الرئيسيةمقالاتالوصايا الخالدة: قراءة معاصرة في سورة لقمان
مقالات

الوصايا الخالدة: قراءة معاصرة في سورة لقمان

الوصايا الخالدة: قراءة معاصرة في سورة لقمان“.
المقال العاشر: الاعتدال في السلوك منهج المؤمن”.
بقلم/ عيد كامل حافظ النوقي.
مقدمة:
من أعظم ما يميز المنهج القرآني أنه لا يربي الإنسان على طرفٍ من أطراف الحياة، ولا يدعوه إلى الغلو، أو التفريط، وإنما يصنع منه إنسانًا متوازنًا، يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى ينفق، ومتى يمسك، وكيف يعيش مع نفسه ومع الآخرين بميزان الحكمة، والاعتدال.
ومن الوصايا الخالدة التي جاءت في سورة لقمان قول الله تعالى على لسان لقمان الحكيم لابنه:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾[لقمان: 19].
آية قصيرة في ألفاظها، عظيمة في دلالاتها؛ فهي لا تتحدث عن المشي والصوت فحسب، وإنما تؤسس لمنهج متكامل في السلوك والتعامل والتعبير والحضور الاجتماعي.
أولًا: ما المقصود بالاعتدال؟:
الاعتدال هو أن يضع الإنسان كل شيء في موضعه، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير.
وهو ليس ضعفًا أو ترددًا، كما قد يتوهم البعض، بل هو قوة منضبطة بالحكمة.
فالمؤمن المعتدل لا يعيش أسير الانفعال، ولا تحكمه الأهواء، ولا يجعل ردود أفعاله أكبر من المواقف التي يتعرض لها.
قال تعالى:﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾
[البقرة: 143].
والوسطية هنا تعني العدل ،والخيرية، والاستقامة، وهي منهج حياة لا شعارًا يرفع.
ثانيًا: الاعتدال يبدأ من أبسط التفاصيل
تأمل دقة التوجيه القرآني:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾
فالمشي لغة صامتة تكشف كثيرًا من شخصية الإنسان.
هناك من يمشي متكبرًا كأنه فوق الناس، وهناك من يمشي متباطئًا متكاسلًا، وهناك من يتحرك بعشوائية وانفعال.
أما المؤمن، فله حضور هادئ متزن، لا يحمل في مشيته استعلاءً ولا خنوعًا.
وهكذا يعلمنا القرآن أن التربية ليست فقط في العبادات الكبرى، وإنما تبدأ من طريقة المشي، وطريقة الكلام، وطريقة التعامل مع الناس.
ثالثًا: اخفض صوتك… فالصوت أخلاق:
ثم تأتي الوصية:
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾
لم يقل: لا تتكلم، وإنما قال: اخفض من صوتك.
فالقرآن لا يريد إنسانًا صامتًا، وإنما يريد إنسانًا يعرف كيف يتكلم.
فكم من كلمة قيلت بصوت مرتفع فأفسدت علاقة، وكم من نصيحة صحيحة أفسدها أسلوب قاسٍ، وكم من حق ضاع لأن صاحبه لم يعرف كيف يعرضه!
والقوة ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في قوة الحجة، وصدق الكلمة، وحسن الأسلوب.
ولهذا قال الله تعالى:﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[البقرة: 83].
رابعًا: الاعتدال في عصر الضجيج:
نعيش اليوم في عالمٍ أصبح فيه رفع الصوت أسهل من رفع مستوى الوعي.
وفي مواقع التواصل الاجتماعي، قد يتحول الاختلاف إلى خصومة، والنقاش إلى صراع، والرأي إلى اتهام، والنصيحة إلى تجريح.
وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى تغيير موقفه، وإنما يحتاج إلى تغيير طريقة التعبير عن موقفه.
فالاعتدال الرقمي يعني:
ألا تكتب وأنت غاضب.
ألا تحول الاختلاف إلى عداوة.
ألا تنشر كل ما تسمع.
ألا تستخدم السخرية لإهانة المخالف.
ألا تجعل كثرة المتابعين مبررًا للتجاوز.
ألا ترفع صوتك في الفضاء الإلكتروني لمجرد أن تصل رسالتك.
فكما أن للسان أدبًا، فإن للمنشور والتعليق والمقطع المرئي أدبًا أيضًا.
خامسًا: الاعتدال في الغضب:
من أخطر صور فقدان الاعتدال أن يتحول الغضب إلى قائد للإنسان.
والنبي ﷺ قال:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(متفق عليه).
فالقوة الحقيقية ليست في أن تنتصر على الآخرين، وإنما في أن تنتصر على انفعالك.
وقد يغضب الإنسان لأسباب مشروعة، لكن الإسلام لا يترك الغضب بلا ضابط؛ بل يربي الإنسان على التحكم في رد فعله.
وهنا يظهر الفرق بين الشخصية القوية والشخصية المنفعلة.
سادسًا: الاعتدال في الإنفاق:
والاعتدال لا يقتصر على السلوك الظاهر، بل يشمل المال أيضًا.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾[الفرقان: 67].
إنها قاعدة عظيمة:
لا إسراف، ولا تقتير.
فليس من الحكمة أن ينفق الإنسان كل ما يملك لإرضاء الناس، وليس من الحكمة كذلك أن يحرم نفسه وأهله مما أحل الله.
