تروي هذه الرواية سيرة إنسان حملته الغربة بعيدًا عن وطنه وأسرته، ليجد نفسه في قلب أحداثٍ عصفت بالمنطقة، حيث أصبح الموت يلاحق الأبرياء، وصارت الهوية وحدها سببًا للقتل. وفي هذا الجزء تتشابك مشاعر الأمومة، ولوعة الأبوة، ووفاء الصداقة، مع قسوة
الكاتب: عايد حبيب جندي الجبلي مدير مكتب سوهاج بجريدة موطني 
الجزء الرابع عشر من قصة المغترب
وحين وصلت إلى قريتي، وجدت أمي قد أصبح جسدها نحيلاً، أنهكه البكاء عليّ والخوف من أن يجرّني الغياب إلى مصير مجهول. كانت قد سمعت أخبار المصريين الذين ذُبحوا لا لذنب اقترفوه، ولا لخطأ ارتكبوه، بل لأن هويتهم كانت مسيحية، فازدادت مخاوفها حتى أكل الحزن من صحتها.
وحين رأتني واقفًا أمامها سالمًا، لم تستطع أن تخفي فرحتها. حملت وسادتها، وفرشتها إلى جواري في الطابق السفلي، ولم تدخل غرفتها لتنام.فقلت لها: لماذا تفعلين ذلك يا أمي؟ ابتسمت والدموع تسبق كلماتها، وقالت:
— حتى إذا استيقظت من النوم، يكون أول ما تقع عليه عيناي هو أنت. فما زلت حتى الآن لا أصدق أنك عدت إليّ سالمًا.
ما أشد عذاب الأم حين تفارق ابنها، وما أقسى وجع الابن حين يعيش بعيدًا عن أبنائه. كانت أمي تتعذب من فراق ولدها، وكنت أنا أتجرع مرارة الابتعاد عن أولادي الذين كبروا بعيدًا عن عيني، محرومين من رؤية أبيهم كل يوم، كما يرى سائر الأطفال آباءهم وهم يمسكون بأيديهم في الطرقات.
كان ابني يتألم كلما رأى طفلًا يسير ممسكًا بيد أبيه، ولم تكن تلك النظرة تمر مرور العابر، بل كانت تستقر في قلبه جرحًا صامتًا. ظل ذلك الأثر يرافق أولادي حتى بلغ ابني الأكبر الرابعة والعشرين من عمره، وما زال يتذكر تلك الأيام وكأنها حدثت بالأمس.
أما ابنتي، فقد قتلتني بكلماتها دون سكين، وأدمت قلبي دون أن تُراق قطرة دم. قالت لي يومًا: يا أبي… عندما كنت تسافر، كنت أحتفظ بجلبابك الذي تخلعه قبل رحيلك، ولا أسمح لأحد أن يغسله، لأنني كنت أشمه كلما اشتقت إليك. تلك الكلمات مزقت قلبي. لم أعرف هذا السر إلا بعد أن استقر بي المقام في قريتي، وبعد أن أيقنت أنني لن أغترب مرة أخرى.
ملحوظة للقارئ: ذلك الجلباب ما زال موجودًا حتى اليوم، تحتفظ به ابنتي، وتخفيه بين ملابسها ليبقى ذكرى عزيزة تربطها بوالدها.
وفي أحد الأيام جاءتني أمي وأنا أجلس في منزلي، فقالت: يا بني، لماذا لم تستثمر أموالك في شراء الأراضي وبيعها؟ فقلت لها:
— يا أمي، تجارة الأراضي تحتاج في كثير من الأحيان إلى المراوغة، وكثرة الوعود، وربما الأكاذيب، حتى يربح الإنسان مالًا تحت مسمى “تشغيل الدماغ”. أما أنا، فلا يسمح لي ضميري ولا كرامتي أن أغش أحدًا أو أخدعه، أو أحلف يمينًا باطلًا من أجل المال.
فقالت: أعرف أنك لن تتغير، ولكن كيف ستنفق على البيت؟ هل ستظل تصرف من رأس المال؟ هذا الأمر لا يطمئنني يا بني. فابتسمت وقلت: اتركي الأمر لصاحب الأمر، فهو سبحانه أدرى بتدبير أرزاق عباده. هزت رأسها ومضت، وتركتني غارقًا في التفكير في كلماتها. وبينما كنت كذلك، رن هاتفي. نظرت إلى الشاشة، فإذا بالمكالمة من الدولة التي كنت أعمل بها. أجبت: ألو… فقال المتصل بصوت يملؤه الحزن: عندي خبر مؤلم جدًا. شعرت بانقباض في صدري، وقلت: ماذا حدث؟ قال: جرجس… صديقك الذي حذرته قبل رحيلك من الأيام القادمة… لقد قبض عليه تنظيم داعش. صرخت دون أن أشعر: ماذا تقول؟ كيف؟ أين هو الآن؟ وقبل أن ينقطع الاتصال، قال: أهالي المحافظة، وأخوه، وكل الناس يحملون السلاح ويبحثون عنه، لكن لا أحد يعرف مكانه. قلت له بسرعة: أرجوك… تابعني أولًا بأول، وأخبرني بكل جديد. فقال: حاضر.
