الرئيسيةUncategorizedامرأة من أبوقير تحكي عن أهل أبوقير
Uncategorized

امرأة من أبوقير تحكي عن أهل أبوقير

امرأة من أبوقير تحكي عن أهل أبوقير

 

بقلم / نعمة حسن

 

حين ابتلع المستقبل صخرنا.. وبقي البحر بعيدًا عن البيوت

 

أبوقير.. البيت الذي تسكنه الأرواح

 

لم تكن أبو قير مجرد منطقة على أطراف الإسكندرية. كانت بيتًا له رائحة. وكان البحر فيها ليس منظرًا يُلتقط، بل فردًا من العائلة. وكان الصخر ليس حجرًا، بل مقعدًا عامًا للبوح، وكتفًا صامتًا لمن ضاقت به الدنيا، ودفترًا مفتوحًا لأجيال جلست عليه، أحبت، ذاكرت، بكت، وضحكت، ثم تركت عليه شيئًا من أرواحها ومضت. ومن يقرأ هذه السطور سيعرف أن من يكتب لا يصف أبو قير من خريطة، ولا من صورة قديمة، ولا من حكاية سمعها على عجل. هذه أبوقير التي لا يعرفها إلا أهلها الأصليون.

 

أبوقير التي كانت تُرى من تفاصيلها الصغيرة قبل شوارعها الكبيرة. أبوقير التي كان لها مدخل كأنه عتبة بيت: على اليمين محطة القطار والبوسطة، وعلى الشمال مجموعة المدارس، وبائع العصير والآيس كريم المشهور، وشارع الظاهر بيبرس، ثم تبدأ الحكاية؛ لا كمنطقة ساحلية، بل كعالم كامل، له ناسه، ومواعيده، وصخره، وبحره، وطقوسه، وذاكرته. كانت أبوقير شبه جزيرة بروح جزيرة. لها مدخل واحد في الوجدان، ومن يدخلها يشعر أنه لا يدخل مكانًا مفتوحًا على الجميع، بل بيتًا كبيرًا يعرف أهله بعضهم بعضًا. البحر من أمامها وحولها، والصخر في قلبها، والرمل تحت أقدام أطفالها، والبيوت قريبة من الماء إلى حد أن أهلها كانوا يستمتعون بصوت أمواج البحر وهي تطرق أبوابهم في النوات التي يحفظون ميعادها مثلما يحفظون تاريخ ميلادهم ويسمعون صوت البحر وهم في منازلهم. لم يكن البحر بعيدًا كما صار الآن. كان قريبًا من الشباك، من المطبخ، من السطح، من قلب الأم التي تميز صوت الموج كما تميز صوت ابنها.

 

جغرافيا الوجدان: المصيف الشرقي والغربي

 

كانت أبوقير قديمًا مقسومة في ذاكرة أهلها إلى عالمين حميمين: المصيف الشرقي والمصيف الغربي. أما المصيف الشرقي، فكان يحمل زفيريون، والبحر البرنس، هكذا كان يسميه أهله، كأن البحر نفسه له لقب ومقام وشخصية. وهناك كانت الصخرة الكبيرةعلى البحر البرنس، عالية شامخة كأنها كرسي العرش القديم لأبوقير، بجوار فيلا أو شاليه كبير صمم كله من الخشب وكانت تُنسب لل “البرنس عمر فاروق”، وقد صور فيه عدد من الأفلام القديمة، وكنا نقف عليها لنرى البحر من أعلى في هيبة وعظمة. وتحتها تجويف يشبه الكهف الصغير وكان يجلس تحته أهل أبو قير لتصد عنهم الريح التي تطفئ نار البابور الذي يشون عليه السمك الخارج من البحر في التو واللحظة بالشبكة وهم تحت الكهف على رمال البحر أمامهم البحر وأعلاهم الصخرة وعلى بعد أمتار قليلة من الصخرة الكبيرة مساحة شبه دائرية من الرمال تُنصب عليها الشماسي يجلس تحتها أهل أبوقير والمصطافون جنبًا إلى جنب في رضا وسماحة وطيب خاطر وبجوارها الصخرة الصغيرة، أقل منها ارتفاعًا لكنها ليست أقل حضورًا في الذاكرة وكنا نسميه البحر الصغير لوجود حوضًا محددًا لسباحة الصغار وكأنه صمم من عند الله خصيصًا لهم. وفي داخل البحر البرنس الصخرة الأولى تراها وأنت واقف بجوار شاليه البرنس عمر فاروق من أعلى يسبح إليها الجميع؛ بنات وشباب وأطفال إلا الغريب يجهلها فيغرق فيغطس لإنقاذه من يراه وهو جالس على الشاطيء شاب أو شابة على حد سواء فالجميع يجيد العوم بمهارة ويعرف كيف يدير الإنقاذ بحرفية وكنا نعرف الغريب في الماء من شكله ومن طريقة عومه وملابس البحر التي يرتديها، فلم تكن الصخرة الأولى هذه مجرد صخرة في الماء، بل كانت اختبار شجاعة، وموعد لعب، وهدف سباحة، وعلامة من علامات الانتماء: من يعرفها يعرف أبوقير، ومن وصل إليها شعر أن البحر اعترف به واحدًا من أهله.

 

وعلى الجانب الآخر وعلى مسافة قريبة تجد الشارع العمومي والذي تسلكه لدخول زفيريون

في مقابله يقع البحر الكبير يحده سور كأنه كرسي كبير نجلس عليه مساءً فنأكل الطعمية السخنة بالخبز الفينو او الجبنة التركي وعربة الترمس والحلبة ذات الجزور والفول المقيلي باليمون والكمون وغزل البنات والزلابية والبطاطا المشوية على الفحم والذرة المشوي كل هذا كان لزوم سهرات الصيف الجميلة.

وأما المصيف الغربي، فكان عالمًا آخر من أبوقير، فيه الكنيسة المعروفة، وبراديس، المصيف الحكومي، وذاكرة أخرى للعائلات والرحلات والبحر والضحك والانتظار. لم تكن هذه التقسيمات أسماء جغرافية باردة؛ كانت تقسيمات قلب. من يقول “المصيف الشرقي” لا يقصد اتجاهًا فقط، بل يقصد رائحة سمك، وصخرًا معينًا، ووجوهًا بعينها. ومن يقول “المصيف الغربي” لا يقصد مساحة، بل يقصد ناس معينة وعائلات معينة وغرباء أحبوها وجعلوها مسكنًا وموطنًا وذكريات لها طعم الشمس والملح والناس.

 

وفي قلب هذه الذاكرة كان زفيريون لأهل أبوقير جميعًا من البحر البرنس وحتى براديس. لم يكن مطعمًا فقط. كان شاهدًا على زمن. كان علامة من علامات أبوقير ولا زال حتى الآن علمًا من أعلامها ،فقد مُيز بالطابع اليوناني وبطعم أبوقير ارتبط بالبحر والخواجات والعمال والرزق والحكايات. صاحبه الخواجة، كما بقي في ذاكرة الناس، لم يكن مجرد صاحب مكان؛ كان جزءًا من أسطورة محلية عاشت في الكلام أكثر مما عاشت في الأوراق. اشتغل فيه كثير من أهل أبوقير القدامى وتوارث أبناؤهم العمل فيه إلى اليوم. ومن لم يعمل فيه، عرف من عمل. ومن لم يجلس فيه، مرّ من أمامه. ومن لم يأكل فيه، سمع حكايته. هكذا كانت الأماكن في أبوقير: لا تخص أصحابها وحدهم، بل تخص الجميع.

 

مجتمع البراءة والشهامة: حين كان الشارع “سترًا”

 

كانت أبوقير القديمة أشبه بجزيرة اجتماعية صغيرة. عوائل قليلة، تعد على أصابع اليد، عوائل معروفة بالاسم كلهم على قدر عالي جدا من الاحترام، والادب،والاصول، والطيبة والصدق، والتدين، والحكمة، والالتزام في كل شيء عملوا في كل المهن التي تناسب بيئتهم فمنهم من تخصص في الصيد ومنهم من تخصص في البناء أو النجارة أو صنع الشبكة أو بناء المراكب فكانت وجوه محفوظة، أبواب تعرف أصحابها، وأمهات يعرفن أبناء الجيران كما يعرفن أبناءهن. يدخلها الغريب فيذوب فيها فورًا؛ ويعرف بمجرد ما يمر من قهوة العمدة أو قهوة الخواجة. كان المكان له طبع، وله ميزان، وله أخلاق غير مكتوبة. هناك كانت البساطة ليست فقرًا، والطيبة ليست ضعفًا، والبحر ليس ترفيهًا، بل رزقًا وسترًا ومدرسة. ومع ذلك، لم تكن أبوقير منغلقة على نفسها. كانت تحتضن من جاء إليها بصدق. جاءها من رشيد من وجد فيها مثواه، فأحبها وصار منها ونسب نفسه لها وقال أنا أصلي من أبوقير. وجاءها من الصعيد من جاء لها طالبًا رزقًا أو حياة أو أمانًا، فاحتضنته أبوقير وذوّبته في أهلها حتى صار منهم ونسب نفسه لها وقال أنا من أبو قير، وربما رحل أغلب أهلها الأصليين وبقي غريبها شاهدًا عليها، حارسًا لذاكرتها، ابنًا لها لا بالميلاد فقط، بل بالمحبة والاندماج والوفاء.

 

هذه هي أبوقير التي كانت تعرف كيف تجعل الإنسان من أهلها؛ لا بالورق، ولا بالألقاب، بل بالعيش، والجار، والبحر، والفرح، والحزن، والوقوف في الشدة. كان الجار يخاف على جارته كما يخاف على أهل بيته. لم تكن الشهامة شعارًا يقال في المناسبات، بل كانت نظام حماية يومي. الجار يرى البنت خارجة أو داخلة، فيطمئن لا يفتش. يحمي لا يتدخل. يصون لا يراقب. كانت الرجولة هناك أن تكون سترًا لا عبئًا، وأن يكون الشاب في الشارع مصدر أمان لا مصدر خوف. لذلك كان الشباب والبنات يلعبون أمام منازلهم دون أن يشعروا أن الشارع عدو. كانوا يلعبون لعبتهم المفضلة: الراكت ذا المضرب الخشبي والكرة التي تتبادل بضربة أحد الطرفين اللذين يلعبانها. وأهل أبو قير يجيدون تلك اللعبة جيدًا. ويعرفون بالإسم من يجيدها ومن لا يجيدها يلعبها سويًا البنات والشباب جيرانًا أو أقارب على حد سواء دون فهم سيء لمعنى الجيرة والأخوة يعرفون ضحكتها، واندفاعها، وشقاوتها، والجري للفوز بضرب الكرة قبل أن تسقط على الأرض والطريقة التي كان الجسد الصغير والكبير يركض بها بين البيوت والرمل والبحر كأنه لا يخاف شيئًا. ومن من شباب ابوقير قديما لم يذهب إلى عم سليم الرجل الأسمر الذي يسكن الكابينة الخشب التي لاتزال موجوده إلى الآن وطاولة ،،البينج بونج،، التي كانت تجمع اغلبهم وقتها حتى الصغار كان لهم نصيب من عم سليم فكانوا يشترون منه قرطاس العسل الأسود الذي بنتهى آخره ،قرشا، والتفاح المغموس في العسل الأسود هذه هي الحياة وهذه هي المتعة والطفولة والذكريات .

والشباب، كأنما وُلدوا وفي أرجلهم مهارة كرة القدم. يلعبونها بقدرة فطرية، على الرمل، أمام المنازل، قرب البحر، بين الصخر والطرقات الضيقة. لم يكونوا يحتاجون إلى ملاعب كاملة ليصنعوا متعة كاملة. كان الشارع يكفي، والرمل يكفي، وقطعة أرض صغيرة تكفي، لأن الفرح القديم كان قليل التكلفة عظيم الأثر.

