حين ترتدّ النار إلى صاحبها.. إثيوبيا أمام اختبار السلطة والحرب
بقلم محمد عطا القطيعي
ليست كل الهزات السياسية تبدأ من القصور، ولا كل الانقلابات في موازين القوة تُعلنها بيانات رسمية. أحيانًا يكفي أن تتغير خريطة السيطرة على الأرض، أو أن تُغلق مدرجات مطار، أو أن تجتمع قوى متنافرة كانت بالأمس القريب تقاتل بعضها بعضًا، حتى يدرك المتابع أن المشهد دخل مرحلة جديدة، وأن ما كان يبدو ثابتًا لم يعد كذلك.
وهذا تحديدًا ما يحدث في إثيوبيا.
ففي غضون أيام قليلة، دخل المشهد الإثيوبي منعطفًا بالغ الحساسية؛ إذ أعلنت سبع جماعات مسلحة، بينها جبهة تحرير تيجراي وقوات فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو، تشكيل تحالف أطلقت عليه «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، معلنة أن هدفه إزالة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد والعمل باتجاه حكومة انتقالية. والمفارقة التاريخية الأبرز أن بعض القوى التي اجتمعت تحت هذا السقف كانت في الماضي على طرفي نقيض في الحرب الإثيوبية بين عامي 2020 و2022.
وهنا لا تكمن أهمية الخبر في عدد الفصائل وحده، وإنما في طبيعة التقاطع الذي جمعها.
فحين تلتقي قوى مختلفة في انتماءاتها ومصالحها وخرائط انتشارها حول هدف واحد هو مواجهة السلطة المركزية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها أصبحت جبهة متماسكة قادرة على تحقيق هدفها؛ لكنه يعني، في المقابل، أن الحكومة الفيدرالية أصبحت أمام معادلة أمنية أكثر تعقيدًا، قد تضطر معها إلى التعامل مع بؤر متعددة ومتباعدة في آن واحد.
وهذه هي النقطة التي ينبغي عندها أن يتوقف التحليل بعيدًا عن المبالغة أو التهويل.
من التحالف السياسي إلى اختبار السيطرة على الأرض
الحدث الأكثر دلالة جاء من تيجراي.
فبحسب مصادر إعلامية دولية، سيطرت قوات تيجراي على مطار ميكيلي، عاصمة الإقليم، في وقت تصاعدت فيه الاشتباكات بين قوات تيجراي والقوات الفيدرالية في مناطق من إقليم عفار المجاور. وفي أعقاب ذلك، أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية تعليق رحلاتها إلى مطارات ميكيلي وأكسوم وشاير بسبب الوضع الأمني.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد خبر عن إلغاء رحلات جوية.
المطار في مناطق الصراع ليس مجرد مدرج للطائرات؛ إنه جزء من منظومة السيطرة والاتصال والإمداد والحركة.
ولهذا فإن انتقال السيطرة على منشأة جوية استراتيجية من سلطة إلى قوة مسلحة يحمل دلالة أمنية وعسكرية وسياسية في آن واحد، حتى وإن كان من السابق لأوانه تحويل هذا التطور إلى حكم نهائي على مستقبل السلطة المركزية.
كما أن تعليق الرحلات المدنية لا يعني، بذاته، أن «السيادة الجوية» على الإقليم قد انتُزعت بالكامل من الدولة، وهي عبارة تحتاج إلى دقة أكبر في الاستخدام الصحفي؛ فالمؤكد حتى الآن هو فقدان السيطرة التشغيلية على مطار ميكيلي، وتعليق الرحلات إلى ثلاثة مطارات في تيجراي، في ظل تصاعد عسكري ميداني.
جرح تيجراي لم يُغلق تمامًا
ولفهم ما يحدث اليوم، لا يمكن فصل المشهد عن اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب الكبرى في شمال إثيوبيا عام 2022.
فالحرب السابقة خلّفت واحدًا من أعقد الملفات السياسية والإنسانية في القارة، وظلت العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وقوى تيجراي محكومة بملفات لم تُحسم جميعها بصورة مستقرة.
وفي الأشهر الأخيرة، عادت التوترات إلى الواجهة؛ إذ أعادت جبهة تحرير تيجراي تفعيل مؤسسات إقليمية كانت قائمة قبل الحرب، بينما تصاعدت الاحتكاكات بينها وبين الحكومة الفيدرالية، قبل أن تتحول التوترات إلى اشتباكات في مناطق حدودية وهجمات بطائرات مسيّرة بحسب مصادر وتقارير لم يمكن التحقق من بعضها بصورة مستقلة.
ومن هنا يمكن قراءة التطورات الحالية باعتبارها اختبارًا جديدًا لقدرة اتفاق السلام على الصمود، وليس مجرد حادث أمني عابر.
أخطر ما في المشهد: خصوم الأمس يجتمعون اليوم
ربما تكون المفارقة الأكثر إثارة للانتباه أن قوى متباينة للغاية قررت أن تضع خلافاتها جانبًا أمام خصم سياسي مشترك.
لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن التحالف ضد خصم واحد لا يعني بالضرورة الاتفاق على ما بعد الخصم.
وهذه واحدة من أكبر نقاط الضعف التي يلفت إليها محللون في قراءة التحالف الجديد؛ فالجماعات السبع تختلف في أجنداتها، ومناطق نفوذها، ومطالبها السياسية، بل إن بينها ملفات خلافية قديمة تتعلق بالأرض والسلطة وشكل الدولة ومستقبل الأقاليم. وقد نقلت تقارير دولية عن محللين شكوكًا بشأن قدرة التحالف على الحفاظ على تماسكه في حال تحولت المواجهة إلى حرب واسعة وطويلة.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط:
هل يستطيع خصوم آبي أحمد أن يتحدوا؟
بل أيضًا:
هل يستطيعون أن يظلوا متحدين عندما يبدأ السؤال الأصعب: ماذا بعد؟
النار التي تقترب من المركز
أما القراءة السياسية الأوسع، فتقود إلى حقيقة لا تحتاج إلى مبالغة بل إلى تأمل:
الدول لا تُقاس قوتها بعدد البيانات التي تصدرها حكوماتها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تماسك مؤسساتها، وأمن أقاليمها، واحتكارها المشروع للقوة، وإدارة اختلافاتها الداخلية قبل أن تتحول إلى صراعات مسلحة.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يحدث في إثيوبيا يمثل إنذارًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الأهمية.
فالحكومة التي تواجه في وقت واحد قوى مسلحة في تيجراي وأمهرا وأوروميا وغيرها، تجد نفسها أمام بيئة أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة تمرد محلي منفرد. والتحالف الجديد قد لا يكون، في صورته الحالية، قادرًا على إسقاط الحكومة؛ لكن مجرد نشوء هذا التنسيق بين قوى كانت متصارعة، ثم انتقال التوتر إلى اشتباكات ميدانية وسيطرة قوات إقليمية على منشأة جوية مهمة، يكشف أن الأزمة تجاوزت حدود الخطاب السياسي إلى اختبار فعلي لمعادلة القوة داخل الدولة.
ليست نهاية الطريق.. لكنها لحظة لا يجوز تجاهلها
ولذلك، فإن القول إن «الكرسي قد اهتز» يمكن أن يكون تعبيرًا صحفيًا عن حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى إعلان مبكر عن سقوطها.
فالسياسة ليست مشهدًا واحدًا، والحروب لا تُحسم دائمًا بالصدمة الأولى، والتحالفات التي تبدو قوية عند لحظة التأسيس قد تصطدم لاحقًا بتناقضات المصالح والجغرافيا والتاريخ.
لكن المؤكد أن المشهد الإثيوبي لم يعد كما كان قبل أيام قليلة.
سبع جماعات مسلحة أعلنت جبهة مشتركة.
وقوات تيجراي استعادت حضورها العسكري في مواجهة الحكومة.
ومطار ميكيلي خرج عن السيطرة الحكومية وفق تقارير متعددة.
والخطوط الجوية الإثيوبية أوقفت رحلاتها إلى ميكيلي وأكسوم وشاير.
والاشتباكات عادت إلى الواجهة في مناطق شمالية.
كل ذلك يحدث بينما لا تزال تداعيات الحرب السابقة حاضرة في الذاكرة والواقع.
وهنا تتجاوز القصة شخص آبي أحمد نفسه.
إنها قصة دولة تحاول أن تمسك بخيوط كثيرة في وقت واحد، وقوى إقليمية ومسلحة ترى أن اللحظة قد تكون مناسبة لإعادة رسم موازين القوة.
أما العبارة الأشد قسوة التي يمكن أن يفرضها التاريخ على هذا المشهد، فهي أن النار حين تُترك طويلًا في أطراف البيت، لا تضمن أن تظل في الأطراف.
لكن التاريخ، في المقابل، لا يمنح أحكامه مسبقًا.
إنه يترك للوقائع أن تتكلم.
وما تقوله وقائع إثيوبيا الآن بوضوح هو أن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن الأيام المقبلة ستكون أكثر أهمية من البيانات الأولى، لأن السؤال لم يعد: من يرفع صوته أعلى؟
بل:
من يملك القدرة على تحويل التحالف إلى قوة، والقوة إلى مشروع سياسي، والمشروع السياسي إلى دولة تستطيع أن تجمع ما فرّقته الحرب؟
وهنا فقط سيُعرف اتجاه عقارب الساعة في أديس أبابا:
هل تمضي نحو تسوية تعيد ترتيب البيت الإثيوبي، أم نحو جولة جديدة من الصراع يكون ثمنها هذه المرة أكبر من قدرة الجميع على الاحتمال؟
----------القطيعى الشريف----------
