مهرجان ماتا بالمغرب
بقلم الإعلامية / د. أمينة المهدي
إن الثقافة ضرورة أساسية في الحياة، فهي كمرآة للحضارات تربط الماضي بالحاضر والفرد بالمجتمع، وهي التي تغذي روحه وفكره ليعبر بإبداع. والتراث الثقافي ليس مجرد معمار أو قطع آثار بل هو العادات والتعبيرات الحية الموروثة عن الأجداد والمتوارثة جيلا بعد جيل، كالتقاليد الشفوية والعروض الفنية والرقصات الشعبية والأزياء. وللحفاظ على هذا التراث الثقافي والفني علينا أن نحميه ونثمنه ونصونه ونروج له من أجل الأجيال القادمة، والمهرجانات وسيلة فعالة لهذا الغرض.
بالمغرب مهرجانات عدة توثق لتراثه الغني سواءً أكان تراثا ماديا أو غير مادي. ومن أشهرها: مهرجان “الموسيقى المقدسة” بفاس، وموسم “طان طان” بالجنوب، ومهرجان كناوة بالصويرة، ومهرجان “ماتا”بالشمال، والذي يقام سنويا بإقليم العرائش.
بشراكة مع المهرجان الدولي للتنوع الثقافي التابع لليونسكو، ينظم مهرجان “ماتا” الدولي للفروسية التقليدية الخاص بتراث قبائل بني عروس الواقعة بالقرب من ضريح القطب مولاي عبد السلام بن مشيش، على جبل العلم في إقليم العرائش شمال المغرب، وذلك لإحياء والحفاظ على هذا التراث التقليدي الأصيل المتوارث والذي يمتد على مدى قرون بالمنطقة. إنه منافسة “ماتا” للفروسية.
وتحتفي هذه اللعبة بالتناغم الأسطوري بين الفارس وحصانه، معبرة عن ثقافة عريقة ترتبط بجذور وتاريخ “جبالة”، يمارسه الفلاحون استقبالاً لفصل الربيع. ويكرم هذا المهرجان ويحتفي بالفارس ودور الحصان، كما يشجع التنمية الاقتصادية والسياحية لمناطق الشمال بفرصة السفر عبر التاريخ.
تم إدماج التراث اللامادي ل”ماتا” ضمن قائمة التراث التابعة لـ منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، و نال المهرجان جائزة المؤرخ والسياسي والكاتب الإسباني إميليو كاستيلار من مدينة إشبيلية الإسبانية، تقديراً للجهود التي بذلها المهرجان في تعزيز التقارب بين الثقافات والحضارات. فمهرجان ماتا يرتبط بأسطورة قديمة تمزج بين الثقافتين الأمازيغية والأندلسية.
تحكي الأسطورة أن “ماتا” كانت امرأة فائقة الجمال، تُجسّد رمز الخصوبة والرخاء. تنافس عليها العديد من الخُطّاب، مما دفع حكيم القرية إلى تنظيم منافسة فروسية، وكان على الفرسان محاولة انتزاع دمية تُجسّد “ماتا”، والفائز يُصبح حامي الدمية الرمزي لمدة عام.
إنها لعبة تعتمد على الشجاعة والمهارة الفائقة والمرونة والذكاء والدقة. ورمزية اللعبة تكمن في تقدير الفارس الذي ينتزع الدمية باعتباره الأكثر شجاعة وبراعة، ورفع مكانته كرمز للبطولة والرجولة.
قبل بداية اللعبة تقوم الفتيات والنساء بغربلة حقول القمح، وهن يغنين على أنغام الطبول والغيطة المستعمل في المنطقة؛ ثم تصنعن دمية من القصب والقماش والتي يتنافس عليها الفرسان بلباسهم التقليدي من جلباب وعمامة، ممتطين خيولهم بدون سرج، للفوز بها كجائزة على براعتهم في الفروسية. ومن ينجح بمهارته وشجاعته في انتزاع الدمية من باقي الفرسان والاحتفاظ بها يكون الفائز. ويتطلب هذا تناغما بين الفارس وحصانه.
إن هذه التقاليد الأصيلة تحظى باحترام بالغ، حيث تسعى القبائل إلى نقلها عبر الأجيال، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المحلية. ويشكل المهرجان فرصة لإحياء التراث الغني وتعزيز الحوار بين الثقافات في إطار يعكس الانفتاح والاحترام المتبادل بين الشعوب.