ومعظم أهلها اتجهوا إلى الصيد بحكم الطبيعة والموقع. البحر أمامهم، والصخر تحت أقدامهم، والرزق يخرج من المياه لمن يصبر عليها. لم يكن الشاب يحتاج إلى تفسير طويل عن معنى الكفاح؛ كان يراه في وجه أبيه العائد من البحر، في يديه المشققتين، في الشبكة المبتلة، في السمك الذي لم يكن مجرد بضاعة، بل نتيجة ليلة كاملة بين الموج والخوف والبرد والرجاء. وربما أب آخر مغتربًا مسافرًا لبلاد بعيدة كي يوفر حياة أكثر رفاهية ينتظره أبناؤه بكل شوق ولهفة.

 

أسرار المائدة الأبوقيرية: طقوس الرزق وفن الطبخ

 

في أبو قير القديمة، كان الصباح يبدأ مبكرًا. ليس لأن الحياة كانت سهلة، بل لأنها كانت صادقة. كان الشباب يخرجون للمذاكرة على البحر، يحملون كتبهم كأن البحر زميلهم الأكبر. يقرأون على الصخر، يراجعون دروسهم على صوت الموج، ويتعلمون درسًا لا تمنحه المدارس: أن الاتساع يربي النفس. وللبحر مواعيده التي يعرفها أهل أبوقير كما يعرفون مواعيد الصلاة والعمل والعودة إلى البيت.

 

يعرفون البحر وسمكه وأنواعه وبكل دقة وإتقان. كانت تقام حلقة السمك أمام البحر، حيث تصل المراكب فتقام المزادات الصاخبة والمليئة بالخير، وهناك سمك الجارفة الطازجة الذي يخرج من المراكب بشباكها للتو، وسمك البلانس من أمس الذي يحمل رائحة أعماق البحر. يعرفون متى يأكلون النوع الذي يفضلونه؛ فهم يعرفون متى يأكلون سمك الموزة ومتى يأكلون سمك البطاطا ومتى يأكلون الشراغيش ومتى يأكلون المرمار والسبارس وكل نوع له الاشهر الخاصة به والتي يكون طعمها افضل والذ واطيب يعرفون سر هذا ولسمك السرب المشوي بالسمن البلدي مذاق خاص تميز به كازينو زفيريون قديمًا ولا ننسى صينية السردين في الفرن أو السردينة المفطرة مشوية بقليل من الزيت ويتفننون في طبخ السمك بشكل فاق الخيال؛ فهناك ما يُشوى بالردة أو الزيت أو سنجاري وهناك ما يصلح شوربة كسمك الوقار ١١١ هو كده بالرقم وهناك إبداع في المأكولات البحرية بجميع أشكالها وأصنافها.

 

وأما الفطار شبه الموحد وهو العفشة أو الجرفة ودي عبارة عن خليط من السمك الصغير الخارج من البحر حالًا البحر وهو عبارة عن الصغير من السردينة والمكرونة والبساريا والبطاطا والشخرم والزنجاريا لها فم مثل الإبرة الطويلة يعني تشكيلة متنوعة من السمك الصغير الطازج جدا يغسل ويتبل بالثوم والكمون والليمون والبهارات وتقلى وتوضع في مصفاة ويفطر الجميع وهي ساخنة أو طبق البساريا أو طبق البربوني البلدي أو الحجر الصغير؛ هذا الفطار لكل أهل أبوقير وهو الطعم المفضل والموحد والطبق الرئيسي لفطار أهل أبوقير حتى الآن. ناهيك عن الجمبري الصغير المقلي أو كفتة الجمبري أو السبيط المقلي أو المشوي بحبره أو سمك السيوف وهو فعلًا لامع كأنه سيف حقيقي وغيره من الأطباق الخاصة بأهل أبوقير البسطاء.

