الرئيسيةمنوعاتمِصرُ الكنانة… سبعة آلافِ عامٍ من النور، ووطنٌ لا يعرفُ الانحناء
منوعات

مِصرُ الكنانة… سبعة آلافِ عامٍ من النور، ووطنٌ لا يعرفُ الانحناء

مِصرُ الكنانة… سبعة آلافِ عامٍ من النور، ووطنٌ لا يعرفُ الانحناء

بقلم محمد عطا القطيعي

 

ليست مصرُ صفحةً في كتاب التاريخ، وإنما هي الكتاب الذي تعلّم التاريخُ منه كيف تُكتب الحكايات.

وليست أرضًا عبرت فوقها الحضارات ثم مضت؛ بل أرضٌ كانت كلما جاءها عصرٌ جديد، أودعته شيئًا من روحها، ثم أضافته إلى ذاكرتها، فغدت مصر كأنها قلبٌ واسعٌ تتجاور في حجراته آلاف السنين.

مصرُ التي إذا نظرتَ إلى نيلها رأيتَ الماء يجري، وإذا نظرتَ إلى أرضها رأيتَ التاريخ يمشي، وإذا أصغيتَ إلى صمتها سمعتَ أصوات أجدادٍ مضوا وبقيت آثارهم تقول للأحياء:

هنا كانت مصر… وهنا ستبقى مصر.

من ضفاف النيل بدأت الحكاية.

كانت الحضارة الفرعونية أولى صفحات المجد المصري؛ حضارةٌ لم تكن مجرد حجارةٍ ارتفعت في الصحراء، ولا معابدَ تحدّت الزمن، وإنما كانت عقلًا عرف الحساب والهندسة والطب والفلك، وروحًا آمنت بأن الإنسان يستطيع أن يترك أثرًا يتجاوز عمره.

وقف المصري القديم أمام النيل، فلم يره ماءً فحسب؛ رآه سرَّ الحياة، فصنع حوله وطنًا، وبنى، وزرع، وكتب، وأبدع، وترك للأجيال شاهدًا على أن الإنسان المصري كان يعرف منذ فجر التاريخ معنى أن يبني للمستقبل.

ثم دارت عجلة الزمان، وتبدلت الوجوه والعهود، ودخلت مصر فصلًا آخر من فصولها العظيمة؛ الفصل القبطي.

فكانت الحضارة القبطية امتدادًا أصيلًا من امتدادات الروح المصرية، حملت في طياتها تراثًا دينيًا وثقافيًا وفنيًا عريقًا، وامتزجت بتراب مصر ونيلها ومدنها وقراها، حتى غدت جزءًا من نسيج هذا الوطن الذي لم يعرف يومًا أن يجعل اختلاف الأزمنة أو العقائد سببًا لتمزيق معنى الانتماء إلى الأرض.

وهنا تكمن عظمة مصر:

أنها لا تمحو فصلًا من كتابها حين يبدأ فصلٌ جديد؛ بل تحفظ الفصول كلها في قلبها.

ثم جاء الإسلام إلى مصر، فدخلت البلاد عصرًا جديدًا من عصور الحضارة، وأصبحت القاهرة منارةً للعلم، وازدهرت فيها المدارس والمساجد ودور العلم، وصارت مصر واحدةً من أعظم مراكز الإشعاع في العالم الإسلامي.

ومن الأزهر خرج العلماء، ومن مدارسها انتشر العلم، وعلى أرضها تعانقت علوم الدين واللغة والفلسفة والطب والفلك وسائر المعارف.

وهكذا لم تكن الحضارة الإسلامية في مصر قطيعةً مع ما سبقها، بل أضافت إلى هذا الوطن صفحةً جديدة، حتى أصبح التاريخ المصري كالنهر العظيم:

كلما مرَّ بأرضٍ حمل منها شيئًا، وكلما بلغ أرضًا جديدة أضاف إليها شيئًا، لكنه لا يفقد اسمه ولا ملامحه.

ثم جاء العصر الحديث، عصرٌ كثرت فيه المحن، وتتابعت فيه الأطماع، وواجهت مصر الاحتلال والتدخل والعدوان، لكن مصر التي عرفت منذ آلاف السنين معنى الصمود لم تكن لتتخلى عن أبنائها ولا عن أرضها.

خرج من رحمها رجالٌ لم يكتبوا أسماءهم بالمداد، وإنما كتبوها بالتضحية والدم والعرق.

كان الفلاح يحرس أرضه، والعامل يبني، والعالم يفكر، والمعلم يربي، والجندي يحمل بندقيته ويقف حيث ينبغي للرجال أن يقفوا.

ثم جاءت المحطات الكبرى في تاريخ مصر الحديث؛ من المقاومة الوطنية، إلى معارك التحرير، إلى حرب الاستنزاف التي أثبت فيها المصريون أن الهزيمة لا تعني نهاية الطريق، وأن الأمة التي تحتفظ بإرادتها تستطيع أن تنهض من أصعب لحظاتها.

ثم جاء السادس من أكتوبر.

ذلك اليوم الذي لم يكن مجرد تاريخٍ في التقويم، بل كان يومًا استعادت فيه مصر شيئًا من كبريائها، وأثبت فيه الجندي المصري أن الإرادة حين تتسلح بالإيمان والعلم والتخطيط والشجاعة تستطيع أن تعبر أصعب الحواجز.

عبر المصريون القناة، فعبرت معهم أحلام أمة.

وكان وراء كل جنديٍ على الجبهة وطنٌ كامل؛

أمٌ تدعو، وأبٌ ينتظر، وزوجةٌ تصبر، وطفلٌ يحلم بعودة أبيه.

كان الجندي يحمل سلاحه بيد، ويحمل مصر كلها باليد الأخرى.

وهنا لا بد أن نقولها بملء القلب:

إن الذين حموا مصر في ساعات الشدة هم أبناؤها؛ أبناء هذا التراب، وفلذات أكباد هذه الأرض، الذين عرفوا أن الوطن ليس شعارًا يرفع، وإنما مسؤولية تُحمل، وأمانة تُصان، وتضحية تُبذل.

ولم يكن المجد المصري يومًا مجد السلاح وحده.

فمصر وطن العلماء والمفكرين والأطباء والمهندسين والأدباء والفنانين والمعلمين والقضاة والباحثين والمبدعين.

مصر فيها مؤسساتٌ عريقة، وجيشٌ باسل، وشرطةٌ تسهر على أمن المجتمع، وقضاءٌ شامخٌ يجعل العدل ميزانًا بين الناس.

وفيها شبابٌ ينظرون إلى المستقبل بعينٍ لا ينبغي أن تعرف اليأس.

وفيها أمٌّ مصرية قد لا تملك قصرًا، لكنها تستطيع أن تخرج من بيتها عالمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو جنديًا أو قاضيًا أو معلمًا.

وتلك هي أعظم ثروات مصر: الإنسان.

فالذهب قد ينفد، والمال قد يذهب، والقصور قد تتغير، ولكن الإنسان الذي يحمل الوطن في قلبه يستطيع أن يعيد بناء كل شيء.

يا مصر…

يا من شهدتِ ميلاد الحضارات، وشهدتِ تعاقب القرون، ومرت بكِ الجيوش والملوك والسلاطين، ثم بقيتِ أنتِ…

كم من قومٍ مروا على أرضك ثم أصبحوا خبرًا في كتاب، وكم من رايةٍ ارتفعت فوقك ثم طواها الزمن، وكم من سلطانٍ ظن أن مصر غنيمة، فإذا بها هي التي تبتلع الغزاة في أعماق تاريخها وتبقى.

لأن مصر ليست ملكًا لزمنٍ بعينه.

مصر ملكٌ للتاريخ، وسكنٌ للإنسان، ووديعةٌ في أعناق أبنائها.

ومن هنا فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه لمصر ليس كثرة الكلام عنها، وإنما أن نكون جديرين بها.

أن نتعلم.

أن نعمل.

أن نختلف دون أن نتقاتل.

أن نحترم القانون.

أن نرفع قيمة العلم.

أن نحفظ مؤسسات الدولة.

أن نعرف أن الوطن لا يُبنى بالصراخ، وإنما بالعرق.

ولا يُحمى بالكلمات، وإنما بالعمل.

ولا يستمر بالماضي وحده، وإنما بالمستقبل الذي نصنعه كل يوم.

إن مصر التي ورثناها من الفراعنة، ثم حملت في ذاكرتها الحضارة القبطية، ثم أشرقت عليها الحضارة الإسلامية، ثم خاضت معارك العصر الحديث، ليست مصر الأمس وحده؛ إنها مصر الغد أيضًا.

ومصر الغد لن تكون كما نريدها بالأماني، وإنما كما نصنعها بأيدينا.

فيا أبناء مصر، لا تقولوا: ماذا أعطانا الوطن؟

بل اسألوا أنفسكم:

ماذا أعطينا الوطن؟

لا تسألوا كيف تكون مصر عظيمة، فقد كانت عظيمة وستبقى؛ اسألوا كيف نكون نحن جديرين بعظمتها.

وسيبقى النيل شاهدًا، وستبقى الأهرام شاهدة، وستبقى الكنائس والمساجد شاهدة، وسيبقى الأزهر شاهدًا، وستبقى ساحات المعارك شاهدة، وستبقى قبور الشهداء شاهدة…

كلها تقول للأجيال:

هذه مصر؛ وطنٌ لم يصنعه عصرٌ واحد، ولم تبنه يدٌ واحدة، وإنما صنعته آلاف السنين، وتناقلته الأجيال، وحمته التضحيات، وسيحمله أبناؤه إلى المستقبل.

فإذا سألك أحدهم: ما مصر؟

فلا تقل له: إنها أرضٌ بين حدود.

قل له:

مصر ذاكرةُ الحضارة، وروحُ الإنسان، ونبضُ النيل، ودمعةُ أم، ودعاءُ أب، وخطوةُ جندي، وقلمُ عالم، وميزانُ قاضٍ، وعرقُ عامل، وحلمُ شاب.

وقل له أيضًا:

مصر ليست فقط وطنًا نعيش فيه…

إنها وطنٌ يعيش فينا.

ولهذا، مهما اشتدت الأيام، ومهما تبدلت الأحوال، ومهما تعاقبت السنون، ستظل مصر قادرةً على أن تنهض من جديد.

فهي التي علّمت العالم قديمًا معنى الحضارة، وعرفت في تاريخها معنى الإيمان، وأضاءت في عصورها منارات العلم، وعلّمت أبناءها في معاركها معنى التضحية.

وسيظل آخر ما تقوله مصر لأبنائها:

لا تخافوا على وطنٍ حملته الأجيال آلاف السنين؛

خافوا فقط أن تقصر أيديكم عن حمل الأمانة.

أما مصر…

فستبقى مصر.

تبقى حين يذهب العابرون،

وتبقى حين تصمت المدافع،

وتبقى حين تتغير الرايات،

وتبقى حين يكتب التاريخ فصلًا جديدًا.

تبقى لأن في ترابها سرًّا لا يُفسَّر، وفي نيلها ذاكرةً لا تموت، وفي أبنائها قلوبًا إذا أحبت مصرًا جعلت من المستحيل ممكنًا.

سلامٌ على مصر يوم بدأت الحكاية،

وسلامٌ عليها في كل فصلٍ من فصول التاريخ،

وسلامٌ عليها في حاضرها،

وسلامٌ عليها في مستقبلها،

وسلامٌ على كل مصري يحملها في قلبه كما تحمل الأم طفلها؛

بالحب، وبالخوف عليها، وبالدعاء لها، وبالأمل فيها.

مصر الكنانة…

مِصرُ الكنانة… سبعة آلافِ عامٍ من النور، ووطنٌ لا يعرفُ الانحناءليست حكايةَ الماضي، بل وعدُ المستقبل.

وليست مجرد وطنٍ نعيش فوق ترابه،

بل تاريخٌ يمشي على الأرض، وقلبٌ كبيرٌ اسمه: مصر.

————القطيعى الشريف————-ن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *