الحزن الذي لا يُنسى.. عندما يرحل السند
بقلم: وفاء عبد الغفار
الابن والابنة يحزنون على الأب والأم إذا توفاهما الله. يبكون، ويتألمون، ويشعرون أن جزءًا من أرواحهم قد اقتُطع. فالأب كان الأمان، والأم كانت الحنان، والبيت بعدهما لم يعد كما كان.
لكنها سنة الحياة. تمضي الأيام، وتدور عجلة العمر. يتزوج الابن، وتتزوج الابنة، وتبدأ لهما حياة جديدة بمسؤوليات جديدة، وبيت جديد، وأبناء يملؤون عليهم الدنيا. شيئًا فشيئًا، تخف حدة الفقد، لا لأن الحب مات، ولكن لأن انشغالات الحياة ألقت بظلالها على الذاكرة. يبقى الأب والأم ذكرى عطرة، ودعوة صادقة، ودمعة تفلت في مناسبة، لكن الحزن الحارق يهدأ.
أما الحزن على الزوج إذا توفاه الله.. فحكاية أخرى تمامًا.
الزوج ليس مجرد فرد في العائلة. هو السند، والظهر، والكتف الذي تميل عليه المرأة حين تميل بها الدنيا. هو الأمان الذي تنام في ظله دون خوف، وهو الستر الذي يحفظ كرامتها، وهو شريك الرحلة بتفاصيلها كلها: المرة قبل الحلوة، والضيق قبل الفرج.
حين يرحل الزوج، لا ترحل معه ذكرى فقط، بل يرحل معه الحاضر كله. تنام المرأة فتستيقظ على صمت موحش في البيت. تمتد يدها فلا تجد يده. تمر أزمة فلا تجد من يقول لها “أنا جنبك”. تحتاج قرارًا فلا تجد من تستشيره وتطمئن لرأيه.
الابن والابنة يستكملان حياتهما في بيوتهما، ومع أزواجهما، ومع أولادهما. أما الزوجة فتبقى في نفس البيت، ونفس الغرفة، ونفس السرير الذي نقص منه النصف الآخر. كل ركن يصرخ بالغياب، وكل تفصيلة تذكرها أنه كان هنا.. ولم يعد.
لهو الحياة قد يُنسي الأبناء شويه، وهذا طبيعي. لكن لهو الحياة لا يُنسي الزوجة زوجها، لأن فراغه لا يملؤه أحد. لأن دور الأب يمكن أن يعوضه جزء منه الجد أو الخال أو حتى الذكرى، أما دور الزوج والسند فلا يعوضه بشر.
الحزن على الأب والأم وجع الفرع للأصل. أما الحزن على الزوج فهو وجع انقسام الروح. هو أن تعيش بنصف قلب، ونصف نفس، ونصف حياة.
لذلك كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث”، وكان الزوج الصالح لزوجته هو العمل الصالح الذي لا ينقطع أثره حتى بعد موته.. يبقى في كل دعوة، وفي كل صبر، وفي كل دمعة تنزل شوقًا لا قهرًا.
فرفقًا بكل أرملة.. فحزنها لا يشبه أي حزن.
الحزن الذي لا يُنسى.. عندما يرحل السند