أغلقت الهاتف، لكن النوم لم يعرف طريقه إلى عيني. ظللت طوال الليل أفكر في صديق العمر الذي رافقني منذ عام 1991 وحتى عام 2014. وفي الصباح، رأتني أمي شارد الذهن، فقالت: ما بك يا بني؟ هل تشعر بسوء؟ قلت: سأخبرك بخبر سيئ. قالت بقلق: على من؟
قلت: على صديقي جرجس… لقد اختطفه داعش مع عدد من أقاربه، وما زال أهل المحافظة وأخوه يبحثون عنهم. وضعت كفًا على كف، وأخذت تندب وهي تقول: يا ويلاه… وراءه أولاد، فمن سيرعاهم؟ يا ليتك لم تخبرني بهذا الخبر. ثم سكتت لحظة، ونظرت إليّ وقالت: تخيل… لو أنك لم تعد إليّ، لكنت مت من الخوف عليك، وخاصة بعد سماعي بخطف جرجس. كنت سأظن أنك أنت أيضًا بينهم، وأن الجميع يخفون عني الحقيقة. ابتسمت رغم الألم، واحتضنتها، وقبلت رأسها، ثم خرجت إلى شوارع القرية أحاول أن أهرب من أفكاري. تجولت طويلًا حتى أنهكني التعب، ثم عدت إلى المنزل، وتناولت الغداء، وغلبني النوم. استيقظت على رنين الهاتف.
كانت الساعة الثانية ظهرًا. نظرت إلى الرقم، فعرفته من الدولة التي كنت أعمل بها. أجبت: لو… فقال: أنا الحاج رافع. فرحت كثيرًا بسماع صوته، وقلت: هلًا وسهلًا يا حج رافع.لاقال لي بلهجته العامية: إنت طبيخك جميل. وهي عبارة يقصد بها أن رزقك حلال، وأن الله أنجاك. ابتسمت وقلت: ولماذا تقول ذلك؟ فقال: أتذكر يوم جئت إليك، ووجدتك تنظر يمينًا ويسارًا؟ ولما سألتك عن السبب، أخبرتني أنك تشعر بأن هناك من يراقبك. قلت: نعم… لم أنس ذلك اليوم فقال:
— وأنا أيضًا لم أنسه. بالأمس جاءني أحد الملتحين، وسألني عنك. سألته: لماذا تريده؟ فقال إنه يبحث عنك في عمل. لكنني لم أصدق كلامه، وبعدما تحريت عنه، عرفت أنه من عناصر داعش. عندها أدركت أنك كنت تشعر بشيء لم نكن نفهمه وقتها. قلت له: أشكرك يا حج رافع على اهتمامك، وجزاك الله كل خير. أنهى المكالمة، وجلست أضحك ضحكة امتزجت فيها السخرية بالألم، حتى دخل عليّ أولادي وزوجتي وأمي، وقالوا: لماذا تضحك هكذا؟ فحكيت لهم ما دار بيني وبين الحاج رافع. فقالت أمي وهي ترفع يديها إلى السماء:
الحمد لله الذي أعادك إلينا سالمًا. فنظرت إليها وقلت:
يا أمي… أنا لا أستحق أن أنال شرف الشهادة. لقد اخترت الحياة، واخترت أن أبقى معكم. لكن يبدو أن ما تبقى من عمري يحمل أنواعًا أخرى من الشقاء. قد نفرح يومًا، ثم نبكي بلا دموع، ونتألم بلا جراح، ونحمل أحزانًا لا يراها أحد.
إن الطرق التي نسير فيها لا تخبرنا بما ينتظرنا، والمستقبل يخفي بين منعطفاته ما لا يعلمه إلا الله. لقد نجوت من داعش، لكنني لا أدري هل سأواجه في حياتي من هم أشد قسوة منها أم لا. وفي الجزء الخامس عشر، سأروي لكم كيف تعرّفت إلى صديقي جرجس، وكيف انتهى به المطاف أسيرًا في يد داعش، وكيف التقيت أنا بداعش أخرى، ولكن بوجه مختلف.
يحمل هذا الجزء من الرواية تصاعدًا نفسيًا وإنسانيًا واضحًا، إذ ينتقل السرد من فرحة النجاة والعودة إلى الوطن إلى صدمة اختطاف الصديق، ثم إلى الإحساس بأن الخطر لم ينتهِ رغم مغادرة أرض الإرهاب. وهذا الانتقال يجعل القارئ يشعر بأن البطل خرج من سجن المكان، لكنه لم يخرج من سجن الذاكرة.
الجزء الرابع عشر من قصة المغترب
يفتتح الكاتب هذا الفصل بصورة مؤثرة للأم التي أنهكها الحزن، حتى غدا جسدها هزيلًا من كثرة البكاء والخوف على ابنها المغترب. ويضاعف الكاتب هذا الإحساس عندما يربط خوفها بالأخبار التي هزّت ضمير الإنسانية، وهي أخبار ذبح المصريين بسبب هويتهم الدينية، مما جعلها تعيش كل يوم وهي تتوقع أن يكون ابنها الضحية التالية.
ثم ينتقل السرد إلى مشهد بالغ الرقة، حين تنام الأم بجوار ابنها بعد عودته، لأنها لا تزال غير مصدقة أنه عاد حيًا. وهذا المشهد يرمز إلى أن الأم لا تستعيد طمأنينتها إلا حين ترى ابنها بعينيها، وكأن النوم نفسه أصبح يحتاج إلى دليل على بقائه.
بعد ذلك يفتح الكاتب بابًا آخر من الألم، وهو ألم الأب الذي عاش بعيدًا عن أبنائه سنوات طويلة. ويبلغ هذا الألم ذروته عندما تخبره ابنته أنها كانت تحتفظ بجلبابه دون غسيل، لتشم رائحته كلما اشتاقت إليه. وهنا تتحول قطعة من الثياب إلى رمز للحضور الغائب، ويصبح الجلباب شاهدًا على سنوات الحرمان التي عاشها الأبناء.
ويواصل الكاتب رسم شخصية البطل الأخلاقية عندما تطرح عليه والدته فكرة استثمار أمواله في تجارة الأراضي، لكنه يرفض أن يبني رزقه على الخداع أو المراوغة، مؤكدًا أن الكرامة والضمير أغلى من المال. وبهذا يرسخ صورة الإنسان الذي يفضل ضيق العيش على كسب المال بطرق لا يرضاها ضميره.
وتأخذ الرواية منعطفًا جديدًا مع الاتصال الهاتفي الذي يخبر البطل بأن صديقه جرجس وقع في قبضة تنظيم داعش. وهنا يتحول الفرح بالنجاة إلى خوف على الآخرين، ويشعر القارئ أن الإرهاب لا يكتفي بمطاردة الأشخاص، بل يطارد ذكرياتهم وعلاقاتهم أيضًا.
ويزيد الكاتب من توتر الأحداث عندما يتلقى اتصالًا من الحاج رافع، الذي يخبره أن أحد عناصر داعش كان يسأل عنه بعد رحيله، مما يؤكد أن البطل كان بالفعل هدفًا للتنظيم، وأن نجاته لم تكن مصادفة، بل كانت أقرب إلى النجاة من موت كان يطارده.
وينتهي الفصل بتأمل فلسفي عميق، إذ يعترف البطل بأنه نجا من داعش، لكنه لا يعلم إن كانت الحياة تخبئ له ما هو أشد قسوة. وهنا تتحول “داعش” من تنظيم مسلح إلى رمز لكل ما يهدد الإنسان من ظلم، وألم، وفقد، ومحن، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن الشر لا يحمل دائمًا الاسم نفسه، بل قد يتغير شكله ويبقى أثره.
الرسائل الأدبية في هذا الجزء
- تصوير عظمة حب الأم واستحالة تعويض حنانها. إبراز الآثار النفسية القاسية للغربة على الآباء والأبناء.
- التأكيد أن المال لا يساوي شيئًا إذا كان ثمنه الضمير. بيان أن الإرهاب لا يقتل الأجساد فقط، بل يزرع الخوف في قلوب العائلات والمجتمعات. الإيمان بأن النجاة الحقيقية لا تعني انتهاء الابتلاء، وإنما بداية اختبار جديد.
البعد الفلسفي
يطرح الكاتب فكرة عميقة مفادها أن الإنسان قد يهرب من خطر ظاهر، لكنه لا يستطيع الهروب من قلق المستقبل. فالمعركة لا تكون دائمًا مع السلاح، بل قد تكون مع الذكريات، والخوف، والفقد، وتقلبات الحياة. ولذلك يختم الفصل بإحساس وجودي يقول إن الإنسان لا يعلم أي طريق يسير إليه، ولا أي قدر ينتظره، وأن المستقبل يبقى صفحة لا يقرأها إلا الله.
ويُعد هذا الجزء من أكثر أجزاء الرواية تأثيرًا من الناحية النفسية، لأنه يجمع بين حب الأم، وحنين الأب، ووفاء الصديق، ومرارة الغربة، ورعب الإرهاب، والتأمل في قسوة الحياة داخل سياق واحد، مما يجعل القارئ ينتقل بين مشاعر الفرح والحزن والقلق والأمل دون انقطاع.

