حين يتحول الإعجاب إلى خصومة… لا تجعل قدوتك خصمك
بقلم / نعمه حسن
هناك نوع من العلاقات الإنسانية يبدأ بجملة بريئة:
«هذا الإنسان يبهرني.»
ثم لا يلبث، عند بعض الناس، أن ينتهي بجملة أخرى على النقيض تمامًا:
«وما المميز فيه أصلًا؟»
وبين الجملتين قصة نفسية كاملة.
فليس كل إعجاب صحيًا، وليس كل اقتداء ناضجًا، وليس كل من اقترب منك مأخوذًا بك سيظل قادرًا على احتمال ما أبهره فيك.
أحيانًا يعجب الإنسان بآخر لأنه يرى فيه قيمة حقيقية.
وأحيانًا يعجب به لأنه يرى أمامه نسخة مما كان يتمنى أن يكونه هو.
وهنا يصبح الإعجاب منطقة حساسة للغاية.
فما دام الآخر بعيدًا، يمكن التصفيق له.
وما دام نجاحه لا يهدد صورتنا عن أنفسنا، نستمتع به.
وما دام التفوق فكرة مجردة، يسهل علينا احترامه.
لكن حين يقترب هذا المتفوق منا، وحين تصبح المقارنة ممكنة، وحين يذكرنا وجوده يوميًا بما نفتقده نحن، قد يتحول الإعجاب عند النفس غير المتصالحة من مصدر إلهام إلى مصدر ألم.
ومن هنا قد يبدأ شيء غريب:
كان يقلده بالأمس.
ثم صار ينافسه.
ثم صار يضيق به.
ثم صار يبحث عن عيوبه.
ثم ربما أصبح أكثر الناس رغبة في إسقاطه.
والمفارقة أن الجذر واحد.
الشيء نفسه الذي أبهره فيه هو الذي أصبح يؤلمه.
الإعجاب ليس دائمًا حبًا
نخلط كثيرًا بين الإعجاب والحب.
الحب الحقيقي يستطيع أن يرى الآخر ناجحًا دون أن يشعر أن نجاحه سرقة لشيء منا.
أما الإعجاب فقد يكون مجرد انجذاب شديد إلى صفة نفتقدها.
قد نعجب بعلم شخص لأننا نتمنى علمه.
وبجرأته لأننا نفتقد الجرأة.
وبحضوره لأننا نشعر أننا غير مرئيين.
وبنجاحه لأننا لم نصل بعد.
وبثقافته لأنها تكشف لنا مساحة النقص في ثقافتنا.
وهنا يُختبر الإنسان.
هل يقول:
«ما أجمله، سأتعلم منه.»
أم يقول في أعماقه:
«لماذا هو وليس أنا؟»
الجملة الثانية هي نقطة التحول.
لأن الإعجاب عندما يمر عبر نفس واثقة يصبح اقتداءً.
وعندما يمر عبر نفس قلقة قد يتحول إلى مقارنة.
والمقارنة إذا تُركت بلا وعي قد تتحول إلى غيرة.
والغيرة إذا صاحبها إحساس بالعجز قد تتحول إلى خصومة.
وعندئذ لا يعود الإنسان يريد الوصول إلى مستوى من أعجب به.
بل قد يبدأ سرًا في الرغبة في إنزاله إلى مستواه.
أخطر الحسد ما خرج من رحم الانبهار
الغريب أن بعض أشد الناس هجومًا على إنسان كانوا يومًا من أكثرهم إعجابًا به.
وليس هذا التناقض مستحيلًا كما يبدو.
فالإعجاب المفرط يرفع الإنسان في وعينا إلى موضع غير واقعي.
نراه كاملًا.
ثم نقترب.
فنكتشف أنه بشر.
يخطئ.
يغضب.
يرفض لنا طلبًا.
يختلف معنا.
لا يمنحنا المكانة التي تصورنا أننا نستحقها عنده.
وهنا تنهار الصورة.
لكن بدل أن نصحح تصورنا فنقول:
«كنت أبالغ في تقديسه، وهو إنسان له فضائل ونقائص.»
قد نقع في تطرف معاكس:
بعد أن بالغنا في رفعه، نبالغ في إسقاطه.
بعد أن كنا نبرر له كل شيء، نصبح نترصد له كل شيء.
بعد أن كنا نعد كلامه حكمة، نبحث في كلامه نفسه عن السقطة.
وهكذا ينتقل بعض الناس من الإفراط في الاحترام إلى الإفراط في عدم الاحترام.
ليس لأن الشخص الآخر تغير بالضرورة.
ولكن لأن النظرة الأولى إليه كانت غير ناضجة منذ البداية.
كان هناك تقديس، لا تقدير.
تعلق، لا اقتداء.
ذوبان، لا إعجاب.
ومن يضع بشرًا فوق بشريته قد يعاقبه يومًا لأنه اكتشف أنه بشر.
أحيانًا لا نكره الشخص… بل نكره ما يوقظه فينا
هذه هي النقطة الأعمق.
قد لا يكون الآخر قد آذانا أصلًا.
لكنه يوقظ فينا سؤالًا مؤلمًا:
لماذا لم أصبح مثله؟
وجوده يذكرنا بما أجلناه.
نجاحه يذكرنا بمحاولاتنا التي لم نكملها.
ثقته تكشف ارتباكنا.
حضوره يكشف خوفنا.
انضباطه يفضح أعذارنا.
وحين لا يستطيع الإنسان مواجهة نفسه، قد يبحث عن طريقة أسهل:
بدل أن يغير ذاته، يغير صورة الآخر في ذهنه.
يقول إنه متكبر.
محظوظ.
مصطنع.
منافق.
لا يستحق.
ساعده الآخرون.
ظروفه أفضل.
أي شيء يخفف ألم المقارنة.
وهكذا تتحول المعركة من سؤال:
«كيف أطور نفسي؟»
إلى سؤال:
«كيف أثبت أنه ليس أفضل مني؟»
ومن هنا تبدأ الخصومة الحقيقية.
لا تجعل قدوتك خصمك
حين تجد شخصًا يمتلك شيئًا تتمناه، أمامك طريقان.
إما أن تتعلم.
وإما أن تقارن.
الطريق الأول يرفعك.
والثاني قد يستهلكك.
خذ من الناس ما ينفعك، لكن لا تجعل نجاحهم امتحانًا لقيمتك.
تعلم ممن سبقك، لكن لا تجعل التقليد ذوبانًا في شخصيته.
اقترب من قدوتك إن استطعت، لكن اقترب وأنت تعرف أنه إنسان.
سيخطئ.
وسيرفض أحيانًا.
وقد لا يمنحك الاهتمام الذي تخيلته.
وقد تختلف معه.
وكل ذلك لا يمحو ما تعلمته منه.
النضج أن تستطيع أن تقول:
«تعلمت منك شيئًا عظيمًا، ومع ذلك لست مضطرًا لأن أراك كاملًا.»
وأن تستطيع أن تختلف مع من أعجبت به دون أن تتحول إلى مشروع انتقام منه.
وأن تتجاوزه يومًا دون أن تحتاج إلى تحطيمه لتثبت أنك كبرت.
فالقدوة الحقيقية ليست شخصًا نبقى تحته إلى الأبد.
بل إنسانًا يساعدنا حضوره، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على اكتشاف طريقنا نحن.
المشكلة ليست أن تصبح أفضل من قدوتك
بل ربما يكون هذا هو أجمل ما يمكن أن يحدث.
المعلم الجيد يفرح حين يتفوق تلميذه.
والأب السوي يتمنى أن يذهب ابنه أبعد منه.
والقدوة الناضجة لا تخشى أن يتجاوزها من تعلم منها.
المشكلة تبدأ عندما يصبح هدفك ليس أن تتفوق، بل أن تهزم.
هناك فرق هائل.
أن تقول:
«سأتعلم منه حتى أصبح أفضل.»
شيء.
وأن تقول:
«سأثبت أنه لم يكن يستحق إعجابي أصلًا.»
شيء آخر تمامًا.
الأولى رحلة نمو.
والثانية معركة كرامة مجروحة.
ومن الطرف الآخر أيضًا… انتبه لمن يقترب منك منبهرًا
إذا كنت أنت الشخص الذي يُعجب به الآخرون، فلا تغتر بالانبهار.
فليس كل من يصفق لك اليوم قد احتمل بعد أن يقف بجوارك غدًا.
ولا تعامل إعجاب الناس كوثيقة ولاء.
بعضهم يحبك.
بعضهم يتعلم منك.
بعضهم يراك حلمًا.
وبعضهم قد يراك، من حيث لا يدري، منافسًا مستقبليًا لصورته عن نفسه.
كن كريمًا، لكن حافظ على حدودك.
ساعد، لكن لا تبنِ علاقاتك على التقديس.
ولا تسمح لأحد أن يضعك في مقام الكمال، لأن الشخص الذي يصنع لك تمثالًا اليوم قد يكون أول من يكسره غدًا عندما يكتشف أنك بشر.
في النهاية
ليست المشكلة في أن نعجب.
الإعجاب من أجمل أبواب التعلم.
ولا المشكلة في أن نقلد في البداية.
فكثير من الإبداع يبدأ بمحاكاة من سبقونا.
المشكلة أن نبقى أسرى المقارنة.
أن نرى نورًا في إنسان، فبدل أن نأخذ منه قبسًا نبدأ في محاولة إطفائه.
أن يصبح الشخص الذي دلنا على الطريق أكثر إنسان نريد إثبات أنه ضل.
أن يتحول الامتنان إلى منافسة، والمنافسة إلى غيرة، والغيرة إلى خصومة.
ولهذا، عندما تقابل شخصًا يبهرُك، لا تسأل:
«كيف أصبح مثله؟»
فقط.
اسأل أيضًا:
«ما الذي أيقظه في داخلي حتى أبهرني إلى هذه الدرجة؟»
ربما تكون الصفة التي أحببتها فيه رسالة إليك عن الجزء الذي ينبغي أن تبنيه في نفسك.
تعلم منه.
تجاوزه إن استطعت.
اصنع طريقك الخاص.
لكن لا تجعل الشخص الذي ألهمك يومًا عدوًا لأنك لم تعد تحتمل أن ترى فيه ما كنت تتمنى أن تكونه.
فأجمل انتصار على قدوتك ليس أن تُسقطها… بل أن تستغني عن مقارنتها بك، لأنك أخيرًا أصبحت أنت.
اللهم احفظنا جميعا من عين تراقبنا انت تراها ولا ندري بها ..
مع تحياتي ..
نعمه حسن

