اللهم بلّغنا زيارة بيتك الحرام
هنا نابل
بقلم المعز غَنِـي
ليتك تقرأ كلماتي فتجد بينها شيئًا منك، شيئًا يوقظ في داخلك رجفةً لا تعرف لها اسمًا، أو ليتك كنت كاتبًا يعرف كيف يُنصت للحروف، حتى تصل المشاعر إلى تلك المنطقة التي تعجز فيها اللغة عن قول ما في القلب.
هناك أمنيات لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالدمع…
وأمنيات لا نطلبها من الدنيا، وإنما نرفعها إلى السماء بأيدٍ مرتجفة وقلوبٍ أنهكها الطريق:
اللهم بلّغنا زيارة بيتك الحرام.
اللهم أرزقنا وقفةً أمام الكعبة الشريفة، حيث تتساقط من القلب كل الأقنعة، وتسكت ضوضاء الدنيا، ولا يبقى بين العبد وربّه إلا دعاء صادق، ودمعة خاشعة، وقلب يقول:
يا رب… ها أنا ذا، أتيتك.
كم من إنسان كان يحلم بهذه الرحلة ثم سبقته الأقدار…
وكم من إنسان أعدّ حقيبته، ولم يُكتب له أن يحملها…
وكم من عينٍ كانت تتمنى أن ترى البيت العتيق، فأغمضت قبل أن تراه.
لذلك، لا تؤجلوا الدعاء، ولا تؤجلوا التوبة، ولا تؤجلوا إصلاح ما يمكن إصلاحه.
فـقطار العمر لا ينتظر أحدًا…
وعقارب الساعة لا تعرف الرحمة…
والمحطة تقترب، سواء شئنا أم أبينا.
نركض خلف الدنيا وكأننا باقون فيها إلى الأبد، نخاصم من أجل أشياء تافهة، ونحزن على ما فات، ونلهث وراء المال والمكانة والجاه، ثم نكتشف متأخرين أن أجمل ما تمنيناه لم يكن قصرًا ولا منصبًا ولا رصيدًا، وإنما سجدة صادقة، وقلب مطمئن، وخاتمة طيبة، وزيارة إلى بيت الله الحرام.
يا رب…
إن كانت لنا عندك أمنية لم نستطع تحقيقها، فأنت القادر عليها.
وإن كانت ذنوبنا قد أثقلت ظهورنا، فرحمتك أوسع منها.
وإن كانت خطايانا قد أبعدتنا، فبابك لا يُغلق في وجه من عاد إليك.
وإن كان العمر قد مضى منه الكثير، فلا تحرمنا بركة ما بقي.
اللهم أغفر لنا ما مضى، وأصلح لنا ما بقي، وتغمّدنا برحمتك، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا.
اللهم أجعل ما بقي من أعمارنا أجمل مما مضى، وأقرب إليك، وأهدأ قلبًا، وأنقى سريرة.
اللهم أرزقنا زيارةً إلى مكة لا تسبقها مصيبة، ولا يعقبها حزن.
اللهم أرزقنا الطواف حول بيتك، والسعي بين الصفا والمروة، والشرب من زمزم، والصلاة في رحاب الحرم، ودمعةً تسقط من العين وأنت تعلم وحدك ماذا كانت تحمل.
اللهم لا تحرم مشتاقًا من بلوغ بيتك.
اللهم أكتبها لمن قرأ هذه الكلمات وتمنّاها من قلبه.
اللهم أكتب لنا عمرةً مقبولة، وحجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، ودعاءً مستجابًا، وقلبًا لا يعود بعد البيت كما كان.
فما أجمل أن يصل الإنسان إلى المكان الذي طالما أشتاق إليه، وهو يحمل قلبًا خفيفًا من الأحقاد، وروحًا متصالحة مع نفسها، ويدين مرفوعتين إلى السماء تقولان:
يا رب… تأخرنا كثيرًا، لكننا لم نيأس من رحمتك.
وفي النهاية…
حين يسرع قطار العمر، لا يبقى لنا إلا ما قدمناه لله، وما تركناه من أثر طيب في قلوب الناس.
أما المال فيُقسم، والمناصب تزول، والجاه ينتهي، والصور القديمة تصفرّ، والوجوه التي عرفناها تتغير…
لكن يبقى شيء واحد لا يضيع:
رحمة الله.
فيا رب، قبل أن تبلغ بنا محطة الرحيل، بلغنا محطة الرجوع إليك.
وقبل أن نغادر هذه الدنيا، أرزقنا لحظةً نشعر فيها أننا كنا قريبين منك كما ينبغي.
اللهم بلّغنا بيتك الحرام…
اللهم لا تجعلها أمنيةً نرددها فقط، بل أجعلها واقعًا نعيشه.
اللهم أغفر لنا ما مضى، وأصلح لنا ما بقي، وتغمّدنا برحمتك، وارزقنا حسن الخاتمة.
يااااااا رب… 

آمين يا رب العالمين.

