الرئيسيةمقالاتمداميك الذاكرة.. التراث في مواجهة النسيان
مقالات

مداميك الذاكرة.. التراث في مواجهة النسيان

مداميك الذاكرة.. التراث في مواجهة النسيان
كتبت : ساهرة رشيد / العراق

ليست الحضارات ما تتركه الحجارة من أشكال صامتة، ولا ما تحفظه الكتب من تواريخ وأسماء فحسب، إنها ذاكرة حية تتناقلها الأجيال، وتعيد من خلالها اكتشاف علاقتها بالمكان والإنسان والجذور. وحين تتعرض هذه الذاكرة للإهمال أو النسيان، لا نخسر أثرا من الماضي وحسب، بل نفقد جزءا من قدرتنا على فهم الحاضر وصناعة المستقبل.

من هنا، تبدو حماية التراث أبعد من كونها مهمة فنية أو إجراء إداريا يتعلق بصيانة موقع أو توثيق معلم. إنها مسؤولية معرفية وثقافية تتصل بصورة المجتمع عن نفسه، وبقدرته على حفظ الشواهد التي تخبر الأجيال المقبلة: من نحن؟ وكيف تشكلت ملامحنا؟ وما الذي جعل لهذه الأرض حكايتها الخاصة؟
وفي عالم تتسارع فيه حركة المعلومات، وتتزاحم فيه الصور والأخبار والمحتويات العابرة، يصبح الحفاظ على الذاكرة أكثر إلحاحا. فكلما اتسعت مساحة النسيان، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات تعمل على تثبيت المعرفة في مصادرها وشواهدها، وتحويل التراث من مادة معرضة للتلاشي إلى ذاكرة موثقة قابلة للقراءة والدراسة والتعريف.
وفي هذا السياق يبرز مركز حماية وصون التراث بوصفه أحد المساحات التي تلتقي فيها المعرفة بالتوثيق، ويصبح فيها التراث موضوعا للعناية والدراسة والحماية. فالمهمة لا تتوقف عند صيانة الشواهد، وإنما تمتد إلى ما تحمله تلك الشواهد من دلالات وقصص وملامح تكشف طبقات متراكمة من تاريخ المجتمع.

فالوثيقة، والصورة، والمبنى، والموقع، والحرفة، والعادة، كلها أجزاء من رواية أكبر. وكل عملية توثيق دقيقة هي في جوهرها محاولة لحماية صفحة من هذه الرواية من أن تسقط في فراغ النسيان. ولذلك فإن المؤسسات المعنية بالتراث لا تحرس الماضي بمعناه الجامد، بل تسهم في إبقاء الحوار مفتوحا بين الماضي والحاضر.

ولعل القيمة الحقيقية للصون تظهر عندما يتحول التراث من شيء نراه إلى معرفة نفهمها. فالمعلم التراثي لا يكتسب أهميته من عمره فقط، وإنما من الحكاية التي يحملها، والمجتمع الذي ارتبط به، والتحولات التي شهدها، والقيم التي يمكن أن ينقلها إلى الأجيال. وحين تصل هذه المعاني إلى الناس، يصبح التراث جزءا من الوعي العام، لا مجرد مشهد عابر في ذاكرة المكان.
وهنا تبرز أهمية البحث والتوثيق، لأن الذاكرة التي لا توثق تبقى عرضة للتشويه أو النسيان، بينما تمنح المعرفة الموثقة للأجيال فرصة أن تنظر إلى تراثها بوعي أكبر، وأن تميز بين ما هو أصيل وما طرأ عليه من تحولات، وأن تدرك أن الحفاظ على الإرث الثقافي ليس عودة إلى الوراء، بل حماية للجذور التي يقف عليها الحاضر.
وإن حماية التراث مسؤولية تتجاوز حدود المؤسسة الواحدة. فهي تبدأ من المختص والباحث، وتمتد إلى الإعلام والمؤسسات التعليمية والثقافية، وتصل إلى المجتمع الذي يبقى شريكا أساسيا في صون ذاكرته. فكلما ازداد وعي الناس بقيمة ما يحيط بهم، أصبح الاعتداء على الذاكرة أقل احتمالا، وأصبح الحفاظ عليها ممارسة يومية لا مهمة موسمية.
وللإعلام هنا دور لا يقل أهمية عن دور التوثيق والصيانة، إذ يستطيع أن يمنح المواقع والشواهد التراثية صوتا يصل إلى الجمهور، وأن يحول المعلومة المتخصصة إلى قصة يفهمها الناس ويتفاعلون معها. فالصورة الصحفية، والتقرير، والتحقيق، والوثائقي، وحتى القصة الإنسانية المرتبطة بمكان تراثي، يمكن أن تسهم في إعادة اكتشاف قيمة قد تكون غائبة عن الوعي العام.

وان من واجبنا إنقاذ ذاكرة الأمكنة وهو إنقاذ للإنسان نفسه، لأن الإنسان الذي يعرف جذوره أكثر قدرة على قراءة حاضره بثقة، وأكثر وعيا بما ينبغي أن يحفظه للمستقبل.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه تراثنا ألا نتركه أسيرا للغبار والصمت، بل أن نعيد تقديمه بوصفه معرفة حية، وأن نمنحه فرصة لأن يتحدث بلغة الحاضر إلى أبناء المستقبل.
فالحضارات لا تبقى لأنها كانت عظيمة ذات يوم، وإنما تبقى حين تجد من يصون ذاكرتها، ويوثق شواهدها، ويمنحها مكانا حيا في وعي الأجيال.
تلك هي مداميك المعرفة التي تحرس الذاكرة من رمال النسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *