بقلم: الجيوفيزيقي محمد عربي نصار
في تاريخ الشعوب لحظات لا تُقاس بالأيام والسنوات وإنما بما تتركه من أثر في مسار الأوطان. وكانت ثورة الثلاثين من يونيو إحدى تلك اللحظات الفارقة التي أعادت رسم المشهد المصري وأطلقت مرحلة جديدة من تاريخ الدولة الحديثة. ففي ذلك اليوم خرج ملايين المصريين دفاعًا عن هويتهم الوطنية ومؤسسات دولتهم واستقرار وطنهم ليؤكدوا أن مصر أكبر من أي جماعة وأبقى من أي مشروع مؤقت. ومنذ ذلك التاريخ بدأت الدولة المصرية رحلة طويلة من المواجهة والبناء في وقت كانت فيه المنطقة بأكملها تواجه اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية غير مسبوقة. لم تكن التحديات سهلة. فقد واجهت مصر ظروفًا اقتصادية معقدة وتحديات أمنية كبيرة وضغوطًا إقليمية ودولية متشابكة. إلا أن الدولة اختارت طريق العمل والبناء بدلاً من التراجع أو الانتظار. وخلال السنوات التالية شهدت مصر تنفيذ مشروعات قومية ضخمة في مختلف القطاعات. ففي مجال البنية التحتية أُنشئت شبكات حديثة من الطرق والكباري ساهمت في ربط المحافظات وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتنمية. كما شهد قطاع النقل طفرة كبيرة من خلال تطوير مترو الأنفاق وإنشاء مشروعات النقل الكهربائي والقطارات الحديثة بما يعكس رؤية متكاملة لبناء دولة عصرية. وفي ملف العمران انتقلت مصر إلى مرحلة جديدة عبر إنشاء مدن الجيل الرابع والعاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة وغيرها من المدن التي تستهدف استيعاب الزيادة السكانية وخلق مراكز تنموية واقتصادية جديدة. أما في قطاع الطاقة فقد نجحت الدولة في تحقيق إنجازات مهمة بعد سنوات من التحديات. وأسهمت الاكتشافات الكبرى للغاز الطبيعي وفي مقدمتها حقل ظهر في تعزيز أمن الطاقة وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة في شرق المتوسط. ولم تقتصر التنمية على المدن الكبرى فقط بل امتدت إلى الريف المصري من خلال مبادرة “حياة كريمة” التي تُعد أكبر مشروع تنموي واجتماعي في تاريخ مصر الحديث حيث استهدفت تطوير القرى وتحسين مستوى الخدمات الأساسية والبنية التحتية لملايين المواطنين. كما شهد قطاع الصحة تطورًا ملحوظًا من خلال المبادرات الرئاسية الصحية وفي مقدمتها مبادرة “100 مليون صحة” ومشروع التأمين الصحي الشامل الذي يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة الصحية وتوفير الرعاية الطبية للمواطنين. وفي قطاع التعليم استمرت جهود الدولة في التوسع بإنشاء المدارس والجامعات وتطوير المناهج والتحول الرقمي بما يواكب متطلبات العصر ويؤهل الأجيال القادمة للمنافسة في سوق العمل الحديث. ورغم ما تحقق من إنجازات فإن التحديات لا تزال قائمة. فالتنمية عملية مستمرة تتطلب مزيدًا من العمل والإنتاج وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة المواطنين. لقد أثبتت السنوات الماضية أن استقرار الدول لا يتحقق بالشعارات وإنما بالعمل والمؤسسات القوية والرؤية الواضحة. كما أثبتت أن الحفاظ على الدولة الوطنية يمثل حجر الأساس لأي مشروع تنموي ناجح. ومع اقتراب ذكرى الثلاثين من يونيو تتجدد أهمية استحضار الدروس والعبر من تلك المرحلة التاريخية التي شكلت نقطة تحول في مسار الدولة المصرية وأعادت التأكيد على أن قوة الأوطان تكمن في وحدة شعوبها وقدرتها على تجاوز التحديات وصناعة المستقبل. حفظ الله مصر قيادة وشعبًا وجيشًا وشرطة وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار وجعل مستقبلها أكثر ازدهارًا وتقدمًا.
مراجعة وتحرير وصياغة: محمد سعيد الحداد عهود حسن البيومي

