“سلسلة الوصايا الخالدة: قراءة معاصرة في سورة لقمان”
المقال السادس: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… مسؤولية المجتمع”.
بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
مقدمة:
جعل الإسلام إصلاح المجتمع مسؤوليةً جماعية، ولم يتركها حكراً على الحكام أو العلماء أو الدعاة، بل حمّل كل فرد نصيباً من المسؤولية بحسب قدرته وعلمه وموقعه. ومن أعظم الوصايا التي أوصى بها لقمان الحكيم ابنه قوله تعالى:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾،[لقمان: 17].
وتكشف هذه الآية عن حقيقة عظيمة، وهي أن المؤمن لا يكتفي بإصلاح نفسه، وإنما يحمل همَّ إصلاح مجتمعه، لأن الأمة التي تتخلى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفقد مناعتها الأخلاقية، ويبدأ فيها الانهيار التدريجي للقيم.
وفي عصر تتسارع فيه وسائل التأثير، وتتعدد منصات الإعلام والتواصل، أصبحت هذه الفريضة أكثر أهمية، لكنها تحتاج إلى فهم صحيح، وحكمة بالغة، ورحمة في الأسلوب، وفقه في الأولويات.
أولاً: مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المعروف هو كل ما أمر الله به ورسوله من عقيدة صحيحة، وعبادة، وأخلاق، وعدل، وإحسان.
أما المنكر فهو كل ما نهى الله عنه من شرك، وظلم، وفساد، ورذائل، وعدوان.
وليس المقصود مجرد توجيه الأوامر والنواهي، وإنما صناعة بيئة اجتماعية تشجع الفضيلة، وتقاوم الرذيلة، وتحفظ هوية الأمة.
ثانياً: لماذا جاءت هذه الوصية بعد إقامة الصلاة؟:
بدأت الوصية بإقامة الصلاة لأنها تصنع الإنسان الصالح، ثم انتقلت مباشرة إلى إصلاح المجتمع.
فالإنسان الذي يصلح نفسه ولا يهتم بمجتمعه لم يحقق رسالة الإسلام كاملة.
ومن هنا فإن الإسلام يبني دوائر الإصلاح بهذا الترتيب:
إصلاح النفس.
إصلاح الأسرة.
إصلاح المجتمع.
إصلاح الأمة.
ثالثاً: الأمر بالمعروف أساس الأمن المجتمعي:
كل المجتمعات تحتاج إلى منظومة رقابة أخلاقية تحفظها من الانحراف.
ولذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبباً في:
حماية القيم.
الحد من انتشار الجرائم.
تقوية الضمير الجمعي.
نشر روح التعاون.
تقليل الفساد الإداري والأخلاقي.
حماية الشباب من الانحراف الفكري والسلوكي.
وعندما يغيب الإصلاح المجتمعي تتحول المنكرات إلى عادات، ثم إلى ثقافة، ثم تصبح المطالبة بالإصلاح أمراً مستغرباً.
رابعاً: مسؤولية مشتركة لا فردية:
هذه الفريضة لا تخص فئة واحدة، وإنما يشترك فيها الجميع، كلٌّ بحسب اختصاصه.
١) مسؤولية الأسرة:
فالوالدان يغرسان القيم، ويربيان الأبناء على الصدق والأمانة والعفة والرحمة.
٢) مسؤولية المدرسة:
المعلم ليس ناقلاً للمعلومات فقط، بل صانعٌ للقيم، ومربٍّ للأجيال.
٣*مسؤولية المسجد:
الإمام والخطيب والداعية يبينون الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ويعالجون قضايا المجتمع بوعي واعتدال.
٤)مسؤولية الإعلام:
الإعلام الواعي شريك في بناء الأخلاق، بينما الإعلام المنفلت قد يكون سبباً في نشر الرذيلة والانحراف.
٥) مسؤولية المؤسسات الرسمية:
من خلال سنّ الأنظمة العادلة، ومحاربة الفساد، وحماية الحقوق، وتحقيق العدالة.
خامساً: الحكمة أساس الدعوة والإصلاح:
الأمر بالمعروف ليس تعنيفاً، ولا فضيحة، ولا تجريحاً.
بل يقوم على:
العلم.
الحكمة.
الرحمة.
الرفق.
اختيار الوقت المناسب.
مراعاة حال الناس.
وقد قال النبي ﷺ:
«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه».
فكم من كلمة لطيفة غيّرت حياة إنسان، وكم من أسلوب قاسٍ أغلق أبواب الهداية.
سادساً: الصبر ركن الإصلاح:
بعد الأمر بالمعروف مباشرة قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾
لأن طريق الإصلاح ليس سهلاً.
فالمصلح قد يواجه:
السخرية.
الاتهامات.
سوء الفهم.
الإيذاء.
مقاومة أصحاب المصالح.
ولهذا جعل الله الصبر من عزم الأمور؛ لأنه وقود الدعوة، وسر استمرار المصلحين عبر التاريخ.
سابعاً: الأمر بالمعروف في العصر الرقمي:
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي من أكبر ساحات التأثير.
ومن صور الأمر بالمعروف اليوم:
نشر العلم الصحيح.
الدفاع عن القيم.
تصحيح الشائعات.
نشر الأخلاق الحسنة.
دعم المبادرات الإنسانية.
تقديم القدوة الحسنة.
إنتاج محتوى هادف يربي الأجيال.
كما أن من صور النهي عن المنكر عدم المشاركة في نشر الكذب، أو خطاب الكراهية، أو انتهاك الخصوصيات، أو المحتويات الهابطة.
ثامناً: ضوابط شرعية لا بد منها:
حتى تؤتي هذه الفريضة ثمارها فلا بد من مراعاة الضوابط الآتية:
الإخلاص لله تعالى.
العلم بالحكم الشرعي.
الحكمة في الأسلوب.
مراعاة المصالح والمفاسد.
عدم الظلم أو التجاوز.
احترام كرامة الإنسان.
تقديم القدوة قبل الموعظة.
تاسعاً: ثمار قيام المجتمع بهذه الفريضة:
إذا قام المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحقق له:
قوة الإيمان.
وحدة الصف.
استقرار الأسرة.
حماية الشباب.
انخفاض معدلات الجريمة.
انتشار الرحمة.
ترسيخ العدالة.
ازدهار الحضارة.
ولهذا كانت خيرية هذه الأمة مرتبطة بهذه الفريضة، قال تعالى:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾،[آل عمران: 110].
دروس مستفادة:
إصلاح النفس مقدمة لإصلاح المجتمع.
الأمر بالمعروف مسؤولية الجميع كلٌّ بحسب استطاعته.
الحكمة والرحمة أساس نجاح الدعوة.
الصبر طريق المصلحين.
الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام شركاء في صناعة القيم.
وسائل التواصل أصبحت ميداناً واسعاً للدعوة والإصلاح.
لا نهضة لأمة تتخلى عن حماية قيمها وأخلاقها.
القدوة العملية أبلغ من آلاف الكلمات.
الخاتمة:
لقد قدمت سورة لقمان منهجاً متكاملاً لبناء الإنسان والمجتمع، فجعلت إقامة الصلاة غذاءً للروح، ثم حمّلت المؤمن مسؤولية الإصلاح الاجتماعي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربطت ذلك بالصبر والحكمة وحسن الخلق.
إن الأمم لا تنهض بالثروات وحدها، ولا بالتقدم المادي المجرد، وإنما تنهض حين تتجذر فيها القيم، ويتعاون أفرادها على الخير، ويتواصون بالحق، ويتناصرون على البر والتقوى. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد فريضة شرعية، بل هو مشروع حضاري يحفظ هوية الأمة، ويصون كرامة الإنسان، ويقود المجتمع إلى الأمن والاستقرار والازدهار.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)تفسير الطبري.
٣)تفسير ابن كثير.
٤)الجامع لأحكام القرآن.
٥)في ظلال القرآن.
٦)إحياء علوم الدين.
٧)رياض الصالحين.
سلسلة الوصايا الخالدة: قراءة معاصرة في سورة لقمان”
المقال السادس: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… مسؤولية المجتمع”.


