الرئيسية » (قصة قصيرة ) بعنوان / زمن الريشة والفلقة  بقلم /الكاتب نور الدين بن شقرون
ثقافة

(قصة قصيرة ) بعنوان / زمن الريشة والفلقة  بقلم /الكاتب نور الدين بن شقرون

(قصة قصيرة )

بعنوان /

زمن الريشة والفلقة 

 

بقلم /الكاتب نور الدين بن شقرون

————————-

 

 نحن في فاتح أكتوبر من سنة 1965, كنت وقتها في السابعة من عمري، اليوم سألتحق بالمدرسة الابتدائية لابدأ مشواري الدراسي.

 اصطحبني أبي والتحقنا بصديق للعائلة أستاذ بنفس المدرسة، اخذنا على متن سيارته وقصدنا المؤسسة التعليمية.

 أثناء الطريق، تلقيت عدة نصائح في الانضباط والمثابرة والابتعاد عن الشغب، نصائح يبدأها الاستاذ ليكملها أبي، لكني كنت شاردا شيئا ما ولم اسمع كل ما قيل لأني كنت مشغولا أكثر باكتشاف أجهزة السيارة ومتتبعا حركات سائقها الذي كانت تنبعث منه رائحة عطر لا اشمها إلا في الأعراس. بقيت منبهرا بمظهره الأنيق، بذلة زرقاء من ثوب يلمع وربطة عنق حمراء تسر الناظرين. واتذكر آخر كلمة سمعتها من أبي قبل أن ننزل من السيارة، إذا اجتهدت ستصبح يوما مثل الأستاذ. بقيت هذه الكلمات محفورة في ذاكرتي الصغيرة وبقي الاستاذ الأنيق قدوتي لمدة طويلة، اتوق لأن أصبح يوما مثله.

استقبلنا المدير وكان رجلا أنيقا كذلك، طويل القامة، في الخمسين من عمره، يتكلم عربية دارجة غريبة شيئا ما، لم ائلف سماعها، عرفت فيما بعد انه مغربي يهودي، انيطت به مسؤولية تسيير هذه المؤسسة مؤقتا زيادة على منصبه الرئيسي كمدير لمدرسة أخرى كانت في الجانب الآخر لايفصلنا عنها سوى سور قليل الارتفاع. 

 بعد هذا الاستقبال، دخل علينا رجل متوسط القامة، يلبس جلبابا تخاله عند النظرة الأولى فقيها في “المسيد” وفي يده مسطرة طويلة عليها قليل من غبار الطباشير، فهمت أنه جاء على التو من حصة تدريسية. نظر الي ابي نظرة الآمر ونهضت من مكاني وقبلت يد الرجل الذي أمسك بي وقادني إلى قسم فيه مجموعة من التلاميذ يرددون بصوت عالي سورة الفاتحة.  

أخذت مكاني في القسم وبدأت أعيد قراءة السورة مع المجموعة، وبعد أقل من ربع ساعة أطل علينا المدير من النافذة وبقي يصغي لنا ونحن نردد السورة بعد الأستاذ، وبحركة تشجيعية حتنا على الرفع من أصواتنا اكثر وغادر المكان مبتسما. 

هذه الصورة لهذا المدير بقيت عالقة بذهني، خاصة وأنه كان يستدعي المتفوقين منا ليعطيهم بعض الشوكولاته والحلوى، وكنا نتسابق لذلك بالمثابرة والحفظ.

 هاأنذا تلميذ في قسم التحضيري، وزرتي الزرقاء تلازمني ومحفظتي فيها ثلاث دفاتر من فئة 12 ورقة ومقلمة خشبية فقدت لونها الأصلي بانتشار بقع المداد فوقها. كانت الريشة هي قلمنا والمحبرة هي خزان المداد الذي يجب أن لا ينبض. وكنا ملزمين على إبقاء الدفاتر نقية، بل وتخضع للمراقبة المستمرة من طرف الأستاذ، لذا تجد بقع المداد فوق ملابسنا وأدواتنا المدرسية إلا الدفتر فهو ” مقدس ” ويجب أن يبقى بعيدا عن الوسخ وإلا عوقبنا بدءا بمد اليدين والضرب عليهما الى “الفلقة”، وهي اختراع مغربي فعال تناقلته الأجيال لتربية الأولاد وبكل موضوعية فلقد اثبت فعاليته في تقويم سلوكنا. 

 كنا نقرأ حصة واحدة فقط، وكنت مع مجموعة الحصة الصباحية التي تبدأ من السابعة إلى العاشرة وللوصول إلى المدرسة في الوقت، استيقظ في السادسة صباحا وانطلق في الظلام، خاصة في فصل الشتاء، واجلس القرفصاء إزاء بائع الاسفنج ” السفاج” انتظره حتى يفتح محله ويبدأ في العمل ليناولني أولى مقلياته

كنت اقتني اثنتين من هذا الاسفنج بريال واحد، ومع مرور الوقت أصبح يعتبرني فأل خير عليه ( قدام الربح) ليعفيني من الأداء.

انطلق صوب المدرسة حاملا الاسفنج وهو فطوري الاول في انتظار الفطور الرسمي بالمنزل بعد خروجي من المدرسة في العاشرة. أسارع الخطى لأصل في الوقت، كانت المسافة بعيدة ويلزمني اكثر من أربعين دقيقة للوصول. طيلة هذه السنة الدراسية الأولى، لم أتذكر أن احدا اعترض طريقي أو حاول سرقة محفظتي، كنت أمر عبر الأحياء وانا مرتاح البال وكأن الشارع جزءا من فضاء منزلنا.

 

بعد الحصة الدراسية انطلق من المدرسة كالسهم، أركض مبتهجا وكأني حققت معجزة ولا اقف إلا عند وصولي مستودع الحافلات الرابطة بين المدن والموجود أمام ” بنك المغرب” هناك انتظر ” خال الوالد” لأسلم عليه وبعد جوابي على أحوال الدراسة يكافئني ب 10 ريال كانت تكفيني لعشرة أيام أو أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *