بقلم : شريف السبع
باحث في الشؤون العمالية
أمراء التعهيد وجيوش الهشاشة: التفكيك البنيوي لاستغلال العمالة في قطاعات الأمن والخدمات
يقف حارس الأمن على بوابة المجمع السكني الفاخر بالمدن الجديدة، أو على أرصفة المترو والقطارات، مرتدياً زيه الموحد بدقة، ليمثل للوهلة الأولى مظهراً من مظاهر النظام والانضباط المؤسسي. غير أن خلف هذا الثبات الظاهري، تقبع إحدى أكثر صور الهشاشة العمالية تعقيداً في الاقتصاد الخدمي الراهن. لم تعد شركات الأمن والحراسة وخدمات إدارة المنشآت مجرد وسيط لتوفير العمالة، بل تحولت إلى نموذج اقتصادي محكم يُشرعن سحق العمال وتسنيع أجسادهم لحساب تراكم أرباح كيانات نافذة.
أولاً: الثغرة التشريعية والتحايل على القانون
على العكس من عمال الخدمة المنزلية الخاضعين لاستثناءات المادة (4) من قانون العمل، يخضع أفراد الأمن وعمال الخدمات بالشركات الخاصة لأحكام التشريعات العمالية المنظمة. ورغم صدور قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 للتضييق على ممارسات “استمارة 6” وتقييد العقود المؤقتة، إلا أن الشركات استطاعت تحييد هذا الأثر عبر آليات التشغيل الميداني:
ابتلاع الأجر الإضافي: فرض نظام “الورديات المفتوحة” (12 ساعة يومياً / 312 ساعة شهرياً) مع دمج ساعات العمل الإضافية داخل “الراتب الشامل” الصوري، لتنحدر قيمة ساعة العمل الفردية إلى ما بين 11 و19 جنيهاً.
الالتفاف على الحد الأدنى للأجور: تثبيت الأجر الفعلي بين 5000 و6000 جنيه لحراس الأمن، وأقل من ذلك لعمال النظافة والخدمات (3500 – 5000 جنيه)، وهو ما يحقق للشركات هامش ربح صافٍ يتجاوز 60% من قيمة العقود المبرمة مع المنشآت المخدومة.
تحويل مخاطر التشغيل للعامل: اقتطاع أثمان الزي الموحد (السيميجورم) والتجهيزات من الراتب الأساسي، وتوظيف الجزاءات الإدارية الصارمة لتقليص الأجر الفعلي.
ثانياً: هندسة الديموغرافيا وغياب القوة التفاوضية
تعتمد شركات الحراسة والخدمات استراتيجية تشغيلية قائمة على استقطاب الفئات الأقل قدرة على التفاوض والمطالبة بالحقوق:
الطلاب والشباب (17 – 18 عاماً): عمالة مرنة مؤقتة، تُستغل لتقليل الالتزامات التأمينية الممتدة وتسهيل فرض الورديات الشاقة في الإجازات.
كبار السن وأصحاب المعاشات: فئة تفتقر للخيارات البديلة، يُستغل احتياجها المالي للقبول بشروط عمل مجحفة مع الإعفاء الضمني للشركة من التغطية التأمينية المزدوجة.
تفريغ الفئة العمرية المتوسطة (25 – 45 سنة): انسحاب طبيعي لهذه الشريحة لعدم كفاية الأجور لمتطلبات الإعالة الأسرية، مما يحوّل القطاع إلى “ممر مؤقت” يفقد الاستقرار الوظيفي.
ثالثاً: النفوذ السياسي واحتكار إدارة المرفق
تستند قوة هذا القطاع إلى شبكات النفوذ والاتصالات السياسية التي يتمتع بها مالكو هذه الشركات؛ وهو ما يوفر حماية شبه كاملة ضد آليات التفتيش العمالي والسلامة والصحة المهنية. يُفرغ هذا النفوذ النصوص القانونية والحماية التنظيمية من مضمونها، ويمنع نشوء أي شكل من أشكال اللجان النقابية أو التمثيل العمالي المستقل، محولاً هذه الشركات إلى “إقطاعيات تشغيلية” خالية من الرقابة.
رابعاً: الاستنزاف في المدن الجديدة ومرافق النقل
يتجلى هذا النموذج التشغيلي بأقسى صوره في قطاعين حيويين:
مرافق النقل والمواصلات: تحميل أفراد الأمن مسؤوليات ضخمة تتعلق بسلامة ملايين الراكبين يومياً، دون بدلات مخاطر أو حتى توفير اشتراكات انتقال مجانية في المرفق الذي يحمونه.
المدن الجديدة والمجمعات المغلقة: الدمج الوظيفي المجاني لعمال النظافة والخدمات والحراسة، وحشر العمال في سكن إداري غير آدمي للتهرب من التكلفة التشغيلية، واحتجاز الفارق المالي الضخم الناتج عن العقود المبرمة مع الشركات العقارية.

إن إصلاح هذا القطاع لا يتوقف عند حدود صياغة النصوص التشريعية، بل يتطلب تفعيل التفتيش العمالي المستقل، وتفكيك آليات التعهيد الجائرة، وفرض رقابة صارمة على العقود المبرمة بين أرباب الأعمال وشركات الحراسة، لضمان ألا تظل رفاهية المدن وحماية المرافق قائمة على أجساد شريحة تُسلب كرامتها وحقوقها يومياً
نهب تحت سقف القانون: العرق المهدور لحُرّاس المجمعات وحفاة الخدمات

