الكاتب: عايد حبيب جندي الجبلي مدير مكتب سوهاج بجريدة الموطني
الجزء الحادي عشر
أكمل لكم أحداث الجزء الحادي عشر من رحلتي.
بعد أن مضت ثمانية عشر عامًا بين الوطن والدولة العربية، لم أنقطع عن الغربة إلا خلال سنوات الخدمة العسكرية الثلاث، أما بقية عمري فقد قضيته في غربة قاسية لا تعرف الرحمة، غربة تشبه الزمن حين يثقل الإنسان بهمومه حتى يشيب قلبه قبل رأسه.
كانت الأيام تمضي بين ألم فراق أبنائي، والحيرة الدائمة في كيفية توفير المال لإرسال ما يعينهم على الحياة في قريتنا. ولهذا بقيت مغتربًا في بلادٍ تختلف طباع أهلها وعاداتهم عن طباعنا وتقاليدنا. ومع طول السنين بدأت أكتسب كثيرًا من عاداتهم وأساليب حياتهم، حتى أصبحت بعض تلك الطباع جزءًا من شخصيتي، وما زلت إلى اليوم، وأنا أجلس في قريتي، أشعر بأن شيئًا من تلك العادات لا يزال يرافقني.
واصلت عملي في مجال البناء، وكان ذلك قبل اندلاع الثورة الليبية بعام تقريبًا. وفي أثناء عملي بدأت أفكر في شراء أخشاب الشدات الخشبية حتى أعمل في تنفيذ الخرسانات المسلحة لحسابي الخاص. مضى عام كامل، ولم أكن أرسل إلى أسرتي إلا ما يكفي لمصاريف المنزل وقوتهم اليومي، أما ما يتبقى من دخلي فكنت أوفره لشراء الأخشاب، حتى استطعت أن أجمع كمية مناسبة تمكّنني من بدء العمل كمقاول.
وذات يوم جاءني أحد البنّائين الذين كانوا يعملون معي، وقال: “هناك رجل يبحث عن مقاول، فهل تعرف أحدًا؟” فقلت له: “أستطيع القيام بالعمل، لكن ما أملكه من أخشاب لا يكفي لتنفيذ منزل كامل.” فقال: “إذن تعال معي، فالرجل اسمه الحاج رفلة الله بونشاشة، ولعلكما تتفقان.”
وفي صباح اليوم التالي ذهبنا إليه.وجدناه في فناء منزله الذي كان لا يزال تحت الإنشاء. كان رجلًا طويل القامة، قوي البنية، بشوش الوجه، حسن الخلق، يتحدث بثقة وهدوء. وما إن جلسنا حتى بدأ يناقشني في تفاصيل البناء، فوجدته يفهم أصول العمارة ويقدر أهل المهنة. وبدأ بيننا حوار طويل حول مخططات المنزل، وطريقة تنفيذ الواجهات، وتسلسل مراحل البناء، وشرحت له رؤيتي الفنية قبل بدء التنفيذ.
أعجب الرجل بما سمع، ثم قال لي مبتسمًا: “توكلنا على الله… أنت الذي سيتولى بناء هذا المنزل.” قلت له بصراحة: “يا حاج رفلة، لا أملك من الأخشاب ما يكفي لتنفيذ منزلك بالشكل المطلوب.” فابتسم وقال بثقة: “أنا سأشتري لك الأخشاب على نفقتي الخاصة.” تعجبت من كرمه، وقلت:
“حتى لو أكملت لك المنزل إلى أربعة طوابق، فلن أوفيك حق ما ستدفعه في شراء الأخشاب.” فقال لي:
“اعمل في منزلي، وإذا جاءك عمل خارج منزلي فلا ترفضه. اذهب واعمل، واكسب رزقك، ثم سدّد ثمن الأخشاب عندما يفتح الله عليك.” قلت له باستغراب:
“وكيف أعمل بأخشاب اشتريتها أنت؟” فقال وهو يبتسم: “خذ الأخشاب كلها، واعمل بها أينما شئت، وأنا سأنتظرك حتى تنتهي من أعمالك، ثم تعود لتكمل منزلي.”
وقفت لحظتها صامتًا، أحدق في وجهه وأنا لا أصدق ما أسمع. وقلت في نفسي:
“لو كان هذا الرجل من أبناء بلدي، أو حتى قريبًا أو أخًا، فهل كان سيفعل معي ما فعله هذا الرجل؟ كيف ائتمنني على كل هذه الأخشاب، ولم يخف أن أبيعها أو أعود بها إلى وطني؟”
منذ تلك اللحظة ازداد تقديري له، وأصبح بالنسبة لي أخًا أكبر وصديقًا مخلصًا، لأن المواقف العظيمة لا تصنعها الكلمات، وإنما تصنعها الأخلاق.
وبالفعل عملت كما نصحني، وبدأ اسمي ينتشر في مجال المقاولات بفضل السمعة الطيبة والإتقان في العمل. أخذت الأعمال تتزايد يومًا بعد يوم، حتى إنني بعدما كنت أنفذ منزلًا واحدًا، أصبحت أدير ستة فرق عمل في الوقت نفسه. والأجمل من ذلك أن الحاج رفلة لم يكن يضغط عليّ يومًا ليُنهي منزله قبل غيره، بل كان يقول لي دائمًا: “اعمل حيث يفتح الله عليك، وأنا في انتظارك.”
ومع مرور الوقت، أكرمني الله، فاشتريت كمية من الأخشاب تفوق ما اشتراه لي، حتى أصبحت أملك ما يكفي لتنفيذ أربعة منازل بحجم منزله.
ذهبت إليه وقلت بفرح: “يا حاج، الحمد لله، لقد رزقني الله، وأصبحت أملك أخشابًا أكثر من التي اشتريتها لي.” فابتسم فرحًا وقال: “ما شاء الله! منزلي مساحته مائة وأربعون مترًا، فهل أصبح عندك ما يكفي لأكثر من ألف متر؟” قلت: “نعم، والحمد لله.” فقال:
“إذن توكل على الله، ولنبدأ.” وبدأنا العمل يسير على خير ما يرام، حتى اندلعت الثورة الليبية، وانتشرت الفوضى في جميع المحافظات. فجأة اختفى العمال، ولم نجد صنايعيًا ولا مساعدًا ولا حتى عاملًا بسيطًا. توقفت الأعمال تمامًا، وبقيت أخشابي محبوسة داخل المنازل التي لم نتمكن من إكمالها.
لم نستطع إنهاء الأعمال، ولم نستطع تحصيل مستحقاتنا من أصحاب المنازل، كما لم يكن بإمكاننا فك الأخشاب وإعادتها إلى المخازن.
ثم بدأت عمليات إجلاء المصريين من المدن التي كنا نعمل فيها، فوجدت نفسي مضطرًا إلى العودة للوطن، تاركًا الأخشاب كما هي داخل المباني.
وهكذا عدت إلى قريتي، وعدت إلى أبنائي بعد سنوات طويلة من الغربة، بينما كانت الثورة مشتعلة في ليبيا، والمنطقة كلها تعيش حالة من القلق وعدم الاستقرار.
أما في الجزء الثاني عشر فسأروي لكم كيف عدت مرة أخرى لإكمال منزل الحاج رفلة الله، وماذا جرى لأخشابي، وما الأحداث الخطيرة التي واجهتها مع الجماعات المتطرفة خلال تلك الفترة.
هذا الجزء ليس مجرد سرد لرحلة اغتراب، بل هو شهادة إنسانية عن سنوات طويلة من الكفاح، ويكشف كيف يمكن للثقة والوفاء أن يغيّرا حياة الإنسان، حتى في أصعب الظروف.
شرح الجزء الحادي عشر
يبدأ الكاتب باسترجاع سنوات الغربة التي امتدت ثمانية عشر عامًا، وهي سنوات لم ينقطع فيها عن العمل خارج وطنه إلا خلال فترة الخدمة العسكرية. ويصف الغربة بأنها ليست مجرد ابتعاد عن الوطن، بل حالة من المعاناة اليومية، حيث يعيش الإنسان ممزقًا بين لقمة العيش وحنينه إلى أسرته وأبنائه. فالغربة، في نظره، لا تُتعب الجسد فقط، بل تُثقل الروح وتُشيّب القلب قبل أن يُشيّب الرأس.
ثم ينتقل إلى الحديث عن أثر البيئة الجديدة في تكوين شخصية الإنسان، فيوضح أن طول الإقامة في بلد آخر جعله يكتسب بعضًا من عادات أهلها وتقاليدهم، حتى أصبحت جزءًا من شخصيته، وهو اعتراف صادق بأن الإنسان يتأثر بالمكان الذي يعيش فيه مهما حاول المحافظة على عاداته الأصلية.
بعد ذلك يدخل السرد مرحلة جديدة، وهي مرحلة الانتقال من مجرد عامل بناء إلى مقاول يسعى إلى تأسيس نفسه. ويبرز هنا قيمة التضحية؛ إذ كان يرسل لأسرته ما يكفي فقط لمعيشتهم، بينما يدخر بقية دخله ليشتري أخشاب الشدات، مؤمنًا بأن الاستثمار في أدوات المهنة هو الطريق إلى مستقبل أفضل.
وتأتي نقطة التحول الكبرى عندما يتعرف إلى الحاج رفلة الله بونشاشة، الذي يمثل في الرواية نموذج الإنسان النبيل. فلم ينظر إلى الكاتب على أنه مجرد عامل، بل رأى فيه الأمانة والكفاءة، ومنحه ثقة نادرة حين تكفل بشراء الأخشاب على نفقته الخاصة، بل وأذن له باستخدامها في أي مشروع آخر حتى يسدد قيمتها لاحقًا.
هذا الموقف يحمل رسالة أخلاقية عميقة، وهي أن الثقة قد تكون أعظم رأس مال يمنحه إنسان لآخر. فالكاتب لم ينسَ هذا الجميل، بل اعتبر الحاج رفلة أخًا أكبر، لأن المواقف الصادقة تُبنى بالفعل لا بالكلام.
وبفضل هذه الثقة، بدأ الكاتب يشق طريقه في عالم المقاولات، وانتشرت سمعته الطيبة بين الناس، حتى تضاعفت أعماله وأصبح يدير عدة فرق من العمال، وهو دليل على أن النجاح يولد من الإخلاص في العمل وحسن السمعة.
لكن الحياة لا تستمر على وتيرة واحدة؛ فبينما كان النجاح يبتسم له، اندلعت الثورة الليبية، فتحولت الطمأنينة إلى خوف، وتوقفت الأعمال، وغادر العمال، وبقيت الأخشاب عالقة داخل المباني، وتعذر تحصيل الحقوق أو إكمال المشاريع. وهنا يظهر كيف يمكن للأحداث السياسية أن تقلب حياة الناس البسطاء رأسًا على عقب، فتضيع سنوات من الجهد في لحظات لا يملكون السيطرة عليها.
وينتهي الفصل بعودة الكاتب إلى وطنه وأبنائه، لكنه يترك القارئ أمام حالة من التشويق، إذ يمهد للجزء التالي الذي سيحكي فيه كيف عاد لإكمال منزل الحاج رفلة الله، وما الذي حدث لأخشابه، وكيف واجه الجماعات المتطرفة في تلك المرحلة المضطربة.
الرسائل التي يحملها هذا الجزء
- الغربة ليست سفرًا فقط، بل امتحان يومي للصبر والإرادة. النجاح يبدأ بالتضحية والتخطيط للمستقبل. الثقة بين الناس قد تصنع مستقبلًا كاملًا.
- حسن السمعة والإتقان في العمل هما أفضل دعاية للإنسان. الأحداث السياسية قد تغير مصير الأبرياء في لحظات. الوفاء لا يُنسى، لذلك ظل الكاتب يذكر فضل الحاج رفلة الله بكل امتنان.
هذا الجزء يُعد من أهم فصول الرواية، لأنه يمثل مرحلة الانتقال من الكفاح الفردي إلى النجاح المهني، ثم إلى مواجهة أزمة كبرى قلبت مجرى الحياة، مما يجعل القارئ متشوقًا لمعرفة ما سيحدث في الجزء الثاني عشر.

