المنشآت إلى الجمع الصوري، من خلال دمج بدلات الوجبة والسفر والمكافآت المشروطة ضمن رقم الأجر الوصولي، ليتثنى لها الادعاء المالي بالالتزام بالرقم المعلن، بينما يظل “الأجر الأساسي التأميني” ضئيلاً جداً، ويبقى ما يدخل جيب العامل دون الحد الأدنى الحقيقي.

 

​إن هذا التراجع التنفيذي يعكس انحيازاً غير مباشر لمرونة السوق على حساب قوت العامل، ورسالة مفادها أن نص القانون يقف عاجزاً عند أبواب أسوار المصانع والشركات الكبرى.

 

​ثالثاً: شلل التفتيش وتقنين الالتفاف الإداري عبر «توثيق الاستقالة»

 

​كي يستقيم سوق العمل، لا بد للتشريع من “مخالب” تحميه. غير أن واقع مكاتب التفتيش والسلامة والصحة المهنية يشير إلى تجريف ممنهج؛ فإما أنها تعاني من نقص في الإمكانيات والكوادر، أو أن أدواتها العقابية (الغرامات المالية الضعيفة) أصبحت أرخص بكثير على صاحب العمل من تكلفة الالتزام بالقانون.

 

​ولم يقف الخلل عند حد الممارسات التعسفية داخل المصانع—مثل شفتات الـ 12 ساعة الإجبارية دون أجر إضافي عادل—بل امتد لأسلوب التعاطي الإداري معها. فعندما تدخلت الوزارة لمعالجة أزمة التوقيع المسبق على “استمارة 6″، ذهبت باتجاه الإلزام الإجرائي بتوثيق واعتماد الاستقالة داخل “مكتب العمل”. وعلى الرغم من تسويق هذا الإجراء كحماية وقائية للإرادة الحرة، إلا أنه تحول في بيئة العمل الهشة إلى مجرد “تقنين إجرائي” لعمليات إنهاء الخدمة؛ حيث يُضغط على العامل اقتصادياً أو يُخيّر بين الحرمان من مستحقاته أو التوجه بنفسه لمكتب العمل لشرعنة استقالته إدارياً.

 

​إن توثيق الأوراق خلف المكاتب المغلقة لا يعوض غياب التفتيش الميداني الصارم، ولا يلغي حالة الإكراه الاقتصادي التي تُجبر العامل على التنازل عن حقه لتجنب الصدام مع إدارة المنشأة.

 

​خلاصة القول

 

​إن الإصرار على اختزال دور وزارة العمل في تقديم خدمات التوظيف الإعلامية هو تنصل صريح من المسؤولية الوطنية والاجتماعية للدولة. إن المقاربة المطلوبة اليوم لا تحتاج مزيداً من استمارات التوظيف، بل تتطلب استعادة السلطة التنفيذية والرقابية لهيبتها:

 

​تفعيل التفتيش الميداني بعين صارمة لا تعرف المحاباة أو الاستثناء.

 

​حظر شركات التعهيد وتوريد العمالة، وإلزام كافة المنشآت بالتعاقد المباشر.

 

​تطبيق الحد الأدنى للأجور على الأجر الأساسي الصافي، وتغليظ العقوبات على المنشآت الملتفة.

 

​توفير الحماية القانونية الشاملة للعمال ضد الفصل التعسفي والضغط الإداري لاستخلاص الاستقالات.

 

​بدون هذه الاستحقاقات، ستظل ملتقيات التوظيف مجرد بوابات لتدوير العمالة في طاحونة الاستغلال، وستظل حقوق الطبقة العاملة وقوداً يُحرق في سبيل أرباح لا تراعي عدالة ولا قانوناً.

 

من حارس للقانون إلى «سمسار توظيف»: تفكيك الفشل التنفيذي لوزارة العمل أمام سطوة رأس المال

من حارس للقانون إلى «سمسار توظيف»: تفكيك الفشل التنفيذي لوزارة العمل أمام سطوة رأس المال

من حارس للقانون إلى «سمسار توظيف»: تفكيك الفشل التنفيذي لوزارة العمل أمام سطوة رأس المال

 

من حارس للقانون إلى «سمسار توظيف»: تفكيك الفشل التنفيذي لوزارة العمل أمام سطوة رأس المال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *