حين صُمِّم القاع… ليتصدّر: كيف اختُطف وعي المصري؟
بقلم : نعمة حسن
السوشيال ميديا لم تُخطئ الطريق،
بل صُمِّمت—ببرودٍ مُحكم—لتكون صندوق قمامة مفتوح،
نستنشق منه كل كريه: عري، ابتذال، جرائم، وفضائح تُسوَّق لنا على أنها “حياة”.
لكن الحقيقة التي لا تُساوِم:
مصر ليست هذا… ولن تكون هذا.
ما نراه ليس مرآةً صادقة،
بل مرآةٌ مُلوَّثة،
تُعيد تشكيل الملامح حتى ينسى الوجهُ وجهَه.
ليس واقعًا… بل صناعة
الذي يحدث ليس فوضى،
بل نظامٌ دقيق يُكافئ الأدنى،
ويُعاقب الأعلى.
خوارزميات لا ترى الإنسان… بل تراه “زمن مشاهدة”،
تدفع بما يثير الغرائز،
وتُخفي ما يُوقظ العقل.
هكذا،
لا يصعد الأفضل…
بل الأكثر قابلية للاستهلاك.
فتتحوّل القيم إلى عبء،
ويصبح العمقُ تهمة،
ويُستبدل السؤال الصعب بمشهدٍ سهلٍ يُضحك لحظة… ويُفرغ عمرًا.
من يصنع النماذج؟
من الذي قرر أن يكون هذا هو “القدوة”؟
من الذي أعاد تعريف النجاح ليُصبح: انتشارًا بلا معنى؟
شخصيات تُضخَّم بلا إنجاز،
وأسماء تُرفع بلا أثر،
تُعاد صناعتها أمام أعيننا حتى يعتادها الوعي،
ثم يسلّم لها.
ليست المسألة “من هي فلانة أو فلان”،
بل: كيف أصبح الفراغ معيارًا؟
حين يُباع الهواء
الأخطر… أن العدوى لم تتوقف عند الشاشات الصغيرة.
تسرّبت إلى الشاشات الكبرى.
التلفزيون—الذي كان يومًا جامعةً شعبية—
أصبح في مواضع كثيرة
مساحةً مدفوعة الثمن.
ساعة هواء تُشترى،
ليتحدث من لا يملك فكرة،
ولا مشروعًا،
ولا مسؤولية.
تحوّل الصوت من “صوتٍ يُهذّب”
إلى “صوتٍ يُؤجَّر”.
أين المثلث الذي كان يبني الإنسان؟
كان هناك مثلثٌ لا يُكسر:
البيت — المدرسة — التلفزيون
كان يُنشئ إنسانًا قبل أن يُنشئ متابعًا.
اليوم؟
تآكلت الأضلاع:
بيتٌ مُرهق،
مدرسةٌ تُلقّن ولا تُربي،
وإعلامٌ تنازل عن رسالته.
فمن يملأ الفراغ؟
الخوارزمية.
تُربّي، وتُقوِّم، وتُعيد تعريف الطبيعي.
لغة تُستبدل… وهوية تتآكل
لم نفقد اللغة فحسب،
بل فقدنا مفاتيح الفهم.
الجملة العربية تراجعت،
وانسحبت أمام مزيجٍ مُرتبك من ألفاظٍ مستوردة.
كأننا استبدلنا لساننا…
ثم تعجبنا أن صوتنا لم يعد يُسمع.
أخذنا من الغرب أسوأ ما فيه:
الاستعراض، السطحية، الاستهلاك.
وتركنا أفضل ما فيه:
العلم، الانضباط، إنتاج الفكرة.
من يُنتج… إلى من ينتظر
الأخطر ليس ما نراه،
بل ما أصبحنا ننتظره.
لم نعد ننتج الفكر…
بل نترقب “معونة الفكر”.
لم نعد نبني وعينا…
بل ننتظر من يُمليه علينا.
ثم انزلقنا أكثر—في مشهدٍ مُوجع—
لننتظر “معونة البطون” أيضًا.
وهنا يتحقق التحوّل الأخطر:
من أمةٍ تُنتج… إلى أمةٍ تستهلك،
من حضارةٍ تقود… إلى واقعٍ يتأخر عن الركب.
نراقب العالم يتقدّم،
ونساوم على أبسط شروط البقاء.
هل هذا عشوائي؟
لا.
إنه تلاقي ثلاثة مسارات:
خوارزميات تُكافئ الإثارة لا القيمة
سوقٌ يربح من السطحية أكثر مما يربح من العمق
فراغٌ تربويّ وثقافيّ تُرك بلا حارس
وفي قلب هذا كله…
نحن.
نضغط، نشاهد، نُعيد، نُكافئ.
الخطر الحقيقي
الخطر ليس في فيديوٍ مبتذل،
بل حين يُصبح هو “المألوف”.
حين يكبر جيلٌ يرى القاع قمة،
ويتعامل مع الانحدار كأنه معيار.
حين يُستبدل “القدوة” بـ“الترند”،
ويُستبدل “الإنجاز” بـ“الانتشار”.
ماذا نفعل؟
لا نُعلن حربًا على المنصات،
بل نستعيد السيادة على الاختيار.
نُعيد الاعتبار للمعنى
نُكافئ القيمة لا الإثارة
نُحصّن البيت، ونُصلح المدرسة، ونُعيد للإعلام هيبته
نُعيد للغة مكانها… لتعود لنا هويتنا
المعركة ليست على الشاشة…
بل في الداخل.
الخلاصة
السوشيال ميديا لم تُخطئ الطريق،
بل صُمِّمت لتدفعك إلى القاع…
ثم تُقنعك أن القاع هو القمة.
والسؤال الذي يحدّد مصيرنا لم يعد:
“ماذا نشاهد؟”
بل:
هل ما زلنا نملك القدرة على أن نرفض؟
لقد فقدنا هويتنا .. وقد كرمها المولى حين قال في كتابه العزيز ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) ونحن تنازلنا عنها بكل بساطة واستبدلناها بلغة أخرى بل وكرمناها أكثر وحرصنا بكل مااوتينا من جهد ومال على ان نعلمها لإولادنا: فكيف لها أن تعود ياسادة؟! ..
وكيف يعود لنا كل جميل فقدناه ؟! ..
وهنا اضع قلمي واسند راسي على كفي وانظر اليك عزيزي القاريء واقول :
أن الله لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
فعلينا ان نغير أنفسنا وقتها سنجد الإجابة على كل سؤال بل وسنجد هويتنا .
مع تحياتي ..
حين صُمِّم القاع… ليتصدّر: كيف اختُطف وعي المصري


