
الكاتب: عايد حبيب جندي الجبلي
عندما تجلس في مجلسٍ يتناقش فيه الحاضرون حول قضيةٍ ما، ثم تجد أصواتهم قد اختلطت، وكل واحدٍ منهم يحاول أن يعلو بصوته على الآخر، فاعلم أن هذا المجلس قد فقد أولى قواعد الحوار وأدبه. فالحوار ليس سباقًا في ارتفاع الأصوات، بل لقاءٌ بين العقول، غايته الوصول إلى الحقيقة لا الانتصار للرأي.
إن اختلاط الأصوات لا يوضح فكرة، ولا يقود إلى حل، بل يحجب المعنى ويشتت الأذهان. ففي لحظة الفوضى لا تصل المعلومة إلى أحد، ولا يستطيع المتحدث أن يعبّر عما يريد، ولا يتمكن المستمع من فهم ما يُقال. يصبح الجميع متكلمين، ولا يبقى بينهم مستمع واحد، فتضيع الحقيقة بين ضجيج الكلمات.
إن الذي يظن أن رفع صوته يجعله أكثر إقناعًا، يخطئ في فهم الحوار؛ فالفكرة لا تُقاس بقوة الصوت، وإنما بقوة البرهان. والكلمة الهادئة المدعومة بالدليل قد تهزم مئة صرخةٍ خاوية، لأن العقل لا يصغي إلى الضجيج، بل ينصت إلى المنطق.
وحين يتحول النقاش إلى ساحةٍ لإثبات الذات، يفقد الحوار رسالته، ويصبح كل شخص منشغلًا بالدفاع عن رأيه، لا بالبحث عن الصواب. أما المتحاور الحقيقي، فلا يسعى إلى الانتصار على الآخرين، بل يسعى إلى الانتصار للحقيقة، ولا يجد حرجًا في تغيير رأيه إذا وجد دليلًا أقوى، لأن غايته المعرفة لا الغلبة، والحكمة لا المكابرة.
فإذا غابت آداب الحوار، وضاع الإنصات، وسادت الفوضى، ولم يعد أحد يفهم الآخر، فلا تتردد في مغادرة ذلك المجلس. فالانسحاب من نقاشٍ فقد قيمته ليس ضعفًا، بل احترامٌ للعقل، وصيانةٌ للكلمة، وحفاظٌ على الوقت.
إن المجالس التي تُبنى على حسن الاستماع، واحترام الرأي، وترتيب الحديث، هي وحدها التي تُثمر معرفةً وتولد حلولًا. أما المجالس التي تتزاحم فيها الأصوات، فإنها لا تنتج إلا مزيدًا من الجدل، لأن الحقيقة لا تولد من الفوضى، وإنما تُولد من عقلٍ ينصت، ولسانٍ يتحدث في وقته، وقلبٍ يبحث عن الصواب قبل أن يبحث عن الانتصار.
هذا النص يحمل رسالة تتجاوز مجرد الحديث عن أدب الحوار، فهو يدعو إلى احترام قيمة الكلمة، وإدراك أن المعرفة لا تزدهر في بيئة يسودها الضجيج.
عندما تتداخل الأصوات، ويتحدث الجميع في الوقت نفسه، يتحول الحوار إلى صراع لإثبات الذات بدلًا من أن يكون وسيلة للوصول إلى الحقيقة. ففي مثل هذه المجالس لا يصغي أحد إلى الآخر، وكل شخص ينتظر دوره ليتحدث، لا ليفهم. وهنا تفقد الكلمة قيمتها، لأن الفكرة تحتاج إلى عقلٍ منصت قبل أن تحتاج إلى لسانٍ متكلم.
ويرى الكاتب أن الانسحاب من هذا النوع من المجالس ليس ضعفًا أو تعاليًا، بل هو احترام للعقل والوقت. فليس كل مجلس يستحق البقاء فيه، وليس كل نقاش يقود إلى المعرفة. فالحكمة تقتضي أن يختار الإنسان البيئة التي تنمو فيها أفكاره، لأن العقل لا يثمر وسط الفوضى كما لا تنمو الزهرة في أرضٍ جرداء.
كما يلفت النص إلى أن الحوار الحقيقي لا يُقاس بكمية الكلام، وإنما بجودة الاستماع. فالمتحاور الناضج لا يسعى إلى الانتصار على الآخرين، بل يسعى إلى الانتصار للحقيقة، وقد يخرج من الحوار وقد غيّر رأيه إذا وجد دليلًا أقوى، لأن غايته المعرفة لا الغلبة.
وتكمن الفكرة الفلسفية في النص في أن الصمت في مجلسٍ لا يحترم الكلمة قد يكون أكثر حكمة من الكلام فيه؛ لأن الكلمة إذا قيلت في غير موضعها ضاعت، وإذا وُجهت إلى من لا يريد أن يسمع فقدت أثرها. لذلك فإن اختيار الوقت والمكان والمستمعين جزء من حكمة المتحدث، كما أن حسن الإصغاء جزء من حكمة السامع.
الخلاصة:
يريد الكاتب أن يؤكد أن الحوار ليس اجتماع أصوات، بل اجتماع عقول. فإذا غابت آداب الحوار، وضاع الإنصات، وتحول النقاش إلى فوضى، فمن الحكمة أن تنسحب؛ لأن العقل لا يربح شيئًا من الضجيج، بينما يربح الكثير من مجلسٍ يسوده الاحترام، والإنصات، والبحث الصادق عن الحقيقة.

