متى … وكيف تكون حرب « هرمجدون » … ؟؟؟
كتب : وائل عباس
هل نحن أمام حرب عابرة من حروب الشرق الأوسط … ؟؟؟
أم أن المنطقة تقف بالفعل على حافة صراع أكبر بكثير من حدود إيران وإسرائيل والخليج واليمن … ؟؟؟
سؤال يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال ، لكنه يعود بقوة كلما اتسعت دائرة الصراع ، واقتربت النيران من المقدسات الإسلامية ، وبدأت التحالفات العسكرية في المنطقة تتشكل بصورة غير مسبوقة .
فهل يمكن أن تكون هذه الأحداث مقدمة لما يعرف في التراث الديني الغربي باسم «هرمجدون» … ؟؟؟
وهل تتقاطع معها بعض روايات الملاحم وأشراط الساعة في التراث الإسلامي … ؟؟؟
السؤال هنا ليس دعوة إلى الجزم بأن النبوءات قد تحققت ، وإنما محاولة لقراءة المشهد من زاوية تاريخية ودينية وسياسية.
هرمجدون… ماذا تعني … ؟؟؟
«هرمجدون» أو Armageddon ارتبطت في التراث المسيحي بسفر الرؤيا، وبالمعركة الأخيرة الكبرى التي تسبق نهاية العالم وفق بعض التفسيرات المسيحية .
وترتبط في الدراسات الكتابية أيضًا بروايات «جوج وماجوج» في سفر حزقيال ، وهي نصوص تناولها المفسرون والباحثون بتفسيرات متعددة ، ولا يوجد اتفاق واحد على إسقاطها على دولة بعينها في عالمنا المعاصر .
أما في التراث الإسلامي ، فلا ترد كلمة «هرمجدون» باعتبارها اسمًا لحرب إسلامية ، وإنما نجد أحاديث تتحدث عن الملاحم الكبرى والروم ، والهدنة، والقتال، وظهور الدجال، وهي موضوعات مرتبطة بأشراط الساعة.
ومن أهم النصوص في هذا الباب حديث ذي مخبر رضي الله عنه، وفيه :
«ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم…»
ثم تذكر الرواية وقوع الغدر واجتماع الروم للملحمة. وقد صحح الألباني الحديث.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية :
«بنو الأصفر» أو «الروم» في النصوص القديمة لا يصح ببساطة أن نقول إنهم يساوون دولة غربية معاصرة بعينها.
فالروم في سياق الحديث هم الروم المعروفون في ذلك العصر، ولذلك فإن إسقاط النص بصورة حرفية على الولايات المتحدة أو أوروبا أو حلف الناتو يحتاج إلى دليل لا توفره الرواية نفسها.
ولكن ماذا يحدث اليوم … ؟؟؟
المشهد الحالي مختلف تمامًا .
الحرب والصراع مع إيران امتدا إلى ساحات متعددة ، فيما أصبحت المملكة العربية السعودية نفسها جزءًا مباشرًا من معادلة أمنية شديدة الخطورة .
والأخطر أن التصعيد وصل إلى المدن والمواقع المقدسة.
فقد اتهم التحالف السعودي جماعة الحوثيين المدعومة من إيران باستهداف منشأة كهرباء في المدينة المنورة تزود المسجد النبوي بالطاقة، بينما نفت جماعة الحوثي مسؤوليتها عن الهجوم. كما اتهمت الرياض الحوثيين بمحاولات استهداف مكة، وهو ما نفته الجماعة أيضًا.
وهنا لا يمكن تجاهل البعد النفسي والديني لهذه التطورات.
فالهجوم على منشأة قريبة من أحد أقدس المواقع الإسلامية، حتى مع استمرار الخلاف حول الجهة المسؤولة، ليس كأي هجوم عسكري آخر.
إنه يلامس وجدان أكثر من مليار مسلم.
ومن هنا تبدأ الخطورة الحقيقية.
هل يمكن أن يتحد المسلمون والغرب ضد عدو مشترك … ؟؟؟
هنا نعود إلى الحديث النبوي عن «الروم».
النص يتحدث عن صلح بين المسلمين والروم ، ثم غزو عدو مشترك، ثم وقوع الملحمة لاحقًا.
وهذه الرواية تجعل بعض القراءات المعاصرة تتساءل :
هل يمكن أن نشهد في المستقبل تحالفًا مؤقتًا بين دول إسلامية وقوى غربية لمواجهة خطر إقليمي واحد … ؟؟؟
من الناحية السياسية، هذا الأمر ليس مستحيلًا؛ فالدول لا تتحالف دائمًا على أساس التطابق العقائدي، وإنما قد تتقاطع مصالحها أمام خطر مشترك.
لكن الانتقال من هذه الحقيقة السياسية إلى القول إننا أمام تحقق حرفي للنبوءة قفزة لا يمكن إثباتها.
فالتاريخ مليء بالتحالفات المؤقتة، والحروب، وتغير الأعداء، وانقلاب المصالح.
السعودية وتركيا وباكستان… هل بدأت الصورة تتشكل … ؟؟؟
المثير أن التطورات الأخيرة شهدت بالفعل خطوة عسكرية لافتة.
ففي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلنت السعودية وتركيا وباكستان تفعيل إجراءات ردع جماعي في إطار اتفاق دفاعي مشترك، مع الاتفاق على سرعة نشر قوات وقدرات عسكرية في المملكة، في أعقاب التصعيد والهجمات المنسوبة إلى الحوثيين واستهداف مواقع مرتبطة بالمقدسات الإسلامية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا :
هل نحن أمام بداية تشكل كتلة عسكرية إسلامية جديدة؟
ربما.
لكن حتى الآن لا يوجد ما يثبت أنها مقدمة لتحالف عالمي هدفه تدمير إيران.
فهذا شيء، والحرب الشاملة شيء آخر تمامًا.
وهل يمكن أن تتحول الحرب إلى مواجهة عالمية … ؟.؟
إذا اتسع الصراع، ودخلت دول إقليمية بصورة مباشرة، وتقاطعت مصالح الولايات المتحدة وأوروبا مع مصالح دول عربية وإسلامية، فقد نكون أمام واحدة من أخطر الأزمات العسكرية في القرن الحادي والعشرين.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين:
«تحالف دولي لاحتواء خطر إقليمي»
وبين:
«جيش عالمي يتجمع لتدمير إيران».
الأول احتمال سياسي يمكن مناقشته في ضوء تطورات الأحداث.
أما الثاني فلا توجد حتى الآن أدلة موثوقة تسمح بالقول إنه قرار متخذ أو سيناريو حتمي.
بل إن بعض التطورات السياسية تشير إلى استمرار محاولات فتح قنوات للحوار والتهدئة، حتى وسط التصعيد العسكري.
وماذا عن «حرب النهاية» … ؟؟؟
هنا يجب أن نتوقف.
الإسلام لا يمنح الإنسان جدولًا زمنيًا محددًا لنهاية العالم.
والنبي ﷺ تحدث عن علامات وأحداث مستقبلية، لكن تحويل كل حرب معاصرة إلى «علامة نهائية» قد يقود إلى نتائج خطيرة.
ففي صحيح مسلم، ورد حديث يتحدث عن نزول الروم في الأعماق أو دابق، ثم وقوع القتال، ثم أحداث تتصل بالقسطنطينية والدجال ونزول عيسى عليه السلام.
كما وردت أحاديث أخرى في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ومنها حديث «يا ويل للعرب من شر قد اقترب» في سياق ذكر يأجوج ومأجوج.
لكن لا يجوز لنا أن نقول إن إيران هي «العدو» المذكور في هذه الأحاديث، أو أن الحرب الحالية هي حتمًا الملحمة الكبرى، أو أن هرمجدون قد بدأت.
هذا كله من الغيب الذي لا نملك مفاتيحه.
إذن… لماذا تتشابه الصورة في أذهان البعض؟
لأن الإنسان عندما يرى حربًا واسعة، وتحالفات تتشكل، ومقدسات تدخل دائرة الخطر، وصواريخ وطائرات مسيرة تعبر الحدود، فإنه يبحث بصورة طبيعية عن تفسير أكبر للأحداث.
لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر الحروب بدأت أحيانًا من أحداث لم يتوقع أحد أن تتطور إلى حرب شاملة.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:
هل بدأت هرمجدون؟
بل:
هل يستطيع العالم منع الشرق الأوسط من الانزلاق إلى حرب لا يستطيع أحد السيطرة على نهايتها؟
وهل يمكن أن تتحد دول العالم الإسلامي والغرب ضد إيران؟
قد يحدث تقاطع مصالح أو تعاون عسكري محدود ضد تهديدات معينة، وهذا يختلف تمامًا عن تشكيل جيش عالمي لتدمير إيران.
والأيام الأخيرة أظهرت بالفعل تحركًا دفاعيًا سعوديًا–تركيًا–باكستانيًا، لكن ذلك لا يساوي إعلان حرب عالمية على إيران.
أما إذا تعرضت المقدسات الإسلامية لهجمات مؤكدة ومباشرة، أو اتسعت دائرة استهداف الأراضي السعودية، فقد يتغير الحساب السياسي والعسكري جذريًا.
عندها لن يكون السؤال متعلقًا بإيران وحدها، بل سيكون متعلقًا بأمن المنطقة بأكملها.
النهاية التي لا نعرفها
ربما تكون هذه مجرد جولة جديدة من جولات الصراع في الشرق الأوسط.
وربما تكون بداية مرحلة عسكرية وسياسية مختلفة تمامًا.
وربما ينجح العقلاء في إيقاف النار قبل أن تتحول إلى حريق عالمي.
أما القول بأننا أمام «حرب هرمجدون»، أو أن «الملحمة الكبرى» قد بدأت بالفعل، فهو أمر لا يستطيع صحفي ولا سياسي ولا محلل عسكري أن يجزم به.
فالنبؤات الدينية شيء، وقراءة الأحداث السياسية شيء آخر.
والغيب عند الله وحده.
لكن المؤكد أن الاقتراب من المقدسات، واتساع دائرة الحرب، ودخول تحالفات جديدة إلى المشهد، يجعل المنطقة تقف أمام لحظة تاريخية شديدة الخطورة.
فهل تكون الحرب القادمة حرب مصالح… أم حرب عقائد… أم حربًا يلتقي فيها الطرفان … ؟؟؟
السؤال مفتوح … ؟؟؟
والأيام وحدها ستكشف الإجابة … !!!
متى … وكيف تكون حرب « هرمجدون » … ؟؟؟


