الرئيسية » حين أسندتِ الشجرةُ صخرتَها… فصار الاعوجاجُ حياةً
مقالات

حين أسندتِ الشجرةُ صخرتَها… فصار الاعوجاجُ حياةً

حين أسندتِ الشجرةُ صخرتَها… فصار الاعوجاجُ حياةً

حين أسندتِ الشجرةُ صخرتَها… فصار الاعوجاجُ حياةً

بقلم محمد عطا القطيعي

قد يمرُّ العابر بهذا المشهد، فيراه صورةً عابرةً صنعتها الطبيعة، أو لوحةً غريبةً اجتمع فيها الحجر والشجر على غير موعد… أما المتأمل، فيراه رسالةً صامتةً كتبتها يدُ القدرة في صفحةٍ من صفحات الكون.
صخرةٌ صمّاء، ثقيلةٌ ساكنة، وشجرةٌ صغيرةٌ حيّة، تنبت من بين القسوة، وتشقُّ طريقها في أرضٍ تبدو وكأنها لا تعرف الرحمة. وبينهما لقاءٌ عجيب؛ كأن القدر قال للشجرة: هنا سيكون موضعك، وقال للصخرة: هنا سيكون مقامك.
فلا الصخرة اختارت الشجرة، ولا الشجرة اختارت الصخرة… ولكن سبحان من يغيّر، وسبحان من يدبّر، وسبحان من يجعل من اجتماع الأشياء التي تبدو متناقضةً مشهداً يحمل كل هذا الجمال والمعنى.
قراءة في المشهد
الشجرة هنا ليست بالضرورة رمزاً لمن أضاع نفسه من أجل الآخرين، كما قد يبدو للوهلة الأولى؛ بل يمكن أن نقرأها قراءةً أكثر طمأنينةً وأعمق إيماناً.
فهي لم تمت.
نعم، انحنى جذعها، وتشكل حول الصخرة، وبدت كأنها خالفت صورتها الأولى، لكنها ظلّت تنبت، وأثمرت، ومدّت أغصانها نحو السماء.
وهنا يكمن سرُّ الصورة.
ليست الحياة دائماً أن تسير في خطٍّ مستقيم، وليست القوة أن تبقى على الهيئة التي بدأنا بها. أحياناً يعترض طريقنا حجرٌ لم نختره، وظرفٌ لم نطلبه، وابتلاءٌ لم نستعد له، فنظن أن الطريق قد انتهى.
ثم نكتشف بعد سنوات أن الله لم يكن يغلق الطريق… وإنما كان يعيد رسمه.
قد يغيّرنا الألم، وقد تحني ظهورنا الأيام، وقد تضطرنا الظروف إلى أن نسلك طرقاً لم تكن في حساباتنا، لكن ذلك كله لا يعني أن الحياة فقدت معناها.
فالشجرة لم تستطع أن تزيح الصخرة، لكنها استطاعت أن تواصل الحياة حولها.
وهذه وحدها حكمة عظيمة:
ليس مطلوباً منك دائماً أن تزيل كل ما يعترض طريقك؛ أحياناً يكفي أن تعرف كيف تنمو رغم وجوده.
الصخرة ليست دائماً عدواً
ما أجمل أن ننظر إلى الصخرة من زاوية أخرى!
ربما لم تكن الصخرة عبئاً على الشجرة، وربما كانت جزءاً من قصتها التي لم تكن لتكتمل لولاها.
فكم من شيءٍ ظنناه في بداية الأمر عائقاً، ثم اكتشفنا أنه كان سبباً في نضجنا!
وكم من بابٍ أُغلق في وجوهنا، فإذا بنا نكتشف بعد زمن أن إغلاقه كان حماية!
وكم من طريقٍ انحرف بنا عن وجهتنا الأولى، فإذا بنا نصل إلى مكانٍ لم نكن نحلم به!
ذلك هو لطف الله الذي لا نراه دائماً في لحظته، ولكننا نفهمه حين تهدأ العاصفة.
ولهذا فإن هذا المشهد لا ينبغي أن يدفعنا إلى الخوف من العطاء، ولا إلى القسوة على الآخرين، ولا إلى الاعتقاد بأن كل تضحية خسارة.
العطاء فضيلة، والرحمة قوة، والوقوف إلى جوار الآخرين من أجمل ما يفعله الإنسان.
لكن الحكمة أن نعطي دون أن نفقد أنفسنا، وأن نساند دون أن نهلك، وأن نحب دون أن ننسى أن لنا حقاً في الحياة.
والأجمل من كل ذلك… أن الشجرة ما زالت تُثمر
تأملوا جيداً!
جذعٌ ملتف، وصخرةٌ ضخمة، وأرضٌ قاحلة، ومع ذلك هناك ثمار.
يا لها من رسالة!
ربما لا تكون حياتك كما تمنيت، وربما لم تعد واقفاً في المكان الذي بدأت منه، وربما حملتَ من الانحناءات والجراح ما لا يراه أحد… لكن هذا لا يعني أنك انتهيت.
ما دمتَ تُثمر، فأنت بخير.
ما دام فيك نبضٌ، ففيك بداية.
ما دامت أغصانك تعرف طريقها إلى السماء، فلا تخف من اعوجاج الجذع.
فالإنسان لا يُقاس دائماً باستقامته أمام الناس، وإنما بقدرته على أن يبقى حيّاً، نبيلاً، مثمراً، رغم ما مرّ به.
رسالة المشهد
ربما أرادت لنا هذه الصورة أن نتوقف قليلاً عن الشكوى، وأن نتأمل تدبير الله في الأشياء.
الصخرة في مكانها…
والشجرة في مكانها…
والأرض على قسوتها…
والسماء فوق الجميع…
ومع ذلك خرج من هذا الاجتماع الغريب جمالٌ لم يكن أحدٌ ليرسمه بهذه الدقة.
فسبحان الله الذي قد يجعل من العائق سنداً، ومن الانحناء شكلاً من أشكال البقاء، ومن القسوة أرضاً تخرج منها الثمار.
لا تخف من الأشياء التي غيّرت شكلك؛ فليس كل تغييرٍ هزيمة.
ولا تحزن لأن طريقك لم يكن مستقيماً؛ فليست كل الطرق المستقيمة تصل إلى أجمل النهايات.
ولا تظن أن ما اعترض حياتك كان عبثاً؛ فربما كان في تفاصيله سرٌّ لم يحن وقت معرفته بعد.
وفي النهاية، تبقى هذه الشجرة الصغيرة واقفةً أمام صخرتها، لا لتقول لنا: انحنوا من أجل الآخرين، ولا لتقول: احملوا ما لا تستطيعون حمله…
بل تقول في صمتها الجميل:
“قد لا أستطيع تغيير ما وضعه القدر في طريقي، لكنني أستطيع أن أواصل النمو… وأن أُثمر… وأن أرفع أغصاني إلى السماء.”
وهذه، في ظني، هي أجمل رسائل المشهد:
أن الطمأنينة ليست في أن تخلو حياتنا من الصخور، وإنما في أن نوقن أن الله الذي وضع الصخرة في طريقنا، هو نفسه القادر أن يجعلنا ننمو حولها، وأن يخرج من بين قسوتها ثمراً، ومن بين انحناءاتنا حكمة، ومن بين أوجاعنا حياة.
سبحان من دبّر…
وسبحان من غيّر…
وسبحان من جعل في أبسط مشاهد الطبيعة درساً قد يعجز عن قوله كثيرٌ من الكتب.
———-القطيعى الشريف———-

حين أسندتِ الشجرةُ صخرتَها… فصار الاعوجاجُ حياةً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *