🦂 العقرب فوق رأس الملاك… حين يتنكّر الجمال في هيئة الخوف، وتصبح البراءة أعظم من كل الرموز
قراءة أدبية وفلسفية في صورةٍ أربكت العيون، واستفزّت العقول، وفتحت أبواب التأويل
بقلم محمد عطا القطيعي
ليست كلُّ صورةٍ تُرى بالعين تُفهم بالبصيرة، وليست كلُّ هيئةٍ تثير الخوف تحمل في جوهرها شرًّا، فكم من وجهٍ أشرق بالابتسام وأخفى وراءه ألف خديعة، وكم من مشهدٍ بدا للوهلة الأولى مخيفًا، ثم إذا أمعنّا النظر فيه وجدنا خلف غرابته يدًا تعبث بالجمال، وقلبًا يمارس الحب بطريقته الخاصة!
تأمّلوا هذه الصورة قليلًا، ولا تتعجلوا الحكم عليها؛ ففي أعلاها طفلةٌ وديعة، كأنّ البراءة اختارت وجهها مسكنًا، وكأنّ الملائكة أودعت في ملامحها شيئًا من صفاء السماء. عيناها مغمضتان في سكينةٍ آسرة، وملامحها هادئةٌ لا تعرف من الدنيا ما يكفي لتخافها، ولا من تجارب الحياة ما يجعلها تتوجّس من مفاجآتها.
وفوق رأسها يستقرّ عقرب!
نعم، عقربٌ ملتفُّ الذيل، مشدودُ الأطراف، متأهّبٌ في هيئته كأنّه يستعدّ لوخزةٍ مفاجئة، غير أنّه ليس كائنًا يدبّ فيه السم، ولا وحشًا يتربّص بفريسته؛ إنّه خصلةٌ من الشعر طوّعتها يدٌ ماهرة، وشكّلتها مخيّلةٌ جامحة، وأحاطت بها تفاصيلُ جعلت الشعر يخلع ثوبه المألوف، ويرتدي هيئة كائنٍ طالما ارتبط في وجدان البشر بالخطر والرهبة.
وهنا تبدأ الحكاية…
حكايةٌ لا تتحدّث عن الشعر وحده، بل عن الإنسان حين يرى الشيء بعين خوفه، لا بحقيقة وجوده؛ وعن العقل حين يستدعي أحكام الأمس ليحاكم بها مشاهد اليوم.
فهل هذه أمٌّ قاسية؟ أم فنانةٌ مرحة؟ أم إنسانةٌ أرادت أن تصنع من شعر طفلتها مشهدًا طريفًا، فإذا بالمشهد يفتح أبواب الفلسفة على مصراعيها؟
مهلًا أيها السادة؛ فإنّ أخطر ما يمكن أن نرتكبه أمام صورةٍ عابرة هو أن نمنح أنفسنا حقّ الحكم على القلوب، ونحن لا نملك من حقيقتها إلا ما تلتقطه أعيننا من ظاهر الأشياء.
أولًا: حين يخلط العقل بين الصورة والحقيقة
إنّ الإنسان لا يرى العالم كما هو دائمًا، بل يراه كما تعلّمه أن يراه؛ فالعين تنقل الصورة، أمّا الذاكرة فتمنحها معناها، والخوف يكسوها ظلاله، والثقافة تفتح أمامها أبواب التأويل.
وحين يرى أحدنا عقربًا، تقفز إلى ذاكرته صور السمّ واللدغ والألم، وتستيقظ في أعماقه حكاياتٌ قديمة عن الخطر الكامن في الزوايا المظلمة، وتتحوّل هيئة الحيوان في لحظةٍ إلى رسالة إنذار.
لكنّ الصورة التي أمامنا ليست عقربًا حقيقيًّا، وإنّما محاكاةٌ فنيةٌ لهيئته.
فما الذي أخافنا إذن؟ أهي حقيقة الشيء، أم الفكرة التي نحملها عنه؟
هنا تتجلّى إحدى المفارقات الكبرى في حياة البشر: قد يكون الخطر غائبًا، لكنّ تصوّر الخطر حاضرٌ بقوّة؛ وقد يكون المشهد بريئًا، لكنّ الذاكرة تمنحه من الرهبة ما لم يكن فيه.
وهذا هو الفارق بين أن ترى بعينيك، وأن تفهم بعقلك، وأن تحكم بإنصافك.
فليس كلُّ ما يشبه الخطر خطرًا، وليس كلُّ ما يثير النفور قبيحًا، وليس كلُّ ما يوقظ فينا الخوف يستحقّ أن نحمّله وزر مخاوفنا.
إنّ الصورة لا تُدين صاحبتها، كما أنّ غرابة الفكرة لا تكفي وحدها لإثبات سوء النيّة؛ فالإنصاف يقتضي أن نفصل بين ما نراه، وما نتخيّله، وما نملك دليلًا على صحّته.
ثانيًا: الأمّ التي حوّلت الشعر إلى حكاية
لنتخيّل تلك الأم وهي تجلس أمام طفلتها، تجمع خصلات شعرها، وتفصل بعضها عن بعض، وتشدّ هذه، وتربط تلك، ثم تنظر إلى ما صنعت، فتبتسم حين ترى النتيجة التي أرادتها.
لعلّها أرادت أن تضحك طفلتها، أو أن تصنع لها هيئةً مختلفة، أو أن تلتقط صورةً طريفة، أو أن تختبر قدرتها على تحويل المألوف إلى شيءٍ غير مألوف.
ولعلّ الأمر كلّه لم يتجاوز لحظةً من اللعب والمرح.
نحن لا نعرف ما دار في قلب هذه الأم، ولا يجوز لنا أن نزعم أنّنا نعرف دوافعها على وجه اليقين؛ لكنّنا نعرف أنّ غرابة التسريحة وحدها ليست دليلًا على القسوة، كما أنّ جمال الفكرة وحده ليس شهادةً كاملة على حسن التصرّف.
فالميزان العادل لا يُصدر أحكامه من الشكل وحده، بل ينظر كذلك إلى السياق، وراحة الطفلة، وطبيعة التجربة، وما إذا كان فيها أذى أو إكراه أو انتقاص من كرامتها.
وهنا تكمن روعة التأمّل: أن نكون قادرين على الاستمتاع بلمسة الإبداع، من غير أن نقدّسها، وأن نتفهّم روح المزاح، من غير أن نتجاهل حقّ الطفل في الراحة والأمان.
فالأمومة ليست خصومةً مع الخيال، كما أنّ الخيال ليس إعفاءً من المسؤولية.
وأجمل الأمهات ليست تلك التي تمنع أبناءها من كلّ غرابة، بل التي تمنحهم مساحةً للدهشة، وتحرس في الوقت نفسه حدود سلامتهم وكرامتهم.
ثالثًا: حين يلتقي علم النفس بمرآة التأويل
لو أردنا أن نقرأ المشهد قراءةً نفسية، لوجدنا أنّه يفتح أمامنا أكثر من باب، ولكنّ الحكمة تقتضي ألّا نحول الاحتمالات إلى حقائق، أو نمنح صورةً واحدة قدرةً لا تملكها على كشف أعماق النفس البشرية.
في مدرسة التحليل النفسي، قد يذهب بعض المتأمّلين إلى البحث عن الدلالات الرمزية للعقرب؛ فالعقرب في المخيال الإنساني قد يستدعي الخطر، أو الحذر، أو العدوان، أو القدرة على مواجهة ما يُخيفنا.
لكنّ هذا التأويل يظلّ احتمالًا أدبيًّا، لا تشخيصًا نفسيًّا للأم؛ إذ لا يمكن استنتاج دوافعها اللاواعية من تسريحة شعرٍ منفردة.
وفي علم نفس الطفل، يمكن أن نرى في المشهد صورةً من صور اللعب والتخيّل، حيث يتحوّل الشعر من مظهرٍ مألوف إلى مساحةٍ للتجريب والابتكار.
فالطفل لا يتعلّم بالكلمات وحدها، بل يتعلّم أيضًا بالتجربة، واللعب، والتخيّل، واكتشاف العلاقات الجديدة بين الأشياء.
غير أنّ الإبداع لا يُقاس بغرابة الشكل وحدها، ولا تكفي تسريحةٌ واحدة للحكم على سلامة نفسية أمٍّ أو مستوى خيال طفلة؛ فالنفس الإنسانية أعمق من أن تُختزل في صورة، وأغنى من أن تُقرأ بقرارٍ متعجّل.
أمّا علم النفس الاجتماعي، فيدعونا إلى سؤالٍ آخر أكثر عمقًا:
لماذا يختلف الناس في قراءة المشهد الواحد؟
لأنّ لكلّ إنسانٍ ذاكرةً تخصّه، وتجاربَ تصوغ نظرته، ومخاوفَ تتسلّل إلى أحكامه من حيث لا يشعر.
فمنهم مَن يرى العقرب فيضحك، ومنهم مَن يراه فيندهش، ومنهم مَن ينقبض قلبه، ومنهم مَن يبدأ في محاكمة الأم قبل أن يسأل عن حقيقة ما جرى.
وهكذا لا تعود الصورة مجرّد صورة؛ بل تصبح مرآةً يرى كلُّ إنسانٍ فيها شيئًا من نفسه.
أحيانًا لا تكشف الصورة عن صاحبها بقدر ما تكشف عن الناظر إليها؛ فالناس لا يختلفون دائمًا في ما يرون، بل في المعاني التي يحملونها إلى ما يرون.
رابعًا: لماذا نخاف من العقرب، وننسى العقارب التي لا تُرى؟
وهنا نغادر خصلة الشعر إلى مساحةٍ أوسع من الحياة، حيث تختبئ المفارقات التي تستحقّ التأمّل.
نخاف من عقربٍ اصطناعيٍّ فوق رأس طفلة، لكنّنا قد نغفل عن عقارب حقيقية تتسلّل إلى العلاقات الإنسانية في صمت.
هناك عقربُ كلمةٍ جارحة، يترك في القلب أثرًا أطول من أثر الجرح على الجسد.
وهناك عقربُ مقارنةٍ ظالمة، تجعل الطفل يشعر أنّه أقلّ من غيره، مهما بذل من جهد.
وهناك عقربُ خوفٍ يزرعه الأبوان في نفوس أبنائهما، حين يتحوّل الحرص إلى تهديد، والنصيحة إلى تخويف، والحماية إلى حصار.
وهناك عقربُ توقّعاتٍ لا ترحم، يضعه الكبار فوق أكتاف الصغار، ثم يطالبونهم أن يركضوا نحو أحلام لم يختاروها.
وهناك عقربُ كلمةٍ تتكرّر كلّ يوم: «لماذا لستَ مثل فلان؟»، فتأكل من ثقة الطفل بنفسه ما لا تستطيع أعوامٌ من المديح أن تعوّضه بسهولة.
هذه العقارب لا تحتاج إلى ذيلٍ ملتفّ، ولا إلى عينين بلاستيكيّتين، ولا إلى تسريحةٍ تستوقف المارّة؛ فهي تعمل في الخفاء، وتترك آثارها في النفوس.
ولذلك فإنّ السؤال الأهمّ ليس: كيف بدا العقرب فوق رأس الطفلة؟
بل: كم من عقربٍ نضعه نحن فوق رؤوس أبنائنا، ثم نسمّيه تربيةً، ونبرّر سُمَّه بالخوف عليهم؟
إنّ التربية التي تُبنى على الرعب قد تُنتج طاعةً مؤقّتة، لكنّها لا تضمن إنسانًا واثقًا بنفسه، كما أنّ الحبّ الذي يخلو من الحكمة قد يتحوّل، من حيث لا يقصد صاحبه، إلى عبءٍ على مَن يحبّ.
فما أعظم أن نتعلّم كيف نحمي أبناءنا دون أن نكسر أجنحتهم، وكيف نرشدهم دون أن نصادر أحلامهم، وكيف نحبّهم دون أن نجعل حبّنا قيدًا حول أعناقهم!
خامسًا: لو كان العقرب فراشةً، فهل كنّا سنكتب كلّ هذا الكلام؟
تأمّلوا معي هذا السؤال:
لو أنّ الأم صنعت من شعر طفلتها فراشةً ملوّنة، أو تاجًا من الورود، أو قلبًا صغيرًا، هل كانت الصورة ستثير كلّ هذا الجدل؟
على الأرجح، كان كثيرون سيكتفون بالإعجاب، وربّما وصفوا الأم بالمبدعة، والطفلة بالجميلة، والتسريحة بالرائعة.
لكنّ العقرب دخل المشهد، فتغيّر قاموسنا كلّه.
لم يتغيّر الشعر، ولم تتغيّر الطفلة، ولم تتبدّل يد الأم التي شكّلت الخصلات؛ الذي تغيّر هو الرمز الذي اختارته المخيّلة.
وهنا يظهر سلطان الرموز على عقولنا: فنحن لا نتعامل مع الأشياء وفق أشكالها المجرّدة فحسب، بل وفق ما تختزنه من معانٍ في وعينا الجمعي.
فالوردة تستدعي الحبّ، والحمامة تستدعي السلام، والعقرب يستدعي الخطر.
لكنّ الرمز، مهما بلغت قوّته، لا ينبغي أن يتحوّل إلى محكمةٍ تُصدر أحكامها على النوايا.
إنّنا نستطيع أن نختلف حول الذوق، وأن نناقش ملاءمة الفكرة لطفلة، وأن نتساءل عن الرسالة التي تحملها الصورة، دون أن ننزلق إلى التشهير بالأم أو اختراع دوافع لم نطّلع عليها.
فليس كلُّ ما لا يعجبنا خطأ، وليس كلُّ ما يُدهشنا عبقريًّا، وليس من العدل أن نجعل أذواقنا الشخصية قوانينَ نحاكم بها الآخرين.
إنّ الرقيّ الحقيقي لا يكمن في أن نتّفق جميعًا على تفسيرٍ واحد، بل في أن نختلف دون أن نظلم، ونتأمّل دون أن نتّهم، وننتقد دون أن نهدم.
سادسًا: الطفولة لا تقرأ قاموس الكبار
ثمة حقيقةٌ تستحقّ أن نتوقّف عندها طويلًا: أنّ الطفل قد يرى في الأشياء ما لا نراه نحن، وقد يمنحها من المعاني ما لا يخطر لنا على بال.
نحن الكبار نحمّل العالم تاريخنا من الخيبات، ونتائج تجاربنا، وقلقنا من المستقبل، ثم نطلب من الصغار أن يروا الأشياء بعيوننا نفسها.
ننسى أنّ الطفولة ليست نسخةً مصغّرة من الرشد، وأنّ خيال الطفل ليس ملزمًا بالمرور عبر بوّابات مخاوفنا قبل أن يولد.
قد ترى الطفلة في هذه التسريحة لعبةً طريفة، وقد تراها أمّها تجربةً فنيةً ممتعة، وقد يراها شخصٌ آخر مشهدًا غريبًا، بينما يستحضر رابعٌ صورة الخطر والسمّ.
كلّ هذه الاستجابات ممكنة، لكنّها لا تخبرنا بالضرورة بما شعرت به الطفلة فعلًا.
فلا ينبغي أن ننسب إليها ابتسامًا لم نرَه، أو خوفًا لم نتحقّق منه، أو قبولًا لم نعرف حقيقته.
إنّ للطفل صوتًا ووجدانًا وحدودًا ينبغي احترامها، مهما كان المشهد مضحكًا أو مبتكرًا في أعين الكبار.
فالبراءة ليست أن نصمت عن مشاعر الطفل، بل أن نصغي إليها؛ وليست أن نقرّر عنه ما يسعده، بل أن نمنحه الأمان الذي يسمح له بالتعبير عمّا يشعر به.
وهذا، في تقديري، هو الدرس الأعمق الذي يمكن أن نخرج به من هذه الصورة: أن نوسّع خيالنا، من غير أن نضيّق مساحة الطفل، وأن نحتفي بالإبداع، من غير أن ننسى الإنسان الذي يقف خلفه.
سابعًا: بين الجمال والقبح… مَن يملك حقّ الحكم؟
يا سادتي، إنّ الحياة أوسع من تصنيفاتنا السريعة، وأعقد من أن تُختزل في انطباعٍ عابر.
كم من إنسانٍ بدا لنا مخيفًا، ثم اكتشفنا أنّ وراء صمته قلبًا رحيمًا!
وكم من ابتسامةٍ حسبناها دليل محبّة، فإذا بها قناعٌ يخفي وراءه غرضًا!
وكم من فكرةٍ استهجنّاها في بدايتها، ثم أدركنا أنّها كانت تفتح بابًا جديدًا للفهم!
إنّ المظهر قد يكون مدخلًا إلى السؤال، لكنه ليس نهاية الحقيقة.
وليس معنى ذلك أن نلغي أحكامنا أو نتخلّى عن قدرتنا على التمييز، بل أن نُحسن استعمال هذه القدرة، فلا نستبدل الدليل بالظنّ، ولا نجعل الانطباع الأوّل حكمًا نهائيًّا، ولا نخلط بين نقد الفعل وإدانة صاحبه.
فالعقل الناضج لا يخجل من أن يتساءل، ولا يتعالى على مراجعة أحكامه، ولا يظنّ أنّ التراجع عن انطباعٍ متعجّل ضعفٌ في الشخصية.
بل إنّ أعظم مظاهر القوة الفكرية أن يقول الإنسان: لقد رأيتُ، فتسرّعتُ؛ وتأمّلتُ، فتبيّنتُ؛ ثم عدّلتُ حكمي حين اتّضحت لي الصورة.
وهذا هو الفارق بين عقلٍ يبحث عن الحقيقة، وعقلٍ يبحث عن ذريعةٍ لتأكيد ما قرّره سلفًا.
ثامنًا: العقرب الذي فوق الرأس… والعقرب الذي يسكن الذاكرة
لعلّ أجمل ما في هذه الصورة أنّها تمنحنا فرصةً للتأمّل في طبيعة الخوف نفسه.
فالعقرب الحقيقي خطرٌ ينبغي الحذر منه، أمّا العقرب المصنوع من الشعر فهو شكلٌ يستدعي صورة الخطر، دون أن يحمل بالضرورة حقيقته.
ومع ذلك، قد يرتجف القلب أمام الشكل، بينما يعجز أحيانًا عن إدراك خطرٍ حقيقيٍّ يختبئ خلف كلمةٍ جميلة أو علاقةٍ تبدو آمنة.
وهذه مفارقةٌ إنسانية تستحقّ أن نكتب عنها طويلًا:
قد نخاف ممّا لا يؤذينا لأنّه يشبه الخطر، وقد نطمئنّ إلى ما يؤذينا لأنّه يشبه الأمان.
نخشى ظلّ العقرب، وننسى سمَّ الكراهية.
ونرتاب من غرابة المشهد، ولا نرتاب من اعتياد الظلم.
وننزعج من تسريحةٍ تحمل هيئة كائنٍ مخيف، ثم نمرّ أحيانًا على كلماتٍ تُهين إنسانًا، أو تُحطّم طفلًا، أو تجرح أمًّا، فلا نمنحها من الاعتراض ما تستحقّ.
إنّ المشكلة ليست في أن نخاف؛ فالخوف غريزةٌ قد تحفظ الحياة، وإنّما المشكلة أن نسمح له بأن يصادر عقولنا، وأن يحدّد لنا مَن نحبّ ومَن نكره، ومَن نبرّئ ومَن نتّهم.
فالحكمة ليست في إلغاء الخوف، بل في معرفة موضعه، وليست في تجاهل الخطر، بل في التمييز بين الخطر الحقيقيّ والصورة التي تستعيره.
وهكذا يصبح العقرب الصغير فوق رأس الطفلة أكبر من حجمه بكثير؛ لأنّه لم يعد مجرّد تسريحةٍ غريبة، بل تحوّل إلى سؤالٍ عن الطريقة التي نرى بها العالم، وعن المسافة التي تفصل بين الحقيقة وتخيّلنا لها.
تاسعًا: لا تحاكموا القلوب من نافذة الصور
إنّ زمننا هذا منح الصورة سلطانًا لم تعرفه العصور السابقة؛ صورةٌ واحدة تستطيع أن تجوب الآفاق في دقائق، وأن تثير الضحك أو الغضب، وأن تصنع شهرةً أو تفتح بابًا للتشهير.
لكنّ سرعة انتشار الصورة لا تعني سرعة الوصول إلى الحقيقة.
فقد يرى الناس مشهدًا لا يعرفون ظروفه، ثم ينسجون حوله حكاياتٍ من خيالهم، ويضيف كلّ واحدٍ منهم إلى الصورة شيئًا من ظنونه، حتى تصبح الرواية المتداولة أبعد ما تكون عن الواقعة الأصلية.
وهنا ينبغي أن نتذكّر أنّ خلف كلّ صورةٍ أشخاصًا حقيقيين، لهم مشاعر وحقوق وكرامة؛ وأنّ الطفلة ليست مجرّد مادةٍ للضحك أو الجدل، والأم ليست شخصيةً نُصدر عليها الأحكام لمجرّد أنّ تسريحتها خرجت عن المألوف.
فإن أردنا أن ننتقد، فلننتقد الفكرة بأدب، وإن أردنا أن نناقش، فلنناقش بوعي، وإن أردنا أن نختلف، فلنترك للإنصاف مكانًا بيننا.
فليس من الشجاعة أن نرفع أصواتنا بالحكم على الناس، بل من الشجاعة أن نملك من النزاهة ما يمنعنا من ظلمهم.
وما أحوجنا اليوم إلى هذه الفضيلة؛ فضيلة التريّث قبل الاتهام، والتفكير قبل النشر، والتثبّت قبل تحويل الانطباع إلى حقيقةٍ يتداولها الناس.
فالكلمة التي نكتبها قد تكون أهون علينا من قطرة ماء، لكنها قد تصبح في حياة غيرنا حجرًا ثقيلًا يصعب حمله.
عاشرًا: الخاتمة… حين يصبح العقرب معلّمًا للفلسفة
والآن، بعد أن تأمّلنا الصورة، وفتحنا أبوابها النفسية والاجتماعية والإنسانية، دعونا نعود إلى الطفلة.
إلى ذلك الوجه الهادئ، وإلى الشعر الذي اتّخذ هيئةً غريبة، وإلى العقرب الذي استقرّ فوق الرأس دون أن يتحوّل إلى عقربٍ حقيقي.
دعونا ننظر مرّةً أخرى، ولكن بعينٍ أكثر هدوءًا، وعقلٍ أكثر إنصافًا، وقلبٍ لا يستسلم لأول انطباع.
ربّما لم تكن الأم تقصد كلّ هذه المعاني، وربّما لم يخطر ببالها أنّ تسريحةً من الشعر ستتحوّل إلى موضوعٍ للفلسفة والنقاش.
وربّما كانت الحكاية أبسط من كلّ ما كتبناه؛ أمٌّ تلعب بشعر ابنتها، وفكرةٌ طريفة، وصورةٌ غير مألوفة.
لكنّ بساطة الحدث لا تمنع عمق الدرس.
فكم من حادثةٍ صغيرة كشفت لنا شيئًا كبيرًا عن أنفسنا، وكم من مشهدٍ عابرٍ أضاء زاويةً معتمةً في طريقة تفكيرنا!
إنّ الحياة لا تمنحنا الحكمة دائمًا في صورة كتابٍ ضخم، أو محاضرةٍ طويلة، أو تجربةٍ موجعة؛ فقد تختبئ الحكمة أحيانًا في خصلة شعر، أو ابتسامة طفل، أو عقربٍ مصنوعٍ من خيوطٍ سوداء.
وهنا أقول:
لا تجعلوا غرابة الأشياء سببًا كافيًا لإدانتها، ولا تجعلوا جمال النيّة المفترضة ذريعةً لتجاهل حدود الآخرين.
احتفوا بالإبداع حين يكون جميلًا، وناقشوا ما يستحقّ النقاش، واحفظوا للأطفال حقّهم في الأمان والكرامة، وللناس حقّهم في ألّا تُنسب إليهم نوايا لا نعرفها.
وتذكّروا أنّ الحبّ ليس مجرّد رغبةٍ في إسعاد مَن نحبّ، بل هو أيضًا قدرةٌ على فهمه، واحترامه، والإصغاء إليه.
فليست البطولة أن نصنع من شعر طفلةٍ عقربًا، ولا أن نحوّل المشهد إلى قصيدةٍ في البراءة؛ البطولة الحقيقية أن نتعلّم كيف نرى ما وراء الصور، دون أن نتوهّم امتلاك أسرار القلوب.
أمّا العقرب الذي فوق الرأس، فسيظلّ تسريحةً غريبةً ما دام مصنوعًا من الشعر، لكنّ العقارب التي نصنعها في نفوس أبنائنا بكلماتنا ومخاوفنا ومقارناتنا قد تحتاج إلى أعوامٍ طويلة حتى نتعلّم كيف نخلّصهم منها.
فاحذروا عقارب الكلام، ورفقًا بقلوب الصغار، ولا تجعلوا الخوف من الحياة يسرق من أبنائكم حقّهم في اكتشافها.
فقد يكون العقرب فوق الرأس مجرّد لعبة، أمّا العقرب الذي نزرعه في القلب باسم الحبّ، فقد يكبر مع صاحبه حتى ينسى أنّه كان يومًا طفلًا يستحقّ أن يُحَبّ بلا خوف.
وهذه، لعمري، ليست حكاية شعرٍ وعقرب؛ إنّها حكاية الإنسان مع ظنونه، ومعاييره، ومخاوفه، وقدرته على أن يرى الحقيقة دون أن يحجبها دخان الانطباعات.
فلا تحاكموا الصورة قبل أن تفهموها، ولا تحاكموا الإنسان قبل أن تنصفوه؛ فبين ما تراه العين، وما يدركه العقل، وما يستقرّ في القلب، مسافةٌ لا يقطعها إلا الإنصاف..
————-القطيعى الشريف—————
🦂 العقرب فوق رأس الملاك… حين يتنكّر الجمال في هيئة الخوف، وتصبح البراءة أعظم من كل الرموز

📧 اشترك في النشرة البريدية
أهم الأخبار توصلك على بريدك.
💬 التعليقات (0)