الازهر يطفئ نار الفتنة والثأرفى قرية المحمديات بأسيوط
كتب ضاحى عمار
في صعيد مصر، حيث تختلط العادات بالمروءة، وتبقى الكلمة الطيبة قادرة على إخماد نيران الفتنة قبل أن تمتد، جاءت قرية «بني محمديات» التابعة لمركز أبنوب بمحافظة أسيوط لتقدم مشهدًا استثنائيًّا في التسامح والوحدة الوطنية، بعدما تحولت لحظات الألم والفقد إلى رسالة سلام، قادها الأزهر الشريف بحكمة علمائه، وتلقفها أهالي القرية بقلوب غلبت صوت العقل على جراح الفقد، واختارت العفو طريقًا لإغلاق أبواب الثأر، وفتح نوافذ الأمل أمام مستقبل أكثر أمنًا وترابطًا.
ففي أعقاب الحادث الأليم الذي هزّ القرية، وأسفر عن سقوط عدد من الضحايا والمصابين إثر إطلاق أعيرة نارية بصورة عشوائية، تحرك الأزهر الشريف سريعًا، واضعًا ثقله الديني والوطني في مواجهة أي احتمالات قد تعكر صفو السلم المجتمعي داخل واحدة من أكثر البيئات حساسية تجاه قضايا الدم والثأر.
ومن قلب المشهد، برز الدور المحوري لفضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف السابق ورئيس اللجنة العليا للمصالحات، الذي قاد وفدًا رفيع المستوى إلى القرية، حاملًا رسالة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، التي لم تقتصر على تقديم واجب العزاء، بل امتدت إلى تضميد الجراح، واحتواء النفوس، وإعادة بناء جسور الثقة والتآلف بين أبناء المجتمع الواحد.
الوفد الأزهري لم يدخل القرية بوصفه وسيطًا تقليديًّا، وإنما دخل حاملًا مشروع تهدئة حقيقيًّا، يعتمد على استعادة روح الأخوة بين أبناء الوطن، والتأكيد على أن الدم لا يداويه إلا العفو، وأن الثأر لا يورث إلا المزيد من الحزن والانقسام.
وخلال اللقاءات التي جمعت الوفد بأسر الضحايا، بدت الحكمة الصعيدية حاضرة بقوة، حين أعلنت الأسر قبول العزاء والاستجابة لدعوات الصلح، في موقف وصفه كثيرون بأنه انتصار للقيم الدينية والإنسانية على مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام.
ولم يكن المشهد مكتملًا إلا بالحضور الوطني المشرف لعائلة «أبو قارة» المسيحية، التي قدمت واحدة من أرقى صور التلاحم الوطني، بعدما أعلنت العفو الكامل عن حقها، واستجابت لوساطة الأزهر الشريف، مؤمنة بأن السلام المجتمعي أغلى من أي نزاع، وأن حماية القرية وأبنائها من دوائر الدم والثأر مسؤولية مشتركة يتحملها الجميع دون تفرقة بين مسلم ومسيحي.
ذلك الموقف الإنساني الرفيع أعاد التأكيد على طبيعة النسيج الوطني المصري، الذي لا تهزه الأزمات، بل يزداد تماسُكًا كلما اشتدت المحن، لتبقى الوحدة الوطنية في الصعيد عنوانًا راسخًا للحياة المشتركة بين أبناء الوطن الواحد.
الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب حرص بنفسه على التواصل هاتفيًّا مع أسر الضحايا الذين أعلنوا العفو، مثمنًا ما أظهروه من صبر واحتساب ووعي بخطورة الانزلاق إلى دوائر الثأر، ومؤكدًا أن ما فعلوه يجسد جوهر تعاليم الإسلام التي تدعو إلى الإصلاح والتسامح وحفظ المجتمع من الانقسام.
كما وجّه شيخ الأزهر بفتح أبواب مستشفى الأزهر الجامعي بأسيوط أمام المصابين لاستكمال علاجهم، في رسالة عملية تؤكد أن دور الأزهر لا يتوقف عند حدود الوعظ أو الوساطة، بل يمتد إلى الدعم الإنساني والاجتماعي والطبي، باعتباره مؤسسة وطنية تتحرك في قلب المجتمع وبين الناس.
ومن جانبه، بدا الدكتور عباس شومان حاضرًا في كل تفاصيل المشهد، متنقلًا بين العائلات، مستمعًا للأهالي، ومؤكدًا أن الأزهر ماضٍ في طريقه لإغلاق أبواب الخصومة ورفع وتيرة الترابط بين أبناء المجتمع، عبر ترسيخ ثقافة الصلح والعفو، وتجديد أواصر الأخوة الوطنية والأسرية بين جميع أطياف المجتمع المصري.
وأكد شومان أن ما جرى في «بني محمديات» لا يمثل مجرد جلسة صلح عابرة، وإنما يقدم نموذجًا حقيقيًّا لقدرة المصريين على تجاوز المحن حين تتكاتف مؤسسات الدولة ورجال الدين والقيادات الشعبية والعائلات الوطنية المخلصة.
وشهدت التحركات حضورًا واسعًا لعدد من علماء الأزهر وقيادات المصالحات، إلى جانب شخصيات برلمانية وتنفيذية وقضائية ووجهاء المحافظة، في مشهد حمل رسالة واضحة بأن المجتمع المصري يقف صفًّا واحدًا ضد الفتنة والعنف، وأن الجميع بات يدرك خطورة ترك الخصومات تتسع على حساب أمن الناس واستقرارهم.
ومع اتساع دائرة الاستجابة لدعوات الصلح، تبدو «بني محمديات» اليوم على موعد مع مرحلة جديدة، عنوانها التعايش والتسامح، بعدما نجح الأزهر الشريف، بقيادة الإمام الأكبر، وجهود الدكتور عباس شومان، في تحويل لحظة نزيف وألم إلى نقطة انطلاق نحو ترميم العلاقات، وإعادة الروح إلى قيم المحبة والسلام والوحدة الوطنية التي طالما صنعت قوة المجتمع المصري عبر تاريخه الطويل.

