الثناء على الله تعالى بصفاته
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد حذر النبي المصطفي صلي الله عليه وسلم تحذيرا بليغا من الكذب، ومن التهاون في نقل الأخبار دون تثبت وتمحيص، وجعل ذلك بابا من أبواب الإثم التي قد يزلّ فيها الإنسان وهو لا يشعر، فلم يكن الكذب سوى خُلق مذموم يهدم الثقة، ويفسد العلاقات، ويزرع الفتنة بين الناس، وقد وضع النبي المصطفي صلي الله عليه وسلم ضابطا دقيقا يحفظ اللسان من الزلل، فقال صلى الله عليه وسلم ” كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع ” رواه مسلم، فبيّن أن مجرد نقل كل ما يرد إلى السمع دون تحقق، قد يوقع صاحبه في الكذب، ولو لم يتعمد اختلاقه، وفي هذا تنبيه إلى خطورة التسرع، وأن الصدق لا يكون فقط في القول، بل في التثبت قبل القول، ولم يقف التحذير عند هذا الحد، بل صوّر صلى الله عليه وسلم عاقبة الكذب تصويرا يهز القلوب، ففي حديث الرؤيا رأى رجلا يُعذب عذابا شديدا، يشرشر أي يقطع شدقه إلى قفاه، وفسر بأنه كان يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق.
وهذا إشارة إلى خطورة نشر الأكاذيب، وإتساع أثرها، خاصة إذا تناقلها الناس دون وعي، وإنه ينبغي علينا جميعا الثناء على الله تعالي بصفاته التي كلها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، خالق السماوات والأرض ومبدعهما، جاعل الملائكة رسلا إلى مَن يشاء من عباده، وفيما شاء من أمره ونهيه، وإن من عظيم قدرة الله أن جعل الملائكة أصحاب أجنحة مثنى وثلاث ورباع تطير بها لتبليغ ما أمر الله به، ويزيد الله تعالي في خلقه ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، لا يستعصي عليه شيء، في الأرض ولا في السماء، وإن الإسلام دين شامل ينظم كل شؤون الحياة، ولا يتحقق الإسلام إلا لمن قبله كله، وأما مَن يدعي قَبوله بعض الإسلام ورفضه بعضه الآخر، فهؤلاء يندرجون تحت قوله عز وجل فى سورة البقرة ” أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون، أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخره فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون”
ولقد شرّف الله مكة أيما تشريف، وجعلها أم القرى وقبلة المسلمين كافة أينما كانوا على وجه هذه البسيطة، وبوّأ لها من المكانة والعظمة والحُرمة ما يُوجب على كل مسلم أن يؤمن به، وأن يقدرها حق قدرها، ويزداد الأمر توكيدا على كل وافد إلى بيت الله الحرام أن يلتزم بآداب الإقامة بها، وألا يُخل بشيء من ذلكم لئلا يقع في المحظور وهو لا يشعر لأن تعظيم المرء لها إنما يكون من باب تعظيمه لله الواحد الأحد، وإن المسجد الحرام هو أعظم مسجد في الإسلام، ويقع في قلب مدينة مكة غرب المملكة العربية السعودية، تتوسطه الكعبة المشرفة التي هي أول بيت وضع للناس على وجه الأرض ليعبدوا الله فيه، وهذه هي أعظم وأقدس بقعة على وجه الأرض، والمسجد الحرام هو قبلة المسلمين في صلاتهم، وإليه يحجون، وسمي بالمسجد الحرام لحرمة القتال فيه منذ دخول النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى مكة المكرمة منتصرا، وأن الصلاة فيه تعادل مائة ألف صلاة.
والمسجد الحرام هو أول المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، فقد قال صلى الله عليه وسلم ” لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا وهو المسجد النبوى، والمسجد الأقصى ” ويبدأ تاريخ المسجد بتاريخ بناء الكعبة المشرفة، وقد بناها أول مرة الملائكة قبل آدم عليه السلام، وكانت من ياقوتة حمراء، ثم رفع ذلك البناء إلى السماء أيام الطوفان، وبعد الطوفان قام النبي إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل عليهما السلام، بإعادة بناء الكعبة، بعد أن أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام بمكان البيت، وهكذا أمر الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام ببناء البيت الحرام وذكر القرآن الكريم بناء سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام للكعبة وتطهير المساحة المحيطة به، ولقد جاءه، أي إبراهيم عليه السلام، جبريل عليه السلام بالحجر الأسود، ولم يكن في بادئ الأمر أسود بل كان أبيضا يتلألأ من شدة البياض وذلك لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
“الحجر الأسود من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك” ولقد ظلت الكعبة المشرفة فترة طويلة منذ أن أقام بناءها الخليل إبراهيم والحليم إسماعيل عليهما السلام على حالها إلى أن تم إعادة بنائها على يد قريش في الجاهلية، بعد عام الفيل بحوالي ثلاثين عاما بعد أن حدث حريق كبير بالكعبة، نتج عن محاولة امرأة من قريش تبخير الكعبة فاشتعلت النار وضعف البناء، ثم جاء سيل حطم أجزاء الكعبة، فأعادت قريش بناء الكعبة، وقد حضره النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يبلغ من العمر حينها خمسة وثلاثون سنة وشارك بنفسه الشريفة أعمامه في العمل، ولما أرادت قريش في هذا البناء أن ترفع الحجر الأسود لتضعه في مكانه اختصمت فيما بينها، حتى كانت تقع الحرب، ثم اصطلحوا على أن يحكم بينهم أول رجل يخرج من عليهم من هذه السكة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج فقضى بينهم، أن يجعلوا الحجر الأسود في مرط، أي كساء ثم يرفعه زعماء القبائل فرفعوه ثم ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه بيده الشريفة مكانه.
