الإعلام حين يكون ضميرًا للعالم
بقلم محمد عطا القطيعي
من صناعة الخبر إلى صناعة السلام… ومن إشعال الخلاف إلى إطفاء نار الكراهية
لم تعد الصحافة والإعلام في عصرنا مجرد نافذة نرى من خلالها ما يحدث في العالم، ولا مجرد وسيلة تنقل إلينا الخبر من مكان إلى آخر؛ فقد أصبحت الكلمة الإعلامية قوةً قادرة على أن تُصلح ما أفسده الخلاف، وأن تُقرّب ما باعدته الخصومة، وأن تبني جسورًا بين الناس، كما تستطيع ــ إذا أسيء استخدامها ــ أن تهدم جسور الثقة، وتوقظ الفتن، وتزرع الخوف والكراهية في النفوس.
فالكلمة ليست حبرًا على ورق، والصورة ليست مجرد صورة، والخبر ليس مجرد خبر؛ إنها جميعًا رسائل تدخل إلى العقل، وتلامس الوجدان، وقد تتحول مع التكرار إلى قناعة، والقناعة إلى سلوك، والسلوك إلى واقع.
ومن هنا تبدأ المسؤولية الكبرى.
الإعلام ليس مرآةً للمجتمع فقط… بل شريك في صناعته
المجتمع لا يصنع إعلامه فقط، وإنما الإعلام أيضًا يشارك في صناعة المجتمع الذي نعيش فيه.
فحين يختار الإعلام أن يسلط الضوء على النماذج الإيجابية، وأن يكرّم المجتهد، وأن ينصف المظلوم، وأن يواجه الفساد بالحجة والدليل، وأن يفتح أبواب الحوار أمام المختلفين؛ فإنه يربي أجيالًا تؤمن بأن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن الحوار أقوى من الصدام، وأن احترام الإنسان لا يتوقف على اتفاقنا معه.
أما حين يتحول الإعلام إلى منصة للسخرية والتشهير والتحريض والتخوين، فإنه لا ينقل الأزمة فحسب، بل قد يصبح جزءًا منها.
المبدأ الأول: الحقيقة قبل الإثارة
أخطر ما يمكن أن يحدث للكلمة أن تتحول الحقيقة فيها إلى ضحية للسبق الصحفي.
فالصحافة المهنية لا تسأل فقط: ماذا أقول؟
بل تسأل قبل ذلك:
هل ما أقوله صحيح؟
ومن أين جاءت المعلومة؟
ومن سيتأثر بها؟
وهل يؤدي نشرها إلى كشف الحقيقة أم إلى إشعال الفتنة؟
إن السرعة مهمة، لكن المصداقية أهم؛ والسبق الصحفي قد يصنع لحظة، أما الحقيقة فتصنع ثقة تمتد لسنوات.
المبدأ الثاني: الإنسان قبل الخبر
وراء كل خبر إنسان.
وراء الحادث أسرة، ووراء الأزمة أطفال، ووراء الحرب أمهات، ووراء النزاع أحلام تحطمت.
لذلك يجب ألا يفقد الإعلام إنسانيته وهو يبحث عن الخبر.
ليس كل ما يمكن نشره يجب أن يُنشر، وليس كل صورة تصلح للعرض، وليس كل مأساة يجوز تحويلها إلى مادة للإثارة والمشاهدة.
كرامة الإنسان خط أحمر، حتى عندما يكون الخبر ساخنًا.
المبدأ الثالث: الاختلاف لا يعني الكراهية
من أخطر الأمراض التي تصيب المجتمعات أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة، ثم تتحول الخصومة إلى كراهية، ثم تتحول الكراهية إلى عنف.
وهنا يأتي دور الإعلام في تعليم الناس أن الاختلاف سنة من سنن الحياة.
نختلف في السياسة، ولا نتقاتل.
نختلف في الفكر، ولا نتخلى عن الأخلاق.
نختلف في الرأي، ولا نهدم الوطن.
نختلف في الموقف، ولا نسلب الآخر حقه في أن يكون مختلفًا.
فالاختلاف ثراء إذا صاحبه الاحترام، لكنه يتحول إلى كارثة عندما يغيب عنه العقل.
المبدأ الرابع: الأسرة هي البداية
قبل أن نتحدث عن المجتمع والدولة والعالم، علينا أن نتحدث عن الأسرة.
فالطفل الذي يتعلم في بيته احترام الآخر، والاستماع قبل الحكم، والاعتذار عند الخطأ، وضبط الغضب، وقبول الاختلاف؛ يكون أكثر قدرة على بناء مجتمع متوازن.
والإعلام يستطيع أن يساعد الأسرة في هذه المهمة من خلال محتوى يرسخ قيم الحوار، والتسامح، والمسؤولية، واحترام الوالدين، ورعاية الأطفال، ونبذ التنمر والعنف الأسري.
فالإعلام الذي يربي الأسرة على الحوار، يساهم غدًا في تربية مجتمع أقل عنفًا وأكثر رحمة.
المبدأ الخامس: لا تجعلوا الكراهية تجارة
هناك محتوى يزداد انتشاره كلما ازداد الغضب.
وهنا يجب أن يتوقف الضمير الإعلامي ويسأل:
هل نحن ننقل مشاعر الناس أم نستثمر فيها؟
فليس من المهنية أن نبحث دائمًا عن أكثر الكلمات استفزازًا، أو أكثر الصور إثارة، أو أكثر العناوين قدرة على إشعال الغضب، لمجرد الحصول على المشاهدة.
إن المشاهدة التي تُبنى على الكراهية قد تحقق رقمًا، لكنها قد تترك جرحًا في مجتمع كامل.
المبدأ السادس: الإعلام جسر بين الشعوب
العالم اليوم قرية واحدة، وما يحدث في قارة قد يصل أثره إلى قارة أخرى في دقائق.
ومن هنا تستطيع الصحافة أن تكون جسرًا بين الشعوب والثقافات.
أن تعرف الشعوب بعضها ببعض.
أن تشرح الاختلافات بدل أن تشوهها.
أن تقدم ثقافات الآخرين بعيدًا عن الصور النمطية.
أن تقول للإنسان في أقصى الأرض:
قد نختلف في اللغة واللون والثقافة والحدود، لكننا نشترك في الإنسانية.
وهذه هي الرسالة التي يحتاجها عالمنا أكثر من أي وقت مضى.
المبدأ السابع: بين الدول الصغرى والدول الكبرى… صوت الحق واحد
الإعلام المسؤول لا يقيس قيمة الإنسان بحجم الدولة التي ينتمي إليها.
فالدولة الكبرى ليست فوق النقد لأنها قوية، والدولة الصغيرة ليست أقل قيمة لأنها ضعيفة.
القوة لا تمنح أحدًا حق الظلم، والضعف لا يسقط عن أحد حقه في الكرامة.
وعندما تتناول الصحافة النزاعات الدولية، فإن عليها أن تضع الإنسان أولًا، لا أن تنظر إلى العالم بمنظار القوة وحدها.
فخلف الحدود جيوش، ولكن خلف الجيوش بشر.
وخلف القرارات السياسية شعوب.
وخلف الخرائط بيوت.
وخلف الحروب أمهات ينتظرن أبناءهن.
المبدأ الثامن: الإعلام لا يصنع السلام بالصمت… بل بالحقيقة
نبذ العنف لا يعني إخفاء الجرائم، ولا يعني تجميل الواقع، ولا يعني أن يتحول الإعلام إلى بوق لأي طرف.
الإعلام الذي يصنع السلام هو الذي يكشف الحقيقة بعدل، ويمنح الأطراف فرصة للحديث، ويضع الأحداث في سياقها، ويفصل بين الخبر والتحريض، وبين النقد والكراهية.
السلام الحقيقي لا يحتاج إلى إعلام يكذب من أجل السلام؛ بل يحتاج إلى إعلام يقول الحقيقة دون أن يحولها إلى وقود للحرب.
المبدأ التاسع: الكلمة مسؤولية أمام الأجيال
قد يكتب الصحفي سطرًا وينتقل إلى خبر آخر، لكن ذلك السطر قد يبقى في ذاكرة إنسان سنوات.
وقد ينشر مذيع كلمة عابرة، فتلتقطها ملايين العقول.
وقد تُعرض صورة لبضع ثوانٍ، لكنها تستطيع أن تغير موقف مجتمع بأكمله.
ولهذا فإن الإعلامي لا يحمل قلمًا فقط، ولا يقف أمام كاميرا فقط؛ بل يحمل أمانة الوعي العام.
إنه يتعامل مع عقول الناس وقلوبهم ومشاعرهم، وهذه مسؤولية لا تقل خطورة عن أي مسؤولية أخرى.
الإعلام الذي نريده
نريد إعلامًا قويًا، لكن قوته في حجته لا في صوته.
نريد صحافة سريعة، لكن سرعتها لا تسبق الحقيقة.
نريد إعلامًا حرًا، لكن حريته لا تتحول إلى فوضى.
نريد نقدًا شجاعًا، لكن شجاعته لا تتحول إلى إهانة.
نريد اختلافًا واسعًا، لكن اختلافه لا يتحول إلى كراهية.
نريد إعلامًا ينتصر للمواطن دون أن يظلم المسؤول، وينتقد المسؤول دون أن يهين المواطن.
نريد إعلامًا يفتح النوافذ للحوار، لا الأبواب للعنف.
الخاتمة: عندما يصبح الإعلام ضميرًا
إن أعظم ما يمكن أن تفعله الصحافة والإعلام ليس أن تجعل الناس يعرفون ما حدث فقط، وإنما أن تساعدهم على فهم ما حدث، والتفكير فيه، والتعامل معه بوعي وإنسانية.
فالإعلام يستطيع أن يجعل من الحادثة درسًا، ومن الأزمة فرصة للحوار، ومن الاختلاف مساحة للتفاهم، ومن الألم رسالة، ومن الكلمة جسرًا.
وفي عالم تتسارع فيه الأخبار، وتتسابق فيه المنصات، وتتزاحم فيه الأصوات، تظل هناك حاجة إلى صوت واحد لا يموت:
صوت الضمير.
فليكن الإعلام عينًا ترى الحقيقة، وعقلًا يزنها، وقلبًا يشعر بالإنسان، ولسانًا يقول الحق دون أن يشعل نارًا.
فالصحافة التي تحترم الإنسان تبني مجتمعًا يحترم الإنسان، والإعلام الذي يزرع الحوار يحصد السلام، والكلمة التي تُقال بمسؤولية قد تمنع خصومة، وتنقذ أسرة، وتهدئ مجتمعًا، وربما تطفئ شرارة حرب بين شعوب ودول.
وفي النهاية…
قد لا يملك الصحفي جيشًا، ولا يملك المذيع مدفعًا، ولا تملك الكلمة رصاصة؛ لكنها قد تفعل ما لا تفعله الجيوش: تغيّر العقول، والعقول حين تتغير… يتغير العالم.
———-القطيعى الشريف———-
الإعلام حين يكون ضميرًا للعالم


