بقلم محمد عطا القطيعي
قبل أن نحكم على ما تفعله بعض شركات الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن نسأل سؤالًا أكبر من التقنية نفسها:
إذا اشترت شركةٌ كتابًا نادرًا، أو مخطوطةً لا تكاد تُقدَّر بثمن، أو نسخةً فريدةً لم يبقَ منها إلا القليل، ثم حوَّلتها إلى بيانات تُدرِّب بها أنظمتها، وبعد ذلك اختفى الأصل أو لم يعد متاحًا للناس… فهل نكون قد أنقذنا المعرفة من الضياع، أم وضعناها خلف أبوابٍ لا يملك مفاتيحها إلا أصحاب النفوذ؟
هل يصبح العقل الإنساني أكثر ثراءً عندما تُحفظ الكتب في ذاكرة الآلات، أم يصبح أكثر فقرًا حين يفقد الإنسان حقه في لمسها، وتأملها، والعودة إليها بحرية؟
إن الكتاب ليس أوراقًا تُمسح ضوئيًا فحسب، بل هو روحُ مؤلفه، ونبضُ عصره، وشاهدٌ على رحلة الإنسان في البحث عن الحقيقة. وكل نسخةٍ نادرةٍ هي قطعةٌ من ذاكرة البشرية، فإذا غابت عن أيدي الناس، وغدت المعرفة محصورةً في خوادمٍ لا يملكها إلا قلة، فإن السؤال لم يعد تقنيًا… بل أصبح سؤالًا أخلاقيًا وحضاريًا.
فهل نحن نبني جسورًا لحفظ التراث الإنساني، أم نُشيِّد أسوارًا عالية حوله؟
وهل يجوز أن تتحول ذاكرة الإنسانية، التي صاغتها عقول العلماء، وأقلام المفكرين، وأعمار المبدعين، إلى ملكيةٍ حصريةٍ لشركاتٍ خاصة، فيصبح الوصول إليها مرهونًا بإذنها، أو بسياساتها، أو بمصالحها؟
المعرفة لم تُخلق لتُحتكر، بل لتُنير الطريق. والتراث لم يُورَّث لجيلٍ دون آخر، بل ليظل ميراثًا مشتركًا تتعاقب عليه الأمم.
فإذا جاء يومٌ لم يعد الإنسان يجد فيه كتابًا من كتب أجداده إلا من خلال شاشةٍ تتحكم بها جهةٌ واحدة، فليس السؤال: كم أصبح الذكاء الاصطناعي ذكيًا؟ بل السؤال الأعمق: كم بقي للإنسان من حقه في ذاكرته؟
إن أعظم الحضارات لم تُبنَ على احتكار المعرفة، وإنما على نشرها. وأخطر ما قد يواجه المستقبل ليس أن تحفظ الآلة الكتب، بل أن يفقد الإنسان القدرة على امتلاكها، والرجوع إليها، وصونها بنفسه.
فالكتب ليست حبرًا على ورق، بل هي ذاكرة الشعوب، وضمير الحضارات، وصوت الذين رحلوا ليظل نورهم هدايةً لمن سيأتون بعدهم. وإذا أصبحت ذاكرة العالم حبيسة خزائن رقمية لا يملك مفاتيحها إلا القليل، فإن القضية لن تكون قضية تقنية، بل قضية حرية، وحق، وكرامة إنسانية

قبل أن نحكم على ما تفعله بعض شركات الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن نسأل سؤالًا أكبر من التقنية نفسها:
————-القطيعى الشريف————
قبل أن نحكم على ما تفعله بعض شركات الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن نسأل سؤالًا أكبر من التقنية نفسها:

