“لَا تَنْصتْ لَهُم..”
بقلم / هدى محمد
عِنْدَمَا يَقُولُ البَعْضُ لَكَ:
أَنْتَ حَسَّاسٌ بِزِيَادَةٍ، وَتَتَأَثَّرُ بِزِيَادَةٍ، وَتَسْتَحِي بِزِيَادَةٍ، وَتَظْلِمُ نَفْسَكَ وَتُفَضِّلُ الآخَرَ عَلَيْكَ بِزِيَادَةٍ..
هُنَا ..؛
لَا تَتَأَثَّرْ وَتَحْزَنْ لِأَنَّكَ (طَيِّبٌ بِزِيَادَةٍ) وَهُمْ لَا يُقَدِّرُونَ طِيبَتَكَ!!
الحَقِيقَةُ “رُبمَا ” لَيْسَتْ فِي الطِّيبَةِ الزَّائِدَةِ، وَلَكِنَّ فِي نَمَط تَعَوَّدْك عَلَى مُرَاقَبَةِ مِزَاجِ الآخَرِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَمَطَ في التَّرْبِيَةِ أَدَّى لِتِلْكَ (البَرْمَجَةِ) الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا الآنَ.
فَأَنْتَ مُنْذُ صِغَرِكَ كُنْتَ تُرَاقِبُ مِزَاجَ مَنْ حَوْلَكَ بِشِدَّةٍ حَتَّى لَا تُغْضِبَهُمْ؛ لِأَنَّكَ تَعَرَّضْتَ لأَذَى نَّفْسِيِّ كَثِيراً مِنْهُمْ. كَانَ يُزْعِجُكَ وَيُرْهِبُكَ صَوْتُهُمُ العَالِي وَتَهْدِيدُهُمْ لَكَ بِالعِقَابِ الشَّدِيدِ عَلَى أَتْفَه الأُمُورِ.
كَانَ الحُبُّ لَكَ مَشْرُوطاً بِاسْتِجَابَتِكَ لِطَلَبٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ بِقِيمَةٍ أَوْ مَجْهُودٍ أَوْ نَتِيجَةٍ تُقَدِّمُهَا لَهُمْ.
كُنْتَ تَنَالُ مَنهُمْ جُرْعَةً بَسِيطَةً مِنَ الحَنَانِ وَالأَمَانِ كُلَّمَا سَمَحَ مِزَاجُهُمْ بِهِ، وَبِفَتَرَاتٍ لَيْسَتْ بِالقَصِيرَةِ أَبَداً؛
لِأَنَّهُمْ كَانُوا دَائِمًا فِي حَالَةِ تَوَتُّرٍ وَعَصَبِيَّةٍ وَقَلَقٍ.!!
المُشْكِلَةُ الأُخْرَى الآنَ:
أَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْسَى مَا مَرَّ عَلَيْكَ وَإِنْ طَالَ عَلَيه الزَّمَنُ؛
لِأَنَّ تِلْكَ الجُرُوحَ مَنْقُوشَةٌ فِي رُوحِكَ الرَّقِيقَةِ. دَائِمًا تُفَكِّرُ لِمَاذَا تَعَرَّضْتَ لِكُلِّ هَذَا الضَّغْطِ العَصَبِيِّ؟
وَتَتَحَسَّرُ لَوْ صَادَفْتَ نَمُوذَجاً سَوِيّاً فِي عَلَاقَةٍ أَمَامَكَ..
وغَالِباً لَا تَنْسَى أَلَمَكَ لِأَنَّكَ تُرِيدُ شَيْئاً وَاحِداً: هُوَ (العِوَضُ)،
بِمَعْنَى أَنْ تَعِيشَ مَا فَقَدْتَهُ مِنْ شُعُورِ أَمَانٍ وَاحْتِوَاءٍ غَيْرِ مَشْرُوطٍ.
وَلِذَلِكَ تُقَدِّمُ الْعَطَاءَ بِزِيَادَةٍ، وَتُرَاعِي الْآخَرِينَ بِزِيَادَةٍ، لِأَنَّكَ ..
أَوَّلًا : تَخْشَى أَنْ تَفْقِدَ حُبَّهُمْ لَكَ،
وَثَانِيًا: أَنَّكَ تَظُنُّ أَنَّ لَدَيْهِمْ نَفْسَ دَرَجَةِ حَسَاسِيَّتِكَ، فَتَخْشَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْزَنَ قَلْبُهُمْ مِثْلَكَ!!
#الحل
أَنْتَ بَالِغٌ (ابنُ اليَوْمِ) الآنَ، وَلِذَلِكَ لَنْ يُفِيدَكَ سِجْنُكَ فِي ذِكْرِيَاتِ المَاضِي، لإِنَّهَا سَتَكُونُ دَائِمًا العَائِقَ أَمَامَ تَطَوُّرِكَ وَشِفَائِكَ مِنَ الحَسَاسِيَّةِ المُفْرِطَةِ. سَامِحْ مَنْ آذَاكَ، وَقَدِّمْ لَهُ المُبَرِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنْ يُقَدِّمَ لَكَ إِلَّا هَذَا الحُبَّ المَشْرُوطَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ أَيْضاً لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهُ..!!
الْحَسَاسِيَّةُ الْمُفْرِطَةُ هِيَ قَيْدٌ كَبِيرٌ عَلَى حُرِّيَّةِ تَعْبِيرِكَ وَرَدِّ فِعْلِكَ، فَتَجْعَلُكَ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ لِأَنَّكَ تَرْغَبُ فِي شَيْءٍ، وَلَكِنْ تَقُولُ وَتَفْعَلُ شَيْئًا آخَرَ لَا تَرْغَبُهُ!!
لَا تُرَاقِبْ مِزَاجَ الْآخَرِ وَلَا تَتَأَثَّرْ بِهِ، فَأَنْتَ أَيْضًا لَكَ مِزَاجٌ يَتَغَيَّرُ، وَلَكِنَّكَ تَكْبِتُهُ مِنْ أَجْلِ مِزَاجِ الْآخَرِينَ..!
الآنَ..،
قَدِّمْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ الحُبَّ غَيْرَ المَشْرُوطِ، وَسَامِحْ نَفْسَكَ عَنْ أَيِّ خَطَأٍ.
ارْتَقِ بِنَفْسِكَ بِأَنْ تُوَفِّرَ طَاقَتَكَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ.
حُدَّ مِنْ اِنْدِفَاعِ العَاطِفَةِ قَبْلَ العَقْلِ لَدَيْكَ.
فَلَا تَتَأَثَّرْ كُلَّ التَّأَثُّرِ بِالغَيْرِ، وَلَا تَكُنْ جَاحِداً أَيْضاً، وَلَا تَنْبَهِرْ كَثِيراً عِنْدَ مَدْحِ الآخَرِينَ لَكَ فَتَرُدَّ لَهُمُ المَدْحَ وَالمُجَامَلَةَ عَلَى حِسَابِ تَقْدِيرِ ذَاتِكَ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِكَ..
“فَخَيْرُ الأُمُورِ الوَسَطُ دَائِماً ” .