والاعتدال المالي اليوم يعني أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نفرق بين الحاجة والرغبة، وبين الضرورة والكماليات.
سابعًا: الاعتدال في العلاقات
المؤمن لا يعيش علاقاته بمنطق:
إما أن تكون معي بالكامل، أو فأنت ضدي بالكامل.
فالحياة أكثر تعقيدًا من ذلك.
قد نختلف مع إنسان ونظل نحترمه، وقد ننتقد موقفًا ونحفظ لصاحبه قدره، وقد نبتعد عن شخص دون أن نحوله إلى عدو.
وهذه من علامات النضج.
فالاعتدال يعلمنا أن:
الاختلاف لا يعني الإساءة، والنقد لا يعني الكراهية، والابتعاد لا يعني الانتقام.
ثامنًا: الاعتدال في التربية:
ومن أخطر ما نحتاج إليه اليوم الاعتدال في تربية الأبناء.
فبعض الآباء يبالغون في القسوة حتى يصنعوا طفلًا خائفًا، وبعضهم يبالغون في التدليل حتى يصنعوا طفلًا لا يعرف المسؤولية.
والتربية الناجحة تحتاج إلى توازن بين:
الحب والحزم،
الحرية والمسؤولية،
التشجيع والتقويم،
الاحتواء والتوجيه.
وهذا هو جوهر التربية القرآنية التي تجمع بين الرحمة والتكليف، وبين الحنان والمسؤولية.
تاسعًا:الاعتدال لا يعني التنازل عن المبادئ:
وهنا ينبغي أن نفرق بين الاعتدال، والمداهنة.
الاعتدال أن تكون حكيمًا في أسلوبك، ثابتًا في مبادئك.
أما المداهنة فهي أن تتنازل عن الحق لإرضاء الآخرين.
فالمؤمن قد يكون لينًا دون أن يكون ضعيفًا، وحازمًا دون أن يكون قاسيًا، ومتسامحًا دون أن يكون متنازلًا عن ثوابته.
وهذه هي المعادلة الصعبة:
ثبات في المبدأ، ومرونة في الأسلوب.
عاشرًا: ماذا لو أصبح الاعتدال ثقافة مجتمعية؟:
ماذا لو تعلمنا أن نخفض أصواتنا بدل أن نرفعها؟
ماذا لو تعلمنا أن نفكر قبل أن نحكم؟
ماذا لو أصبح الاختلاف مساحة للتفاهم لا ميدانًا للعداء؟
ماذا لو ربينا أبناءنا على أن القوة ليست في الصراخ، وأن الرجولة ليست في العنف، وأن الهيبة ليست في تخويف الآخرين؟
ماذا لو أصبح الاعتدال منهجًا في الأسرة، والمدرسة، والعمل، والإعلام، ومواقع التواصل؟
ربما عندها نكتشف أن كثيرًا من أزماتنا لم تكن تحتاج إلى مزيد من القوة، وإنما كانت تحتاج إلى مزيد من الحكمة.
مساحة للتأمل
قف مع نفسك واسأل:
هل أنا معتدل في كلامي؟
هل أرفع صوتي عندما أعجز عن إقناع الآخرين؟
هل انفعالاتي أكبر من المواقف التي أعيشها؟
هل أُحسن إدارة الخلاف؟
هل أعطي كل شيء حجمه الحقيقي؟
هل أربي أبنائي على التوازن أم على الإفراط والتفريط؟
هل أستخدم مواقع التواصل باعتدال ومسؤولية؟
الحادي عشر : ومضة المقال:
ليس الاعتدال أن تقف في المنتصف دائمًا، وإنما أن تقف في المكان الذي يضعك فيه الحق والحكمة.
فالمؤمن لا يمشي متكبرًا، ولا يعيش متخاذلًا، ولا يتكلم صاخبًا، ولا يصمت عن الحق، ولا يغضب بلا ضابط، ولا ينفق بلا حساب.
إنه إنسان يعرف قيمة الميزان.
ولذلك جاءت وصية لقمان لابنه لتضع أمامنا منهجًا خالدًا:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾.
فقد يبدأ الإصلاح الكبير من تفاصيل صغيرة:
خطوةٍ هادئة، وصوتٍ خافت، وكلمةٍ طيبة، وانفعالٍ مضبوط، وقلبٍ يعرف طريق الاعتدال.
خاتمة:
إن الاعتدال ليس مجرد سلوك اجتماعي جميل، بل هو منهج إيماني وحضاري.
وكلما استطاع الإنسان أن يضبط نفسه، ويزن كلماته، ويوازن مشاعره، ويحسن إدارة علاقاته، كان أقرب إلى الحكمة التي أراد لقمان أن يغرسها في قلب ابنه.
فليس المطلوب أن نكون بلا مشاعر، ولا بلا غضب، ولا بلا طموح؛ وإنما المطلوب ألا تتحول هذه الأشياء إلى قادة لنا.
كن قويًا بلا قسوة،
ولينًا بلا ضعف،
وطموحًا بلا جشع،
وغاضبًا بلا ظلم،
ومتسامحًا بلا تنازل عن الحق.
ذلك هو الاعتدال…
وذلك هو منهج المؤمن.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم، سورة لقمان.
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
٢)الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
٣)السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
٤)البخاري ومسلم، حديث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *