
الكاتب\عايد حبيب جندي الجبلي مدير مكتب سوهاج بجريدة
“لماذا الإنسان عايش يأكل، يشرب، يبول، يعمل، ويمضي؟ هذا تقليدٌ مع كل البشر وهذا تكوينه الحياتي.
لكننا حين نعكس السؤال بنوعٍ من القداسة الرهبانية، نجد أنهم لا يعيشون عيشة العالم الخارجي؛ فهم لا يهتمون بما يأكلون ولا يشربون، بل يعيشون عيشة التقشف والصيام المتواصل؛ فنصف العام صيام، وهناك يومان في الأسبوع صيامٌ خارج نصف العام. فحين تطرح عليهم السؤال: ‘لماذا الإنسان عايش يأكل ويشرب؟’، فإن العقل الفلسفي يطرح هذا السؤال ليفكك الوجود.
أما عند الرهبنة، فالسؤال يأخذ مَنحىً آخر؛ إذ يقولون: ‘الله خلقنا للخير، وتعمير الأرض، ومخافة الله. فالله خلقنا على صورته ومثاله، فكيف ندمر صورة الله ونفعل الشر؟ ثم نسأل مثل هذه الأسئلة: لماذا الإنسان عايش على الأرض؟’. فالرهبنة يجيبون بمنظور القداسة، أما الإنسان العلماني فيرى الحياة تقليدية؛ المرء مثل الآخر، والآخر مثل الآخر في الكون، فينظر إلى الوجود على أنه ليس فيه رجاء التقدم ولا التغيير للإنسان التقليدي، فهو مثل أخيه الذي مضى من آلاف السنين. الفرق الوحيد يكمن في تقدم الآلات الحديثة وما يشمله العصر من تقدم تقني، وهو من صنع التقدم الإنساني، بينما الإنسان في جوهره باقٍ على ما هو عليه. ومن هنا يُسأل السؤال مع العلمانيين: لماذا الإنسان عايش؟”
المقال الفلسفي:
في هذا المقال واحد من أعقد المقارنات الفلسفية والوجودية؛ حيث تقسم الرؤية الإنسانية للحياة إلى منظورين متضادين تماماً: المنظور العلماني (المادي/التقليدي) والمنظور الرهباني (المقدس/الروحي).
ويمكن تفكيك هذا الشرح إلى المحاور التالية:
- جدلية الإنسان العلماني (الآلية والتكرار النمطي)
يرى الإنسان العلماني (أو المادي) الحياة كحلقة مفرغة ومكررة منذ آلاف السنين.
ثبات الجوهر البشري: يرى هذا المنظور أن الإنسان لم يتغير؛ فالإنسان البدائي القديم يعيش بنفس تفاصيل الإنسان المعاصر (يأكل، يشرب، ويعمل ليعيش ثم يمضي).
وهم التقدم: التقدم الوحيد في العالم العَلماني هو تقدم خارجي مادي (الآلات، التكنولوجيا، وأدوات العصر)، أما “الإنسان” في داخله وجوهره البيولوجي فلم يتطور أو يتغير، بل هو تكرار ميكانيكي لغيره، مما يجعل السؤال “لماذا نعيش؟” سؤالاً جافاً يبحث عن جدوى في عالم مادي مكرر.
- جدلية الإنسان الرهباني (القداسة وسمو الروح على المادة)
حين يُعكس السؤال بنوع من “القداسة الرهبانية”، تتغير المقاييس تماماً:
التمرد على البيولوجيا: الراهب يكسر حتمية الجسد بالتقشف والصيام المتواصل ونبذ شهوات العالم الخارجي؛ فهو يثبت أن الإنسان ليس مجرد آلة بيولوجية تعيش لتأكل وتشرب.
الغاية الوجودية العظمى: الإجابة الرهبانية تنطلق من أصل التكوين: “الله خلقنا على صورته ومثاله”. الحياة هنا ليست عبثاً ولا تكراراً، بل هي رسالة مقدسة محورها (فعل الخير، تعمير الأرض بمخافة الله، والحفاظ على الصورة الإلهية داخل الإنسان). الشر في هذا المنظور هو تدمير لهذه الصورة المقدسة.
- الصراع الفكري بين المنظورين
يبرز النص الفجوة الفلسفية الكبيرة:
العلماني: يسأل “لماذا نعيش؟” بنبرة خالية من الرجاء والتغيير، لأنه غارق في روتين الوجود المادي وتكرار التاريخ.
الراهب: يجيب بالقداسة والعمل الروحي، ويرى في وجود الإنسان على الأرض قيمة سماوية عظمى تتجاوز مجرد البقاء المادي والآلات الحديثة.
الخلاصة:
أنت تقدم محاكمة فكرية ذكية؛ فبينما يرى العلماني الإنسان مجرد “ترس” في آلة الزمن يتقدم تكنولوجياً ويدور حيوياً في نفس المكان، يرى الراهب الإنسان “كائناً روحياً” يرتفع فوق المادة ليحقق غاية أسمى وهي تعمير الأرض بالخير ومخافة الله.