 

وكانت النساء يفضلن نزول البحر قبل طلوع الشمس، من الفجر وحتى الشروق. في تلك الساعة النقية، قبل زحام النهار، كان البحر أكثر سترًا، وأكثر صفاء، وأكثر قربًا من الروح. ثم من الخامسة عصرًا، ينزل الجميع؛ رجالًا ونساءً، شبابًا وبنات، أطفالًا وكبارًا. يحمل الشاب الشمسية والكرسي، ينصبهما على البحر كأنه يفتح مجلسًا عائليًا فوق الرمل. والقريب من البحر لا يحتاج إلى استعداد؛ يكفيه أن ينزل كما هو، يجلس على الصخرة، يمد عينيه للموج، ويشعر أن اليوم صار أهون. كانت البنت تنتهي من شغل البيت، تنزل حافية أو شبه حافية إلى البحر، تضرب غطسًا كما هي بملابسها، دون تحفظ مبالغ، دون تكلف، دون استعراض، ودون خوف من نظرة غريبة تفسد الطمأنينة. لم تكن البراءة تحتاج إلى حراسة مشددة؛ لأن المكان نفسه كان يحرسها. لم تكن الثقة قانونًا مكتوبًا، بل مناخًا عامًا. وكان البحر فسحة البنات والشباب، كما كان رزق الرجال وميراث العائلات.

وهناك، على صخور أبوقير، كانت المدينة تمارس طقسها اليومي الجلوس بلا موعد تستطيع أن تجلس على رمال بحر أبوقير من الليل وحتى صباح اليوم التالي وإن شئت لأيام فلن يقيدك أحد لا بموعد ولا بمال تدفعه يكفيك أن تأتي من بيتك ببراد الشاي فأنت لست بحاجة حتى إلى ترمس يحفظ لك مشروبك فبيتك إلى جوارك. كان البحر وصخره مجلس الفقراء والأغنياء، مجلس الصيادين والعشاق. من أراد الجمال دون تكلفة، وجد الجمال ينتظره مجانًا. وتحت تلك الصخرة .

 

ثم جاء الزمن الجديد.

لا يمكن لعاقل أن ينكر أن التطوير ضرورة. الدولة لا تستطيع أن تترك المدن كما هي فقط لأن الذاكرة تحبها. البنية التحتية تحتاج إلى تحديث، والنقل يحتاج إلى تطوير، والمناطق الساحلية تحتاج إلى تنظيم، والموانئ تحتاج إلى قدرة أكبر، والمدن تحتاج إلى مستقبل. أبوقير لا تستحق الإهمال، ولا يليق بتاريخها أن تبقى خارج خرائط التطوير. إذن نعم: التطوير مهم. ونعم: البلد تحتاج إلى بنية حديثة. ونعم: أبوقير تستحق أن تُرى وتُخدم وتدخل خرائط المستقبل. لكن السؤال الذي يوجع أهل أبوقير ليس: لماذا تطورت؟ السؤال الحقيقي: لماذا شعروا أن التطوير أخذ المكان ولم يترك لهم روحه؟ هنا تبدأ الحيرة الثقيلة: كيف يفرح الإنسان بمنطقة تُصبح أجمل، وفي الوقت نفسه يشعر أنه صار غريبًا فيها؟ كيف يصفق للمستقبل وهو يفتش في جيبه عن ماضيه فلا يجده؟ كيف يقول: “الحمد لله، أبوقير تتطور”، ثم يلتفت فلا يجد الصخر الذي كان يعرفه، ولا البحر الذي كان ينزل إليه كما ينزل إلى فناء بيته، ولا الوجوه التي كانت تجعل الشارع آمنًا حتى في العتمة؟

 

أهل أبوقير لا يرفضون الجمال. هم يبكون فقد الألفة.

وهناك فرق كبير بين من يكره التطوير، ومن يطلب أن يكون التطوير رحيمًا بالذاكرة. لقد تغيرت أبوقير مرتين. مرة حين امتلأت بوجوه غريبة على نسيجها القديم، فاختلت تلك المعرفة الحميمة التي كانت تجعل الجميع يعرف الجميع، لا لأن كل غريب سيئ، بل لأن التغير الجديد جاء أسرع من قدرة المكان على الهضم. ومرة حين دخلت موجة التطوير والعمران والتحول، كانت البيوت ارتفاعها لا يتخطى الأربع أدوار وربما الدور الواحد فكانت البيوت صحية يدخلها الهواء والشمس من كل مكان هُدمت وصارت أبراج شاهقة حجبت الشمس والهواء فخف ضوء الطبيعة وأظلمت فصار المكان أكثر انفتاحًا وربما أكثر قيمة، لكنه في عيون أبنائه صار أقل خصوصية وعتمة. ليس لأن الجديد سيئ بالضرورة، بل لأن القديم كان حميمًا بدرجة لا تُعوّض. في السابق، كانت أبو قير تُقاس بالناس. اليوم تُقاس بالمشروعات. في السابق، كان عنوان المكان: بيت فلان، صخرة فلان، مركب فلان، شاطئ الطفولة، زفيريون، قعدة المغرب، ضحكة الجيران. اليوم صار العنوان: تطوير، ميناء، مترو، محور، استثمار، امتداد، نقل جماعي. كل هذه الكلمات مهمة، لكن بينها كلمة ناقصة: الأهل. فما قيمة المكان إن صار عالميًا، لكنه فقد الذين جعلوه دافئًا؟ وما معنى أن يصبح البحر أجمل في الصور، وأبعد في القلب؟

 

أقسى ما في الحنين أنه لا يطلب المستحيل. الحنين يطلب فقط أن يُحترم. أن يُقال لأهل المكان: أنتم لستم عائقًا أمام التطوير، أنتم أصل الحكاية. كان في أبو قير نوع من الغنى لا يعرفه إلا من عاش في الأماكن البسيطة. واليوم يشعر كثير من أبنائها أن هذا الوجه تغير. الذين كانوا أعمدة المكان مرجعًا للحكم بحكمة والفصل بين المختلفين للأسف طالهم التراب. رحل الكبار الذين كانوا يحملون أخلاق المنطقة في مشيتهم وصوتهم ونظرتهم. ومن بقي من أهلها هاجر بعضه، لا لأنه كره أبو قير، بل لأنه لم يعد يجد فيها أبو قير التي أحبها. خرجوا بحثًا عن مكان، وحين عادوا وجدوا أن الذاكرة نفسها لم تعد تعرف أين تجلس.

 

وبشجن أسأل : أين نحن منكِ الآن يا أبوقير؟

 

لا الصخر كما كان. لا البحر كما كان. لا الوجوه كما كانت. لا حتى رمال البحر بقيت كما كانت؛ ذهب صخر الذكريات بلا رجعة. تغيرت لونًا وشكلًا ومضمونًا. ريحة البحر نفسها بعدت عن الشاطئ بعد أن كان أقرب للبيوت. كانوا يسمعون صوت البحر وهم في منازلهم،

 

لقد بعد البحر عن أهل أبوقير كبعد من رحلوا فاستكثروا علينا حتى الذكريات. أما الآن فصار على القلب أن يمشي مسافة أطول حتى يصل إلى ما كان يومًا ملاصقًا للروح. حتى الذكرى لم تعد تجد مكانها القديم.

 

أين الصخرة الكبيرة الشامخة بوقفتها المهيبة؟ أين الصخرة الصغيرة؟ أين الصخرة الأولى التي كان يسبح إليها الجميع؟ أين البحر البرنس كما عرفه أهله؟ أين البحر الكبير بامتداده ليصل برماله حتى براديس مرورًا بساسوها وصخرته والمصوراتي الذي كان لا يخلو بيت من نفس الصورة بطريقتها وملامحها وزاويتها كله متصور نفس الصورة.. فأين الرمل الذي كان يعلق في القدمين فيعود الطفل إلى البيت كأنه يحمل جزءًا من الشاطئ معه؟ أين ذلك الشعور بأن البحر ليس مرفقًا عامًا، بل قريب يسكن آخر الشارع؟

 

هنا تكمن مأساة المدن حين تتغير بسرعة: أن الإنسان لا يفقد المكان دفعة واحدة، بل يفقده قطعة قطعة. أولًا يختفي وجه. ثم تُغلق قعدة. ثم يتغير شارع. ثم يُمنع طريق إلى البحر. ثم يرحل جار. ثم تتحول الصخرة إلى ذكرى ثم تختفي الصخرة وتضيع الذكرى وكأننا نبت بلا جذور حتى لون الرمل تغير. ثم يبتعد صوت البحر عن البيت. ثم يصبح المكان الذي كان مفتوحًا للروح مساحة محسوبة بالتصاريح والأسوار والأسعار فأصبح شيئًا غريبًا ليس منا ولا نعرفه. وفي النهاية لا يبكي الإنسان حجرًا ولا سورًا، بل يبكي نفسه القديمة التي لم تجد مكانًا تعود إليه.

 

يا أبوقير… كم من ولد كبر على صخرك ثم اكتشف أن الصخر كان أبًا آخر؟ كم من بنت نزلت بحرك ببراءة لم تكن تعرف أنها ستصبح بعد سنوات ذكرى نادرة؟ وحتى الذكرى نُزعت منك فلا حنين يُرجعك لها.. كم من صياد ظن أن البحر رزقه فقط، فإذا به يكتشف في آخر العمر أن البحر كان وطنه؟ كم من شاب ذاكر على موجك، ثم رحل، ثم صار كلما سمع اسمك شعر أن صفحة من عمره تُفتح بلا استئذان؟ كم من جار وقف في ظهر جارته دون أن ينتظر شكرًا؟ كم من طفل لعب الكرة وركب الكرنك الذي لا يعرفه إلا أبناء أبوقير القدامى.. كم لعب الكرة الشراب أمام بيته ثم صار رجلًا يبحث عن نفس البيت فلا يجد حوله نفس العالم؟ كم من شاب حمل الشمسية والكرسي في الخامسة عصرًا، ثم ظن أن هذا المشهد بسيط، فإذا به بعد العمر كله يكتشف أنه كان رفاهية لا تُشترى؟

 

أبوقير ليست مكان تغير. أبوقير جرح ناعم في قلب أهلها. جرح لا يريد أن يوقف الزمن، لكنه يريد من الزمن أن يلتفت قليلًا قبل أن يمضي. فليتطور الميناء. وليأتِ المترو.

 

وليأتِ كل جديد ولكن لا تجعلوا أهلها يشعرون أنهم ثمن

سيبحثون عن المصيف الشرقي كقلب، وعن البحر البرنس كزمن، وعن زفيريون كحكاية رزق. عن المصيف الغربي، والكنيسة، وبراديس، لا كمعالم، بل كأجزاء من وجدان. عن محطة القطار والبوسطة والمدارس وبائع العصير والآيس كريم وشارع الظاهر بيبرس، لا كأماكن، بل كمدخل سري إلى العمر الأول. تلك أبوقير لم تمت تمامًا. هي فقط اختبأت في صدور أهلها.

 

أين الأهل؟ أين العزوة؟ أين الكبار؟ صرنا نحن الكبار. اين العشرة ؟ أين الحضن؟ صرنا نحن الحضن بلا حضن. أين الغالين؟ أين ناس الأصول والمبادئ الطيبين؟ أين الجيران الطيبة؟ أين العشرة ؟أين الأصول؟ لقد افتقدت فيكِ معنى القيمة والإحترام، وافتقدت فيكِ الأهل والخلان. ولم يبقَ فيكِ غير بقايا أناس صغار البقاء بينهم قلة وفقدان هيبة.. وضياع لمقام الكبير .. وصار للصغير فيها مكان بلا عقل ولا مرجع ولا مبادئ ولا أصول. ذهبت أبوقير.. وذهب معها كل جميل أشخاصًا ومكانًا. صرتِ غريبة.. وصرنا غرباء. وحرمنا حتى من ذكرياتك يا أبو قير.. عن نفسي افتقدت فيكِ الغالين.

 

امرأة من أبو قير.. تحكي عن أبو قير.. أنا تلك المرأة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *