الرئيسيةUncategorizedالجزء الخامس عشر من قصة المغترب
Uncategorized

الجزء الخامس عشر من قصة المغترب

 يسرد هذا الجزء من الرواية رحلة المغترب بعد عودته إلى وطنه، حيث يصطدم بواقعٍ مختلف عما تركه سنوات طويلة. فبعد أن نجا من قسوة الغربة ومخاطرها، يبدأ معركة جديدة مع الخداع والطمع واستغلال الثقة، ليكتشف أن بعض الجراح التي يتركها الأقربون قد تكون أشد

 

الجزء الخامس عشر من قصة المغترب

الكاتب / عايد حبيب جندي الجبلي

الجزء الخامس عشر من قصة المغترب

رنَّ هاتفي، فأجبت قائلاً:  تفضل، أنا أسمعك.  كان المتصل أحد أقاربي الموجودين هناك، فقال لي بلهفة:

يا جرجس، لقد عرف الأهالي المكان الذي كانوا يحتجزونهم فيه، فجاء رجال من المحافظة يحملون أسلحة الكلاشينكوف، وتمكنوا من إخراجهم من قبضة داعش. وظلوا يطاردون عناصر التنظيم حتى ابتعدوا عنهم، ثم أوصلوا الجميع إلى منطقة تُسمى الحسين، وسط عمارات حديثة الإنشاء.

غمرتني فرحة كبيرة عندما علمت بعودتهم سالمين، وانتشر الخبر سريعًا، وعاد الجميع إلى قريتهم. بعدها ذهبت إلى منزل جرجس لأطمئن على كل ما مرَّ به، ثم رجعت إلى منزلي. وبينما كنت جالسًا، جاءتني أمي وقالت:  إلى متى ستبقى هكذا؟ ألم تبحث بعد عن مصدر رزق تعيش منه؟ قلت لها:  ما رأيك في مشروع سيارة نقل ثقيل تعمل في نقل أحجار الرخام؟ قالت: فكرة جيدة، ولكن هل تعرف هذا المجال؟ فقلت: سأذهب الآن إلى أحد أقاربي، فهو يعمل في هذا المجال، وسيكون خير من يرشدني. قالت: اذهب إليه واعرض عليه فكرتك، فهم أهل خبرة في هذا العمل. خرجت فورًا إلى منزله، وعرضت عليه الفكرة، فرحب بها ووافق عليها. اشترينا نصف سيارة مرسيدس للنقل، واتفقنا أن يتولى هو إدارتها وتشغيلها.

مر شهر، ثم شهر آخر، حتى مضى نصف عام كامل، ولم يصلني منها أي مبلغ. بدأت الخلافات تظهر، ولم أرَ من أرباح السيارة شيئًا طوال تلك الأشهر. وفي أحد الأيام التقيت بأحد أصدقائي الذي كان رفيقي في الغربة، ثم عاد ليستقر في القرية، وقد اشترى هو الآخر سيارة مرسيدس للنقل يعمل عليها سائق. قال لي:  كيف أخبار سيارتك؟ ابتسمت ابتسامة فهم منها أن الأمور ليست على ما يرام، فقال: أنا أعرفك جيدًا، وهذه الابتسامة وراءها قصة. حدثني، ماذا جرى؟ فرويت له كل ما حدث. نظر إليَّ بدهشة وقال بصوت مرتفع:

يا رجل! سيارتك تعمل في المجال نفسه الذي تعمل فيه سيارتي، وهذا الشهر وحده حققت سيارتي إيرادًا يقارب ستين ألف جنيه بعد خصم جميع المصروفات. عندما سمعت هذا الرقم صُدمت، وقلت له:  كيف ذلك؟! أما أنا، فكلما طلبت كشف الحساب وجدت أوراقًا مليئة بأرقام ضخمة تحت بند مصروفات السيارة، حتى أصبحت الإيرادات كلها تذهب في النفقات، ولم يبقَ سوى خمسة آلاف جنيه، وهي أيضًا ما زالت عند المدين. هززت رأسي، وأدركت أن أرباح السيارة كانت تُستنزف بحجة أن القائمين على العمل هم من يتعبون ويشقون، أما صاحب رأس المال فهو جالس في منزله، وكأن تعب سنوات الغربة لا قيمة له. عدت إلى منزلي مهمومًا، وما إن فتحت لي أمي الباب حتى عرفت من ملامح وجهي أن شيئًا قد حدث، فالأم تقرأ وجه ابنها قبل أن يتكلم. قالت: ما بك؟ فحكيت لها ما سمعته من صديقي. فقالت:  ما رأيك أن نوقف هذا العمل، ونسترد أموالنا، والله يعوض علينا خيرًا؟ قلت لها: غدًا سأوقف السيارة وأعرضها للبيع.

وصل الخبر إلى أحد كبار العائلة، فاتصل بي وطلب حضوري. وعندما ذهبت إليه قال: لقد علمت بكل ما جرى معك. أخبرني، هل كنت أنت من يتولى إيرادات السيارة؟ قلت: لا، فقد اتفقنا منذ البداية أن يتولى هو إدارة العمل كاملة. قال: هنا كان الخطأ.

وفي أول يوم توليت فيه الإشراف على السيارة، حققت في أول نقلة عشرة آلاف جنيه، فعندها اتضحت الحقيقة، ولم يعد هناك مجال للشك. اتفقنا على بيع السيارة، وبالفعل تم بيعها، واستعدت ما تبقى من رأسمالي. وبعد أسابيع قلت لأمي:  سأشتري سيارة قلاب تعمل في نقل مواد البناء. وافقت، فاشتريت السيارة، ولكنني كررت الخطأ نفسه، إذ جعلت أحد أقاربي يتولى قيادتها وإدارتها.

وبعد سنة ونصف اضطررت إلى بيعها بخسارة أيضًا.

وخلال كل تلك السنوات لم يدخل بيتي دخل حقيقي، بل كنت أنفق من رأس المال الذي جمعته طوال سنوات الغربة، وأنا مشتاق إلى أبنائي، وهم كذلك يشتاقون إليَّ. كنت أغسل ملابسي بيدي، وأعد طعامي بنفسي، وأتحمل برد الشتاء القارس وحر الصيف اللاهب، وأخرج كل يوم أبحث عن فرصة عمل تضمن لي حياة مستقرة في وطني بعد سنوات الغربة الطويلة.

لكنني لم أكن أعلم أنني سأواجه في قريتي نوعًا آخر من المعاناة؛ فلم أجد قناصة يحملون البنادق، بل وجدت من يصطاد أموال الناس بالحيلة والخداع، ويستنزف تعب السنين بابتسامة وكلمة طيبة، حتى أدركت أن الطمع قد يكون أشد فتكًا من السلاح، وأن بعض النفوس إذا استولى عليها حب المال أصبحت أكثر قسوة من كل ما رأيته في سنوات الغربة.

إذا رغبت، أستطيع أيضًا تحويل هذا الجزء إلى أسلوب روائي احترافي، بحيث يصبح أكثر تشويقًا وعمقًا أدبيًا، مع الحفاظ على جميع الأحداث الحقيقية التي رويتها.

بالطبع، إليك النص بعد التصحيح اللغوي والأدبي مع الحفاظ على المعنى والأحداث، وصياغته بأسلوب روائي أكثر تماسكًا وتأثيرًا.

لكنني أدركت أن هناك نوعًا آخر من الإرهاب، لا يحمل السلاح ولا يرفع راية الحرب، بل يسير بين الناس في ثياب الأمانة والقرابة. فداعش عندما تقتل، تعرف عدوك أمامك، وترى سلاحه بعينيك، وتدرك أنه يريد إزهاق روحك، فتكون على بينة من أمرك. أما من يخدعك ليأخذ مالك، فإنه يقترب منك بابتسامة، ويغلف مكره بعبارات الصدق والإخلاص، وخاصة إذا كان من أقرب الناس إليك؛ فلا يخطر ببالك يومًا أنه يضمر لك الشر، أو أنه يخطط للاستيلاء على تعب عمرك، بينما يوهمك أنه أكثر الناس حرصًا على مصلحتك.

لقد تعبت وشقيت سنوات طويلة في الغربة، وتحملت قسوة الأيام من أجل أن أجمع مالًا يكفل لأبنائي حياة كريمة، ويعوضهم عن سنوات الحرمان التي عاشوها معي. كنت أحلم أن أعود إليهم بما يخفف عنهم مشقة الحياة، وأن أمنحهم ما حُرموا منه من وسائل الراحة والاستقرار.

لكنني لم أكن أعلم أن الزمن قد تغير، وأن قريتي التي غادرتها لم تعد كما عرفتها عام 1991. فقد أصبحت المادة عند بعض النفوس ميزانًا لكل شيء، حتى صار الأخ يعادي أخاه من أجل المال، وابن العم ينسى صلة الدم في سبيل مكسب زائل. ولم يعد الحلال والحرام عند البعض هو المعيار، بل أصبح المهم أن يمتلك ما يملكه غيره؛ سيارة أو منزلًا أو مالًا، مهما كانت الوسيلة التي يسلكها لتحقيق ذلك.

وهكذا يقع الضحية في شباك الخداع، لا يدري كيف خسر ماله، حتى إذا انكشفت الحقيقة كان قد فقد كل شيء. ثم يسمع العبارة نفسها تتردد على ألسنة من خدعوه:

“أنت كنت في الغربة، ولا تعرف طبيعة هذا العمل.”

أما أنا، فقد كنت في الغربة أعيش بين عملي ومنزلي، لا أعرف أساليب الالتفاف على الحقوق، ولا التلاعب بالأموال. كنت أتنازل عن جزء من حقي أحيانًا حفاظًا على سمعتي، لأنني كنت أؤمن أن السمعة الطيبة هي رأس المال الحقيقي، وأن الكلمة الصادقة تبني مستقبل الإنسان أكثر مما تبنيه الأموال.

وبفضل هذا المبدأ اتسعت دائرة عملي، وصار كل شخص يرشحني لآخر، حتى أصبحت معروفًا بالأمانة والالتزام، وجمعت في نهاية عام 2014 ما يقارب ثمانمائة ألف جنيه مصري، كانت ثمرة سنوات طويلة من الكفاح والغربة.

لكنني لم أكن أعلم أن العالم قد تبدل، وأن الطمع أصبح يرتدي ثوب النصيحة، وأن بعض الناس يبررون الاستيلاء على أموال غيرهم بحجة أنهم أصحاب الخبرة، وأنهم الأحق بثمار العمل.

هذه مجرد نبذة عما جرى لي بعد أن استقررت في قريتي. لقد وجدت أناسًا يختلفون كثيرًا عن أولئك الذين تركتهم منذ سنوات. ولم أقصد من حديثي مقارنة أحد بأحد، وإنما أردت أن أصف تجربتي الشخصية؛ فقد رأيت أن خطر الخداع قد يكون أشد ألمًا من المواجهة الصريحة، لأن الخداع يسرق الثقة قبل أن يسرق المال.

وفي المقابل، تعلمت في سنوات الغربة، رغم اختلاف الدين والجنسية واللغة، معنى الصدق، واحترام المواعيد، والوفاء بالكلمة، وهي قيم لا ترتبط بمكان ولا بجنسية، وإنما بأخلاق الإنسان.

وقلت لنفسي: لعل ما حدث لي يكون درسًا أتعلم منه، فالناس ليسوا سواء، وفي كل مجتمع الصالح والطالح.

وبعد كل ما جرى، جمعت ما تبقى من شقاء عمري، وسلمته إلى شخص وعدني بأن يستثمره مقابل عائد شهري قدره عشرون في المئة، كما تفعل بعض شركات الاستثمار. سلمته المال بيدي، لكن المال خرج من يدي، ولم يعد إليها مرة أخرى.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة من المعاناة، سأروي تفاصيلها في الجزء السادس عشر، حيث سأحكي كيف كنت أدبر قوت أبنائي، وكيف اتصل بي المهندس خالد، وما الذي حدث بيننا بعد ذلك

يتناول هذا الجزء مرحلة مؤلمة من حياة الراوي، ينتقل فيها من خطرٍ خارجي واجهه في الغربة إلى خطرٍ داخلي واجهه بعد عودته إلى وطنه. ولا يقتصر النص على سرد تجربة شخصية، بل يتحول إلى تأمل في تغير النفوس وتأثير المال في العلاقات الإنسانية.


شرح الجزء الخامس عشر


بعد أن عاد الراوي إلى قريته، كان يحمل حلمًا بسيطًا؛ أن يستثمر حصيلة سنوات الغربة ليؤمن مستقبل أبنائه ويعيش حياة مستقرة. لكنه فوجئ بأن الصدمة لم تكن في العمل نفسه، وإنما في الأشخاص الذين ائتمنهم على ماله، وكان معظمهم من أقرب الناس إليه.

يرى الكاتب أن المواجهة مع العدو الظاهر، مهما كانت قاسية، تختلف عن مواجهة الخداع الذي يأتي من شخص تثق به. فالمخادع لا يستخدم القوة، بل يعتمد على المكر، وإظهار النصح، وكسب الثقة حتى يتمكن من الاستيلاء على حقوق الآخرين. ومن هنا يصف الألم النفسي الناتج عن الخيانة بأنه أشد وقعًا من الخطر الذي واجهه في الغربة.

ويعبر النص عن حزن الكاتب وهو يرى أن بعض القيم التي نشأ عليها قد تغيرت، وأن المال أصبح عند بعض الناس سببًا في تفكك العلاقات الأسرية، حتى أصبحت المصلحة المادية تتغلب على صلة القرابة والمحبة. ويؤكد أن هذا لا يعني تعميم الحكم على الجميع، وإنما هو وصف لتجربته الشخصية وما تعرض له.

كما يقارن الراوي بين ما تعلمه خلال سنوات الغربة وبين ما واجهه بعد عودته؛ ففي الغربة اكتسب احترام المواعيد، والصدق في التعامل، وحفظ الكلمة، وهي قيم ساعدته على تكوين سمعة طيبة وجمع رأس مال كبير بجهده وعرق سنوات طويلة. لكنه عندما عاد، اكتشف أن حسن النية وحده لا يكفي، وأن الثقة ينبغي أن تكون مقرونة بالحذر.

ويصل السرد إلى ذروة جديدة عندما يذكر أنه، بعد خسارته في مشروعات النقل، سلم ما تبقى من أموال عمره إلى شخص وعده باستثمارها مقابل عائد مالي، لكنه فقد هذا المال أيضًا، في إشارة إلى بداية فصل جديد من المعاناة.

ويختتم الكاتب هذا الجزء بتمهيد للأحداث القادمة، إذ يعلن أن الجزء السادس عشر سيكشف كيف واجه تلك الأزمة، وكيف كان يدبر احتياجات أسرته، وما الدور الذي لعبه المهندس خالد في تلك المرحلة من حياته.

الفكرة العامة

رحلة إنسان عاد من الغربة محملًا بالأمل، لكنه اصطدم بخيانة الثقة، فاكتشف أن خسارة المال على يد الأقربين قد تكون أشد ألمًا من مشقة الغربة نفسها.

الرسالة الأدبية

يريد الكاتب أن يؤكد أن الثقة نعمة عظيمة، لكنها تحتاج إلى حكمة، وأن المال قد يكشف معادن الناس، كما أن الغربة ليست دائمًا أقسى من الوطن، فقد تكون قسوة الخيانة من الأقربين أشد إيلامًا من قسوة البعد عن الأهل. وفي الوقت نفسه، يبين أن القيم الحقيقية، كالصدق والأمانة وحفظ العهد، هي أساس نجاح الإنسان أينما كان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *