الرئيسيةمقالاتإذا كان الإنسان خليفة الله في الأرض… فلماذا نحن متخلفون؟ صرخة في وجه حضارة نسينا أن الإنسان هو حجر أساسها
مقالات

إذا كان الإنسان خليفة الله في الأرض… فلماذا نحن متخلفون؟ صرخة في وجه حضارة نسينا أن الإنسان هو حجر أساسها

إذا كان الإنسان خليفة الله في الأرض… فلماذا نحن متخلفون؟ صرخة في وجه حضارة نسينا أن الإنسان هو حجر أساسها

أنا عبد المجيد عبوبي، أكتب هذه الكلمات لا من موقع من يوزّع الاتهامات، ولا من برج المثقف الذي يراقب المشهد من بعيد، وإنما من حرقة رجل يؤلمه أن يرى الإنسان العربي يمتلك تاريخاً عظيماً، وفكراً عظيماً، وديناً عظيماً، ثم يعيش في كثير من الأحيان بعيداً عن الإمكانات التي يختزنها.
لقد شغلتني طويلاً فكرة واحدة: لماذا تتقدم أمم وتتراجع أمم؟
وأجدني أعود دائماً إلى الإنسان.
فالإنسان هو البناء الحقيقي للحضارة. ليست الأبراج حضارة، ولا الطرق، ولا المصانع، ولا الثروات وحدها. كل ذلك نتائج لإنسان تعلّم، وفكّر، وأبدع، وشعر أن له قيمة وأن عقله وكرامته وطاقته ليست أشياء هامشية.
ولهذا أقولها بوضوح:
كل بلد لا يعطي الإنسان قيمته، إنما يهدم مستقبله بيده.
الغرب لم يتقدم لأنه يملك سراً سحرياً، وإنما لأنه نجح، في مراحل تاريخية طويلة، في تحويل الإنسان إلى مركز أساسي في مشروعه: تعليماً، وعلماً، وحقوقاً، ومؤسسات، ومساحة واسعة للتفكير والمبادرة والإبداع.
حين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة، وأن عقله ليس جريمة، وأن اجتهاده يمكن أن يصنع الفرق، فإنه يعطي.
يعطي في الجامعة، والمختبر، والمصنع، والإدارة، والفن، والأدب والسياسة.
العلم لا يعيش في بيئة تهين الإنسان. والإبداع لا يزدهر في بيئة تخاف من السؤال. والحضارة لا تُبنى بعقول يُطلب منها أن تطيع فقط.
وهنا تأتي المفارقة التي تؤلمني أكثر.
نحن أبناء حضارة قالت منذ قرون إن الإنسان خليفة في الأرض.
وهذه ليست عبارة عابرة.
إنها تحمل، في تأويلها الفلسفي، معنى بالغ العمق: الإنسان كائن مكرّم، لكنه أيضاً كائن مسؤول؛ أُعطي العقل لكي يعمر، والقدرة لكي يصلح، والعلم لكي يكتشف، والإرادة لكي يصنع.
إنها فلسفة كاملة يمكن اختزالها في ثلاث كلمات:
كرامة… ومسؤولية… وعمران.
ثم يأتي ابن خلدون ليضع أمامنا درساً آخر: الحضارات لا تقوم بالمال وحده، وإنما بالإنسان والعمل والعمران والعدل وتنظيم الاجتماع البشري.
فأين الخلل إذن؟
هل المشكلة في الإنسان العربي؟
لا أؤمن بذلك.
هل المشكلة في الإسلام؟
أرفض هذا التفسير.
المشكلة، في رأيي، تبدأ عندما تتحول الأفكار العظيمة إلى شعارات، ولا تتحول إلى مؤسسات وثقافة وسلوك يومي.
نقول إن الإنسان خليفة في الأرض، لكن هل نعطيه تعليماً يليق بهذه الخلافة؟
نقول إن العلم فريضة وقيمة، لكن كم نضع فعلاً للبحث العلمي؟
نقول إن العدل أساس العمران، لكن هل يشعر المواطن أن العدالة تحميه؟
نقول إن العقل نعمة، فهل نترك لهذا العقل أن يسأل ويناقش ويختلف ويبدع؟
هنا تكمن المأساة.
قد نمتلك أعظم الأفكار، لكننا نتخلف عندما نعجز عن تحويل الفكرة إلى مؤسسة، والقيمة إلى ممارسة، والإنسان إلى مشروع حضاري.
أنا لا أكتب هذا الكلام إعجاباً أعمى بالغرب، ولا احتقاراً لذاتنا.
أنا أكتب لأنني أؤمن أن الإنسان العربي يستحق أكثر.
يستحق أن يكون مواطناً لا رقماً.
وعقلاً لا تابعاً.
وشريكاً في صناعة المستقبل لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يوقظنا ليس:
لماذا الغرب متقدم؟
بل السؤال الأكثر إيلاماً:
ماذا فعل الغرب بالإنسان حتى استطاع الإنسان أن يفعل كل ذلك؟ وماذا فعلنا نحن بالإنسان حتى عجز عن أن يفعل ما يستطيع؟
ربما هنا يبدأ طريق الخروج من التخلف.
أن نعيد اكتشاف الإنسان.
أن نعيد للعلم مكانته.
أن نعيد للكرامة معناها.
أن نعيد للعقل حريته.

إذا  كان الإنسان خليفة الله في الأرض… فلماذا نحن متخلفون؟
صرخة في وجه حضارة نسينا أن الإنسان هو حجر أساسها
وأن نفهم أخيراً أن الحضارة لا تبدأ عندما نبني الحجر، وإنما عندما نبني الإنسان الذي يستطيع أن يبني الحجر.
أنا عبد المجيد عبوبي، أقولها من حرقة مثقف لا يريد أن يرى أمته سجينة ماضيها:
لن نبني حضارة جديدة بالحديث المستمر عن حضارتنا القديمة، بل ببناء الإنسان الذي يستطيع أن يصنع حضارة جديدة.
فإذا كان الإنسان خليفة في الأرض…
فلماذا لا نمنحه بعدُ المكان الذي يليق بهذه الخلافة؟

إذا كان الإنسان خليفة الله في الأرض… فلماذا نحن متخلفون؟
صرخة في وجه حضارة نسينا أن الإنسان هو حجر أساسها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *