اهتزاز الروح
بقلم محمد عطا القطيعي
ثمة لحظات تمر بالإنسان لا يمكن أن تُسمى حزنًا، ولا يليق بها اسم الفرح. إنها حالة تتجاوز المشاعر المألوفة، حين تستيقظ الروح على أسئلة لم تجرؤ يومًا على طرحها، ويهتز القلب بين يقينٍ يبحث عنه، وغموضٍ لا يجد له تفسيرًا.
في تلك اللحظات، ترغب في أن تضم الحياة إلى صدرك بكل ما فيها، وفي الوقت نفسه تشعر برغبة عميقة في أن تترك كل شيء خلفك، وكأنك تبحث عن ميلاد جديد، لا عن نهاية قديمة.
تحدّث نفسك بأن الغد يحمل من الجمال ما يستحق الانتظار، ثم تعود فتسأل: هل كانت الطرق الوعرة ثمنًا لا بد منه للوصول؟ وهل كانت الخسائر التي أنهكت القلب هي التي صنعت فينا هذا النضج؟
تفقد شيئًا عزيزًا، فتظن أن آخر أبواب الأمل قد أُغلق، ثم يفاجئك الزمن بنافذة لم تكن تراها، فيرسل إلى قلبك سببًا جديدًا للحياة، ورسالة خفية تقول: ما دام في الروح نبض، فلك في الغد موعد آخر.
ذلك الارتجاف الصامت الذي لا تلتقطه العيون، ولا تصفه الكلمات، ولا يسمعه إلا القلب… هو ما أسميه اهتزاز الروح.
ليس انكسارًا، وليس انتصارًا كاملًا، بل لحظة صفاء نادرة، تتجرد فيها النفس من أوهامها، وترى حقيقتها كما هي؛ فتدرك أن قيمة الإنسان ليست فيما جمع، ولا فيما فقد، بل فيما بقي داخله من نور، وقدرته على النهوض كلما ظن أن الطريق قد انتهى.
إن اهتزاز الروح ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها الحقيقية. ففي كل ارتعاشة صادقة يولد وعي جديد، وفي كل دمعة صامتة تنبت حكمة، وفي كل انكسار كريم تُصقل النفس حتى تصبح أكثر رحمة، وأشد إيمانًا، وأعمق فهمًا لمعنى الحياة.
وما أجمل أن يخرج الإنسان من عواصفه أكثر صفاءً، ومن جراحه أكثر إنسانية، ومن انتظاره أكثر يقينًا بأن الله لا يزرع في القلب أملًا إلا وقد هيأ له يومًا يزهر فيه، وأن الأرواح التي تهتز بإيمان لا تسقط أبدًا، بل تتعلم كيف تحلق إلى آفاقٍ أرحب، حيث السكينة، والرضا، ونور الحياة.
————-القطيعى الشريف ————-

