الرئيسيةمنوعاتقانون لردع مرتكبي جرائم عقوق الوالدين.. ضرورة مُلحة
منوعات

قانون لردع مرتكبي جرائم عقوق الوالدين.. ضرورة مُلحة

قانون لردع مرتكبي جرائم عقوق الوالدين.. ضرورة مُلحة

متابعه احــــمد القـــــــطعاني

قانون لردع مرتكبي جرائم عقوق الوالدين.. ضرورة مُلحة

بقلم الاستاذ أيمن عـــــبدالمـــجيد : بسيارتها الفارهة، أقلّت السيدةُ المتحققةُ ماديًا ومهنيًا، سيدةً مسنةً صاحبة وجه طفولى لم تفلح تجاعيد الزمن فى العبث بملامح براءته وسمات صلاحه.

التقت السيدة الثرية مدير دار المسنين، المقامة بطابقين علويين بعمارة بالحى الراقى بالقاهرة، فمؤسسها المتكفل بنفقات روادها، فقد ابنه ضابط القوات المسلحة شهيدًا، قبل أن يتزوج، فقرر أن يقيم مشروع دار المسنين صدقة على روحه، بميراثه الذى كان سيتركه له وما تحصل عليه من مستحقاته، مشترطًا أن تكون الحالات التى يتم استضافتها وكفالتها إنسانية بلا عائل ولا مأوى.
قالت له «فاعلة الخير»: إن السيدة التى اصطحبتها إلى الدار، عثرت عليها فى الشارع، فهى بلا مأوى ولا تعلم لها عائلًا يكفلها أو يتسلمها، وعلى الفور أنهت الدار الإجراءات لاستضافة السيدة المسنة، وإثبات بيانات فاعلة الخير التى نقلتها وسلمتها للدار.
«بنتى سابتنى وراحت فين؟»، تساؤل كررته السيدة المسنة على العاملين بالدار، فور رحيل «فاعلة الخير» التى أدخلتها الدار.
– بنتك مين يا حاجة؟
– بنتى.. اللى كانت معى من شوية.
– متأكدة أنها ابنتك؟
تجاهد السيدة التى أنهكتها السنون للرد بعبارات تغلفها الدهشة والحزن: «أيوة».
مدير الدار يصاب بالدهشة، فهى دار لغير القادرين بلا عائل ولا مأوى هذا هدفها، وليست لآباء وأمهات الأبناء العاقين القادرين على الرعاية والإنفاق على ذويهم.
على الفور حرر مؤسس الدار ومديرها محضرًا فى قسم الشرطة، للتحقق من إذا ما كانت السيدة التى حصلت الدار على بياناتها عند تسلم المسنة للدار ابنتها فعلًا أم أنها فاعلة خير سعت لإنقاذها؟
وأثبتت التحقيقات مفاجأة صادمة للثوابت الإدراكية التى رسختها، قيمنا الدينية إسلامية ومسيحية، ومنظومتنا الأخلاقية.. السيدة الثرية ليست فاعلة خير كما زعمت، بل هى ابنة عاقة!
الابنة العاقة تعيش مع زوجها فى «فيلا» فى حى راقٍ، سعت للتخلص من والدتها، إرضاءً لزوجها الذى لا يرضى عن استمرار وجودها معها فى «فيلا» الزوجية!
كان العام 2020 وما سبقه وتلاه من أشهر، عام أصيبت فيه نفسى وقلبى بجراح، ما خبرته وعايشته من مآسٍ إنسانية، لكن لطف الله أن النماذج المشرفة والبطولية لمثل مؤسس الدار وغيره من الأبناء والأشقاء الأوفياء كان كفيلًا بتضميد جراح النفس والقلب والتأكيد أن مصر لا تزال بخير.
فى تلك الفترة كنت مسؤولًا عن ملف الرعاية الاجتماعية والصحية بنقابة الصحفيين، لأعايش المآسى والبطولات، فى ذلك المساء كنت مصطحبًا أستاذة قديرة تقدمت بها السن وهى بلا عائل إلى تلك الدار قبل أن أعلم فلسفتها وشروطها، التى رواها المالك عندما أصررنا على دفع نفقات الرعاية والإقامة، وأمام إصرارنا روى قصة السيدة الثرية العاقة.
كانت مصر وغيرها من دول العالم فى حجر منزلى عام، وفى مثل تلك الأوقات العصيبة، تضاعفت معاناة حالات المسنين بلا عائل، خاصة الذين هجرهم أبناؤهم وذووهم العاقون.
أجدد التأكيد أن الجسد بخير، والغالبية العظمى كانت تقدم بطولات فى كل المجالات، ويومًا سيأتى الوقت الذى أكتب فيه بعضًا من تلك البطولات التى عايشتها، لكن المجال هنا لمواجهة الثغرات سعيًا لإصلاحات تشريعية رادعة لجرائم عقوق الأبناء والأشقاء.
تذكرت تلك المأساة، بعدما فجع مجتمعنا الراسخ أخلاقيًا، بجرائم دخيلة تدق ناقوس الخطر، فها هو ابن مجرم عاق، يتجرد من معانى الإنسانية، والرحمة ويعتدى على والدته حتى تفارق الحياة.
تخيل سيدة مسنة عمرها 75 عامًا، منهكة القوى، وربما لا يسعفها وعيها وذاكرتها على تذكر نوع طعامها الذى تناولته من دقائق، أشبه فى تلك المرحلة العمرية بطفلة صغيرة، تحتاج إلى حضن الابن الذى حملته فى أحشائها تسعة أشهر، وغذته من ثديها، وكفلته ورعته، واحتوت فى حضنها فى سنوات ضعفه، حيث كانت شابة فتية تسهر على حمايته حتى من لسعة البرد.
تخيل تلك الأم الطاعنة فى السن، يعتدى عليها ابنها العاق ضربًا حتى تفارق الحياة، فيرشده شيطانه، لدفنها فى غرفة نومها، ببناء جدار ثانٍ لتصبح مقبرتها بينهما، ويزعم عامين كاملين أنها خرجت ولم تعد، قبل أن تكتشف جريمته، وتعثر الشرطة على هيكلها العظمى الذى تبقى من رحلتها فى الحياة.
وسيدة أخرى كانت تتاجر بشعارات حقوق الإنسان والمرأة، وتعتلى منابر غير مهنية عبر شاشات بعض الفضائيات، تتجرد من الإنسانية، وتقتل والدتها المسنة البالغة من العمر 73 عامًا، ولا تكتفى بإزهاق روحها بل تتجرأ وتقطع جسدها، وتحرق وجهها لإخفاء معالمه.
تلك الجرائم البشعة، وغيرها لم تصل مباشرةً إلى إزهاق الروح أو إلقاء الأب أو الأم فى الشارع بلا مأوى أو العقوق السلبى بالهجر التام، بل تبدأ بعقوق لفظى، واعتداء جسدى -والعياذ بالله- وصولًا إلى ما طالعناه مؤخرًا من جرائم القتل ومحاولات طمس أدلة الجريمة.
وأمام تلك الجرائم المتدرجة، وكون قوانين العقوبات، تواجه جرائم السب والقذف والاعتداء الجسدى، وإزهاق الروح بعقوبات تناسب كل جريمة، حال ارتكابها بحق أى إنسان، إلا أننا -فى رأيى- فى أمسّ الحاجة الآن إلى قانون يجرم العقوق ويردعه.
فرغم أن أساس مواجهة تلك الجرائم، يكمن فى الأساس فى أسس التنشئة الأسرية، وما يغرس فى نفوس النشء من قيم أخلاقية ودينية، إلا أن خروقات المنظومة الأخلاقية تتطلب أيضًا مجابهة تشريعية خاصة لردع العاقين من ذوى القربى.
فهناك من صور العقوق ما لا يجرمه القانون ويحدد له عقوبات رادعة، مثل:
-1 العقوق السلبى بهجر الأبناء لآبائهم أو أمهاتهم الأولى بالرعاية.
-2 الإيذاء اللفظى والنفسى والبدنى.
-3 حرمان الأجداد من رؤية الأطفال الأحفاد.
-4 الامتناع عن كفالة الآباء والأمهات الذين لا يتوفر لهم دخل كاف لتلبية متطلبات المعيشة والعلاج مع قدرة الأبناء.
وغيرها من الحالات العديدة التى تدخل فى دائرة العقوق، ويمكن تنظيمها تشريعيًا لمجابهة سلبياتها والحد من خطورة تفشيها داخل المجتمع.
أعلم أن هذه القضية بالغة الحساسية والخطورة، ومتشابكة الأبعاد، فعقاب الأبناء العاقين، يمكن أن يكون فى الوقت ذاته عقوبة للآباء والأمهات أنفسهم، فما أقسى شعور الوالدين الذين يصاب أبناؤهم بأذى وإن كانوا عاقين، لكن تلك قضية تتطلب دراسة وبحثًا دقيقًا لمواجهتها تربويًا ودينيًا وإعلاميًا وتشريعيًا، ودائمًا سنجد شواذ عن القاعدة يتطلب إصلاحهم إجراءات رادعة.
وهنا يمكن الموازنة التشريعية بين فلسفة العقوبة وأهدافها، والردع المتدرج، بأن تتخذ الإجراءات القانونية ضد مرتكب الجريمة، مع إمكانية تجميد الإجراءات بتعهد عدم تكرارها والالتزام برعاية الآباء، مع إخضاع المتهم لجلسات إرشاد نفسى ودينى، بحسب ديانته، بما أوصى به الله سبحانه وتعالى من بر الوالدين وتعريفه بالجزاء الدينى والعقوبات القانونية للعقوق مع تغليظ العقوبة فى حالات العود.
كما أرى أهمية أن يتضمن التشريع المقترح، حماية للمسن بلا عائل حال تعرضه للهجر أو العقوق المتكرر، بما يعرض حياته للخطر، كأن يكون الابن فى غير حالته النفسية الطبيعية، نتيجه أمراض نفسية أو تعاطى مخدرات أو سلوك إجرامى.
وقد اجتهد المشرع المصرى فى القانون 19 لسنة 2024 بإصدار قانون رعاية حقوق المسنين، لتحقيق هدفه الذى نصت عليه المادة «1»: « حماية ورعاية، المسن، وكفالة تمتعه بجميع الحقوق الاجتماعية والسياسية والصحية والثقافية والترفيهية وغيرها من الحقوق، وتوفير الحماية اللازمة له وتعزيز كرامته وتوفير حياة كريمة له».
وفى هذا القانون سعى المشرع فى 48 مادة إلى حماية تلك الحقوق، لكنه أغفل خطورة أن يكون الراعى للمسن الأولى بالرعاية هو المهدد لأمنه وسلامته، فى الوقت الذى تفرض الفطرة الإنسانية أن تكون أعلى درجات الرعاية والأمان فى كنف الأبناء والأحفاد والأشقاء.
وهنا ما أتحدث عنه حول الردع القانونى للعقوق بوصفه جريمة مستقلة، ذات أبعاد متشابكة إنسانية ودينية وأخلاقية، تتطلب دراسة مستفيضة لأبعادها، وفى الشق القانونى، الجهات ذات الحق فى تحريك الدعوى، وآليات إثبات ارتكاب الجريمة فى ظل حالات تعانى من ألزهايمر والوعى غير المُكتمل.
وهنا تكون آثار جريمة العقوق مضاعفة، فالوالدان أو أحدهما فى مرحلة ضعف وأكثر احتياجًا ووعى غير مكتمل، وعقوبة العاق هنا تستوجب نقلهم لبيئة حماية بديلة.
وفى قانون رعاية المسنين، جرم القانون:
-1 «الإساءة: سوء المعاملة المادية أو المعنوية للمسن، كالحرمان من الطعام أو الدواء أو الاعتداء اللفظى أو المادى أو تقييد الحرية».
-2 «الإهمال: التقصير فى توفير الرعاية المناسبة أو الإشراف أو تقديم الضروريات للمسن إلى الحد الذى ينتج عنه ضرر».
وفى المادة 24 حدد القانون حالات تعريض المسن للخطر ووضع منها:
فقرة -3 «إلحاقه بمؤسسات خاصة بغرض التخلص منه فى غير الحالات التى تستوجب ذلك الإلحاق».
وحدد قانون رعاية المسنين المسئول عن كفالة المسن، فى المادة «7» التى تنص على: «تتكاتف الأسرة فى رعاية مسنيها وتوفير احتياجاتهم الضرورية ويتولاها كل من الزوج أو الزوجة ما داما كانا قادرين على أدائها، فإذا تبين عدم توفر هذه الرعاية كان المكلف بها قانونا بحسب الترتيب الأولاد، ثم أولاد الأولاد ثم الإخوة وإذا تعدد أفراد الفئة اختاروا من بينهم من يتولى رعاية المسن، وإذا لم يتفقوا بينهم ولم يتقدم أحد أقارب المسن لرعايته، ترفع الوزارة المختصة الأمر إلى رئيس محكمة الأسرة المختصة ليصدر أمرًا على عريضة بتكليف من يتولى من الأقارب المشار إليهم أو من غيرهم رعاية المسن أو تقرير إقامته فى إحدى المؤسسات الاجتماعية لرعاية المسن بحسب كل حالة وظروفها الخاصة».
وهنا ثغرات لا تواجه العقوق، لأنه وضع الزوج أو الزوجة حال قدرتها مسئولين بالدرجة الأولى عن رعاية الشريك، وأغفل العقوق بالهجر سالبًا، وبالإهمال والإيذاء النفسى وغير ذلك من صور العقوق، ونتفهم ذلك لأنه قانون هدفه رعاية المسن وليس قانونًا خاصًا بالعقوق.
وفى باب العقوبات بقانون رعاية المسنين، الذى اهتمّ بنسب خصم فى الخدمات لمن تجاوز الستين، وكفالة الحق فى التصويت فى الانتخابات والترشح والاستعانة بمرافق حال تطلبت حالته ذلك، وضع المشرع عقوبة السجن المشدد والغرامة التى لا تقل عن ألفى جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه من زوّر بطاقة المسن الأولى بالرعاية أو استعملها مع علمه بالتزوير وكل موظف عام قصد تزوير بياناته.
وفى المادة 46 من قانون رعاية المسنين: «يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل شخص مكلف برعاية شخص المسن أهمل فى القيام بواجباته نحوه أو اتخاذ ما يلزم للقيام بهذه الواجبات أو تحصل لنفسه على المساعدة المالية المقررة للمسن».
وهنا العقوبة تقع فقط عن «المكلف بالرعاية» سواء كان عاملين فى دار لرعاية المسنين، أو من كلفه قاضى محكمة الأسرة بموجب عريضة، ولا تعاقب كل من يستوجب عليه تحمل المسئولية من الأبناء والأحفاد بصلة الدم وتعاليم الدين وقيمنا الأخلاقية والاجتماعية.
لذا نحتاج لاستراتيجية متكاملة لترسيخ قيم بر الوالدين، وإيصال ذوى القربى، وردع جرائم العقوق، بل وحماية أيضًا الأبناء من عقوق بعض الآباء الذين يهملون تربيتهم وتوفير متطلباتهم فى طفولتهم المبكرة بداية من الاختيار الصحيح للأزواج وما يلى ذلك من متطلبات الحماية والتنشئة السليمة.
أقولها بكل صدق، على أعضاء مجلسى النواب والشيوخ تحمل مسئولياتهم المجتمعية والوطنية، والتصدى تشريعيًا ورقابيًا لآفات باتت تهدد نسيج المجتمع وقيمه وثوابته الأخلاقية والدينية. كونوا على قدر المسئولية التى كتب الله لكم تحملها.
ولا أفضل من الختام بقول الله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا «23» وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) «24».
صدق الله العظيم
سورة الإسراء
حفظ الله مصر

قانون لردع مرتكبي جرائم عقوق الوالدين.. ضرورة مُلحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *