الكاتب /عايد حبيب جندي الجبلي
كانت الأيام تمضي، لكن قلبي ظل عالقًا بين طريقين؛ طريقٍ يقودني إلى أبنائي، وطريقٍ آخر يدفعني بعيدًا عنهم. كنت أحمل في صدري همومًا لا يراها أحد، وأحادث نفسي كل ليلة عن العدل الذي غاب، وعن الشقاء الذي سكن ذهني، وعن مستقبلٍ أخشى أن يبتلع أحلام أولادي كما ابتلع أحلام أجيالٍ سبقتني.
لم يكن يؤلمني فراق أبنائي وحدهم، بل كان فراق أمي أشد قسوة على قلبي. كنت أخشى أن يعيد الزمن أمام عينيَّ صورة أبي، وأن يتكرر الماضي بكل ما حمله من ألم وفقد، فأرحل تاركًا أمي، ولا أعلم هل سأعود إليها أم يسبقني القدر إليها قبل أن أراها مرة أخرى.
كنت أجلس طويلًا أفكر…
إن بقيت هنا، فماذا سأقدم لأبنائي؟ سيكبرون وهم لا يعرفون إلا الحرمان، ولن أستطيع أن أوفر لهم إلا قوت يومهم، يعيشون يومًا بيوم، وينظرون إلى ما في أيدي الناس ولا يجدون منه شيئًا.
كانت تلك الأفكار تقتلني ببطء، حتى أيقنت أن الرحيل لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة فرضتها الحياة.
بعد أن أنهيت خدمتي العسكرية، عدت إلى منزلي، لكنني لم أعد كما كنت. دخلت غرفتي، وأغلقت الباب، وجلست وحدي أراجع سنوات عمري، فإذا بالدموع تسبق الكلمات، وانهمرت من عيني دون أن أشعر.
دخلت أمي الغرفة، فرأتني أبكي. اقتربت مني في هدوء، وربتت على كتفي كما كانت تفعل وأنا طفل صغير، ثم قالت بصوتٍ ملؤه الحنان: ما بك يا بني؟ رفعت رأسي إليها، وقلت بصوتٍ متقطع: أفكر في السفر إلى إحدى الدول العربية.
ساد الصمت للحظات… كانت أمي تنظر إليَّ، لكنها لم تكن ترى ابناً فقط، بل كانت ترى غيابًا جديدًا يقترب منها. كانت تعلم أن الغربة ليست طريقًا مفروشًا بالأمل، بل مليئة بالوحدة والقسوة، ومع ذلك أخفت دموعها، وقالت وهي تحاول أن تبدو قوية:
- اذهب يا بني… ولا تشغل بالك بأبنائك ولا بزوجتك. سأكون معهم، ولن أتركهم ما حييت. كانت كلماتها تخرج من قلب أمٍ تمزقه الحسرة، لكنها كانت تزرع الطمأنينة في قلب ابنها، ولو على حساب وجعها.
في تلك اللحظة، اتخذت قراري النهائي. بعد أسابيع، سافرت إلى محافظة أسيوط لاستلام شهادة إنهاء الخدمة العسكرية. وعندما عدت بها، كنت أشعر بفرحة ممزوجة بالحزن. فرحة لأنني أنهيت واجبي نحو وطني… وحزن لأنني كنت أستعد لترك ذلك الوطن الذي، رغم قسوته، سيظل يسكن القلب. لقد أدركت يومها أن الوطن يشبه الأب…
قد يقسو عليك، ويشتد في معاملتك، لكنه يفعل ذلك ليصنع منك رجلًا يستطيع مواجهة الحياة. وربما يؤلمك اليوم، لكنه يخشى عليك أكثر مما يخشى على نفسه. وكما يبقى الأب أبًا مهما اشتدت قسوته، يبقى الوطن وطنًا مهما ضاقت بك الحياة فيه. عاد أهلي يحتفلون بتخرجي من الخدمة العسكرية، وكانت الابتسامات تملأ الوجوه، بينما كان داخلي يغرق في بحرٍ من التفكير. لم أكن أريد السفر… ولم أكن أريد أن أترك أطفالي يكبرون بعيدًا عن عيني. مرت الأيام بسرعة غريبة، حتى خُيِّل إليَّ أن الأسابيع أصبحت أيامًا، والأيام ساعات.كنت أتمنى لو يتوقف الزمن قليلًا… لو يطول النهار، ويطول الليل، حتى أبقى بجوار أمي وأبنائي أطول وقتٍ ممكن.
لكن الواقع كان أقوى من الأمنيات.ظللت أبحث عن أي عمل داخل بلدي، لعلني أجد مخرجًا يغنيني عن السفر، لكنني كنت كلما طرقت بابًا، وجدته مغلقًا. شعرت أنني أدور داخل دائرة ضيقة لا منفذ لها. ولم يبق أمامي إلا طريق واحد… طريق الغربة.
استيقظت ذات صباح، وكأنني أعيش حلم السفر بالفعل. نهضت مسرعًا، وخرجت إلى أمي، وقلت: يا أمي… هل معك بعض النقود؟
قالت متعجبة: لماذا يا بني؟ وكم تحتاج؟ قلت أريد استخراج جواز السفر. سألتني عن المبلغ… فلما أخبرتها، تنهدت بحزن، وقالت:
- يا بني… البيت كله لا يملك هذا المبلغ. كانت كلماتها أشد عليَّ من أي صدمة. وقفت عند باب المنزل، ثم عدت إلى الداخل وأنا أحدث نفسي: كيف أفكر في السفر، ونحن لا نملك حتى مائتي جنيه؟ وكيف سأبقى هنا بعد اليوم؟ خرجت من المنزل، فقابلني أحد أصدقائي، وهنأني بانتهاء خدمتي العسكرية. نظر إلى وجهي طويلًا، ثم قال: ما بك؟ لم تعد تضحك كما كنت. قلت له بصراحة:
- أريد استخراج جواز سفر، لكنني لا أملك ثمنه. ابتسم وقال: كم تحتاج؟ فقلت مائتي جنيه. فقال دون تردد: لا تحمل همًّا… ستكون معك اليوم. لم أصدق ما سمعت. وفي المساء، جاءني بالمبلغ كاملًا. وقفت أمامه عاجزًا عن التعبير، فلم تكن النقود وحدها هي التي منحني إياها، بل منحني أملًا كنت على وشك أن أفقده.
وفي صباح اليوم التالي، خرجت مبكرًا إلى إدارة الجوازات لاستخراج جواز السفر. وكانت المفاجأة أنني التقيت هناك بأحد أبناء بلدتي، وقد جاء هو الآخر لاستخراج جواز سفره. وقفنا معًا في الطابور. كان الطابور طويلًا بصورة مرهقة، حتى شعرت أن الزمن توقف داخله.
أكثر من ساعة ونصف مرت ونحن واقفون، نراقب الموظف وهو ينهي معاملة شخص واحد، ثم ينتقل إلى الذي يليه في بطء شديد.
كان أمامنا ما يقرب من خمسين شخصًا، وكلما انتهى واحد، ظننت أن الدور اقترب، لكن الانتظار كان يبدو أطول من الوقت نفسه.
وقفت صامتًا… ولم أكن أفكر في الطابور، ولا في الموظف، بل كنت أفكر في الطريق الذي بدأت أولى خطواته، طريقٍ لا أعرف ماذا يخبئ لي من غربة، ولا كم سيأخذ من عمري قبل أن يعيدني إلى حضن وطني وأهلي من جديد. واصل الموظف إنهاء معاملات الواقفين في الطابور، واحدًا تلو الآخر، حتى جاء دوري أخيرًا. نظر إليَّ الموظف، وقال بصوتٍ حاد: هات مائة جنيه ثمن الاستمارات.
أخرجت المبلغ، وسلمته إليه، فأعطاني الاستمارات. ثم قال لي: توجَّه إلى الشباك الآخر لاستكمال الإجراءات. ذهبت إلى الشباك الثاني، فقال الموظف هناك: عليك استخراج ورقة التأمين الخاصة بجواز السفر، ورسومها ثمانون جنيهًا. توقفت في مكاني، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي. قلت في نفسي:
يا للهول… لم يكن معي سوى مائتي جنيه فقط، وقد دفعت منها عشرة جنيهات أجرة السيارة التي أقلتني إلى هنا، ثم دفعت مائة جنيه ثمن الاستمارات، ولم يتبقَّ معي إلا تسعون جنيهًا، وهي بالكاد تكفيني للعودة إلى بلدتي. فمن أين آتي الآن بثمانين جنيهًا أخرى؟
ظللت أفكر للحظات، ثم تذكرت ابن بلدتي الذي التقيته صدفة في إدارة الجوازات. خرجت أبحث عنه حتى وجدته جالسًا وحده خارج المبنى. جلست إلى جواره، ورويت له ما حدث معي، وقلت له إنني أحتاج إلى ثمانين جنيهًا حتى أستكمل إجراءات جواز السفر.
هز رأسه بأسف، وقال: والله يا أخي، لم أحضر معي إلا المبلغ الذي توقعت أن يطلبوه مني، وليس معي أي نقود إضافية.
أدركت أنه لا يستطيع مساعدتي، فشكرته، ثم انصرفت وأنا أحمل همًّا أثقل من الذي جئت به.
توجهت إلى السيارة التي تعيدني إلى قريتي، ولم تمضِ دقائق حتى اكتمل ركابها وتحركت، بينما كنت طوال الطريق غارقًا في الصمت، لا يشغلني إلا سؤال واحد: هل ستنتهي رحلتي قبل أن تبدأ؟ وصلت إلى المنزل، فرأتني أمي، وما إن وقعت عيناها عليَّ حتى قالت: ما بك يا بني؟ هل استخرجت جواز السفر؟ قصصت عليها كل ما جرى. ابتسمت ابتسامةً حزينة، ثم قالت: أنت تبحث عن المال من دون أن تعلم ما عندي. قلت لها متعجبًا: لكنني سألتك، وقلتِ إن البيت لا يملك هذا المبلغ. قالت وهي تنظر إليَّ بعينين يملؤهما الحنان:
- نعم، البيت لا يملك شيئًا… لكنني أملك ما يكفي لتستخرج جواز سفرك، وتسافر إلى الدولة العربية. تعجبت، وسألتها:
- وكيف؟ ومن أين؟ دخلت غرفتها، ثم عادت وهي تحمل حلقها الذهبي الذي كانت تحتفظ به منذ سنوات.
وضعته في يدي، وقالت: بع هذا الحلق، واستخرج جواز سفرك، وخذ ما يتبقى منه ليعينك في سفرك. تجمدت الكلمات على لساني…
نظرت إلى الحلق، ثم إلى وجه أمي، ولم أتمالك نفسي، فانهمرت دموعي. لم يكن الذهب هو الذي قدمته لي… بل كانت تبيع قطعةً من عمرها، ومن ذكرياتها، حتى تفتح لي بابًا نحو مستقبلٍ أفضل.
بكيت بكاءً مريرًا، ليس ضعفًا، وإنما حزنًا على ضيق الحال الذي أوصل أمي إلى أن تتخلى عن أغلى ما تملك من أجلي.
وفي صباح اليوم التالي، ذهبت مرة أخرى إلى إدارة الجوازات، وأكملت جميع الإجراءات، ثم استخرجت جواز السفر، وعدت به إلى المنزل. مرت أيام قليلة، وبدأت أجهز حقيبة السفر. لكنني أخفيت عن الجميع موعد سفري، لأنني لم أكن أحتمل أن أرى دموعهم لحظة الوداع.وجاء اليوم الموعود…خرجت من المنزل كما يخرج السارق في صمت، أحمل حقيبتي على كتفي، وأحاول أن أخفي دموعي.
لم أخبر أحدًا سوى أختي الكبرى، وقلت لها: أخبريهم بعد رحيلي.
ثم مضيت سريعًا، قبل أن يراني أحد منهم، لأنني كنت أعلم أن نظرةً واحدة من أمي أو من أبنائي كفيلة بأن تمنعني من السفر.
ركبت السيارة التي أقلتني إلى المركز، ومن هناك استقليت سيارة أخرى إلى العاصمة، ثم تابعت رحلتي حتى وصلت إلى الدولة العربية.
وهناك، صادفت رجلًا من أبناء قريتنا كان يستعد للعودة إلى مصر بعد انتهاء غربته، ليحتضن أبناءه وأهله.
اغتنمت الفرصة، وسجلت شريطًا صوتيًا أطمئن فيه أسرتي على وصولي سالمًا، وأعطيته له ليحمله معهم إلى قريتي. ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة من رحلة الغربة… رحلة مليئة بالتعب، والمشقة، والصبر، والحنين. وسأروي تفاصيلها في الجزء العاشر بإذن الله.
شرح الجزء التاسع من رواية «رحلة عمر وشقاء»
يُعد هذا الجزء من أكثر أجزاء الرواية تأثيرًا من الناحية الإنسانية، لأنه يمثل نقطة التحول الكبرى في حياة البطل؛ ففيه ينتهي فصل الوطن، ويبدأ فصل الغربة. ولا يركز السرد على السفر بوصفه انتقالًا جغرافيًا، بل يصوره بوصفه هجرةً اضطرارية فرضتها قسوة الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
في بداية هذا الجزء يقف البطل أمام عقبة جديدة أثناء استخراج جواز السفر. فبعد أن ظن أن امتلاكه المائتي جنيه قد أنهى المشكلة، فوجئ برسوم أخرى لم يكن يعلم بها. هذا الموقف يكشف صورة واقعية لمعاناة الإنسان البسيط مع الإجراءات الحكومية، حيث تتحول الرسوم البسيطة إلى حاجز كبير أمام من لا يملك إلا قوت يومه. وهنا يصبح المال رمزًا للعجز أكثر من كونه قيمة مادية.
ثم ينتقل السرد إلى مشهد إنساني بالغ التأثير عندما يعود البطل إلى منزله خائبًا. وتبرز شخصية الأم بوصفها رمز التضحية المطلقة. فهي لم تخبر ابنها منذ البداية أنها تمتلك وسيلة لإنقاذ الموقف، حتى لا يشعر بأنها تثقل على نفسها، لكنها عندما رأت يأسه أخرجت حلقها الذهبي، وهو آخر ما تملكه من متاع الدنيا، وطلبت منه أن يبيعه ليستطيع استخراج جواز السفر.
هذه اللحظة ليست مجرد بيع قطعة من الذهب، بل هي تضحية أم تهب جزءًا من عمرها وذكرياتها من أجل مستقبل ابنها. لذلك جاءت دموع البطل طبيعية، لأنها لم تكن حزنًا على الفقر فقط، بل على الأم التي دفعتها قسوة الحياة إلى التفريط في أغلى ما تملك.
ويؤكد الكاتب هنا أن الغربة لا تبدأ عند ركوب الطائرة أو السيارة، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي يضطر فيها الإنسان إلى بيع ذكرياته أو ذكريات أسرته ليبحث عن فرصة للحياة.
بعد نجاحه في استخراج جواز السفر، يدخل البطل في صراع نفسي جديد. فهو يجهز حقيبة السفر، لكنه يخفي موعد رحيله عن أسرته. وهذا التصرف يكشف عمق ارتباطه بعائلته؛ فهو يعلم أن دموع أمه أو نظرات أبنائه قد تضعف عزيمته، لذلك يختار الرحيل في صمت، وكأنه يسرق نفسه من بيته.
ويأتي مشهد خروجه من المنزل من أقوى المشاهد الرمزية في الرواية، عندما يصف نفسه بأنه خرج كالسارق. فهو لا يسرق مالًا، وإنما يسرق لحظة الوداع، هاربًا من ألمها. إنه يعلم أن الرحيل ضرورة، لكنه في الوقت نفسه يشعر وكأنه يرتكب ذنبًا بترك أمه وأبنائه.
كما يبرز دور الأخت الكبرى التي أصبحت حافظة لسر رحيله، وهو ما يعكس قوة الروابط الأسرية، حيث تتحمل مسؤولية إبلاغ الأسرة بعد مغادرته حتى لا يتحول الوداع إلى لحظة انكسار تمنعه من إكمال طريقه.
وعندما يصل إلى الدولة العربية، لا ينسى أهله، بل يسارع إلى تسجيل شريط صوتي يطمئنهم على وصوله. ويكشف هذا المشهد طبيعة الحياة في تلك الفترة، حين كانت وسائل الاتصال محدودة، وكان الشريط المسجل يحمل مشاعر وحنينًا أكثر مما يحمل كلمات، فينتقل من يد مغترب عائد إلى يد أسرة تنتظر خبر ابنها بشوق ولهفة.
من الناحية الفنية، يعتمد هذا الجزء على التدرج الدرامي؛ إذ تبدأ الأحداث بعقبة مالية، ثم تتصاعد إلى تضحية الأم، ثم إلى الرحيل الصامت، وتنتهي بوصول البطل إلى أرض الغربة، وكأن الكاتب يغلق بابًا كاملًا من حياته ليفتح بابًا آخر أكثر قسوة.
أما من الناحية النفسية، فإن البطل لا يسافر طمعًا في الثراء، وإنما هربًا من الفقر، وسعيًا إلى توفير حياة كريمة لأبنائه. ولذلك تبدو الغربة في الرواية تكليفًا ثقيلًا أكثر منها اختيارًا حرًا.
وتؤكد الرواية في هذا الجزء مجموعة من الرسائل الإنسانية، أهمها أن الأم هي السند الحقيقي لأبنائها مهما اشتدت الظروف، وأن الكرامة قد تدفع الإنسان إلى تحمل الغربة بدلًا من أن يرى أبناءه يعيشون في الحرمان، وأن الطريق إلى المستقبل كثيرًا ما يبدأ بتضحيات مؤلمة لا يراها إلا أصحابها.
ويُعد هذا الجزء خاتمة لمرحلة الوطن، ومقدمة طبيعية للجزء العاشر، الذي ينتظر القارئ فيه التعرف إلى تفاصيل حياة البطل في الغربة، وما سيواجهه من صعوبات وتحديات، وكيف سيحاول التوفيق بين حلم تحسين حياة أسرته وبين قسوة البعد عن الوطن والأهل.


