الرئيسيةمقالاتالزلازل… رسائل من السماء توقظ القلوب قبل أن تهز الأرض
مقالات

الزلازل… رسائل من السماء توقظ القلوب قبل أن تهز الأرض

الزلازل... رسائل من السماء توقظ القلوب قبل أن تهز الأرض

قراءة تحليلية

بقلم: محمد عطا القطيعي

ليست الزلازل مجرد أرقام تُسجلها أجهزة الرصد، ولا مجرد اهتزازات عابرة في باطن الأرض، بل هي أحداث استثنائية تضع الإنسان أمام حقيقة وجوده، وتذكره بأن القوة المطلقة ليست للعلم ولا للتكنولوجيا، وإنما لله سبحانه وتعالى، مالك الملك ومدبر الكون.

فحين تضطرب الأرض تحت الأقدام، وتتأرجح المباني، ويشعر الإنسان في لحظات معدودة أن كل ما بناه قد يصبح هشًّا، تتجدد في النفس معاني العبودية والخضوع لله، ويتجسد قول الحق سبحانه:

﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].

إن العلم يفسر الزلازل بأنها نتيجة حركة الصفائح التكتونية والطاقة المختزنة في باطن الأرض، وهذا تفسير للأسباب الكونية التي أودعها الله في خلقه، لكنه لا ينفي أن المؤمن يرى وراء الأسباب قدرة الخالق وحكمته، فيتعامل مع الحدث بعين العلم، وقلب الإيمان.

الزلزال الأخير… لحظة أيقظت المصريين

شهدت مصر خلال الساعات الماضية هزة أرضية شعر بها عدد كبير من المواطنين في القاهرة الكبرى وعدة محافظات، وقد تراوحت التقديرات الأولية لقوتها بين نحو 5.5 و5.9 درجة على مقياس ريختر، بينما استمرت الجهات المختصة في مراجعة البيانات الفنية لتحديد القراءة النهائية.

ورغم حالة القلق التي صاحبت الهزة، فإنها أعادت إلى الأذهان حقيقة أن مصر، وإن لم تكن من أكثر دول العالم تعرضًا للزلازل، فإن موقعها الجغرافي بالقرب من خليج السويس وخليج العقبة وشرق البحر المتوسط يجعلها تتأثر بين الحين والآخر بنشاط زلزالي متفاوت القوة.

مصر والزلازل… صفحات من التاريخ

عرفت مصر عددًا من الزلازل المؤثرة عبر تاريخها، ومن أبرزها:

زلزال عام 1992 الذي بلغت قوته نحو 5.8 درجة على مقياس ريختر، وكان من أكثر الزلازل تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث، حيث خلف خسائر بشرية ومادية كبيرة.

هزات متكررة في مناطق خليج السويس والبحر الأحمر وخليج العقبة، إضافة إلى زلازل شعر بها المصريون كان مركزها في شرق البحر المتوسط أو جزيرة كريت، دون أن تسفر غالبًا عن أضرار جسيمة داخل البلاد.

بين العقيدة والعلم… رؤية متوازنة

الإسلام لا يدعو إلى تجاهل الأسباب العلمية، ولا إلى تفسير كل كارثة بأنها عقوبة حتمية، وإنما يربي المؤمن على حسن الظن بالله، والخوف منه، والرجوع إليه.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1].

فهذه الآية تربط بين زلازل الدنيا وزلزلة الآخرة، لتوقظ الضمير، وتدفع الإنسان إلى مراجعة نفسه، وتجديد توبته، دون الجزم بأن كل زلزال عقوبة على قوم بعينهم، فذلك من الغيب الذي استأثر الله بعلمه.

ماذا ينبغي أن نفعل؟

عند وقوع الزلازل وسائر الآيات الكونية، فإن خير ما يفعله المسلم هو:

الإكثار من الاستغفار والتوبة.

الدعاء والذكر.

رد المظالم إلى أهلها.

صلة الأرحام والإحسان إلى الناس.

الصدقة ومواساة المتضررين.

الأخذ بإرشادات السلامة الصادرة عن الجهات المختصة، فحفظ النفس مقصد عظيم من مقاصد الشريعة.

ولم يثبت عن النبي ﷺ دعاء مخصوص للزلزال، إلا أن المسلم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، ومن ذلك:

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم احفظنا بحفظك، واكفنا شر ما قضيت، واصرف عنا البلاء والفتن ما ظهر منها وما بطن.

رسالة لا ينبغي أن تضيع

إن أعظم ما تكشفه الزلازل أن الإنسان مهما بلغ من أسباب القوة، فإنه يظل محتاجًا إلى ربه في كل لحظة.

قد تتصدع الأبراج، لكن الإيمان الصادق لا يتصدع.

وقد تهتز الأرض، لكن القلب المعلق بالله يبقى ثابتًا.

وقد تتغير معالم الدنيا في ثوانٍ، لكن من عرف الله حق المعرفة أدرك أن الأمن الحقيقي لا يصنعه الإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تصنعه الطمأنينة التي يملؤها الإيمان.

الزلازل... رسائل من السماء توقظ القلوب قبل أن تهز الأرضإن الزلازل ليست مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل رسالة إيمانية وإنسانية تدعونا إلى مراجعة أنفسنا، وإحياء الضمائر، والتمسك بالأمل، والتكاتف في مواجهة الأزمات، مع الأخذ بالأسباب العلمية، والتوكل على الله رب العالمين.

نسأل الله أن يحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يرفع عن البشرية البلاء والكوارث، وأن يجعل كل ما يصيبنا سببًا للرجوع إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ـــــــــــــالقطيعي الشريف————

الزلازل… رسائل من السماء توقظ القلوب قبل أن تهز الأرض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *