الرئيسيةمقالاتعلِّموا أولادكم أن البيت هو أول مدرسة للأخلاق
مقالات

علِّموا أولادكم أن البيت هو أول مدرسة للأخلاق

علِّموا أولادكم أن البيت هو أول مدرسة للأخلاق

بقلم: نعمة حسن

علِّمي ابنك أن أخته ليست أضعف منه، لكنها أمانة في قلبه، وأن قوته الحقيقية تظهر في حمايتها لا في السيطرة عليها.
علِّميه أن أخته ليست تحت سلطانه، وأن النصيحة شيء، وفرض الوصاية شيء آخر.
علِّميه أن يقول لها: «أنا معك» قبل أن يقول لها: «أنا أعرف مصلحتك».
علِّميه أن يحمل عنها ما يثقلها إذا استطاع، لا لأنها عاجزة، بل لأن الشهامة أن ترى التعب قبل أن يُطلب منك أن تراه.
علِّميه أن يفتح لها الباب، وأن يترك لها المكان الأريح، وأن ينتبه إن كانت تحمل شيئًا ثقيلاً، وأن هذه التفاصيل الصغيرة ليست ضعفًا في الرجل، بل تربية.
علِّميه أن المرأة لا تُكرَم فقط يوم تصبح زوجته.
تُكرَم وهي أخته. وأمه. وابنته. وقريبته. وزميلته. وإنسانة لا يعرفها.
علِّميه أن أخته ليست حقل تجارب لرجولته.
فلا يرفع صوته عليها ليشعر أنه رجل.
ولا يهينها ليبرهن أنه صاحب الكلمة.
ولا يراقب أنفاسها بينما يطلب لنفسه الحرية.
علِّميه أن العدل يبدأ من البيت.
فلا تطلبي من ابنتك خدمة أخيها لأنه ولد، ثم تعلِّمينه من حيث لا تشعرين أن المرأة وُجدت لخدمته.
وعلِّمي ابنتك أن أخاها ليس خصمًا.
هو أول رجل قريب من عمرها تتعلم معه معنى الاحترام المتبادل.
علِّميها أن تحترم أخاها دون خوف، وأن تحبه دون أن تلغي نفسها.
علِّميها أن الرجولة ليست صوتًا مرتفعًا ولا أمرًا نافذًا.
وعلِّميها أيضًا ألا تسخر من أخيها حين يتعب، وألا تقول له: «أنت رجل، لا يحق لك أن تضعف».
فالرجل إنسان قبل أن يكون رجلًا.
له قلب. وله خوف. وله لحظات انهيار. ومن القسوة أن نربي أبناءنا الذكور على أن الألم عيب.
علِّمي ابنتك أن تقف بجوار أخيها إذا وقع، كما تريدينه أن يقف بجوارها إذا تعثرت.
علِّميها أن الكلمة الطيبة التي تقولها له اليوم قد تكون غدًا ما يعلمه كيف يتحدث مع زوجته.
وعلِّمي ابنك أن طريقة حديثه مع أخته ليست أمرًا عابرًا.
إنها تدريب يومي على الطريقة التي سيتعامل بها يومًا مع امرأة تشاركه حياته.
إن تعود احترام رأي أخته، سيسهل عليه احترام رأي زوجته.
وإن تعود الاعتذار لأخته، لن يعتبر الاعتذار لزوجته إهانة لرجولته.
وإن تعود أن يساعد في البيت، فلن يدخل بيته يومًا معتقدًا أن المطبخ والمنزل والأطفال «شغل ستات».
وإن تعود أن يطلب الشيء بأدب، لن يكبر وفي فمه لغة الأوامر.
وعلِّمي ابنتك كذلك أن علاقتها بأخيها درس مبكر في فهم الرجل.
أن الخلاف لا يعني الإهانة.
وأن الاختلاف لا يعني الخصومة.
وأن الاحترام لا يعني التنازل عن الكرامة.
وأن الحب لا يلغي الحدود.
وأن المرأة ليست مطالبة بأن تحمل فوق طاقتها لتثبت أنها قوية.
القوة ليست أن تفعلي كل شيء وحدك.
القوة أحيانًا أن تعرفي متى تطلبين المساعدة.
ومتى تقولين: تعبت.
ومتى ترفضي ما يفوق قدرتك.
لا تربي ابنتك على أن البطولة أن تتحمل بصمت حتى تنكسر.
ولا تربي ابنك على أن البطولة أن يكتم حتى ينفجر.
ربّوا الاثنين على أن الإنسان يطلب المساندة عندما يحتاجها.
وعلِّموا أولادكم أن الأخ لا يُهان أمام أخته.
وأن الأخت لا تُهان أمام أخيها.
فما تكسره السخرية داخل البيت قد يقضي الإنسان سنوات يحاول إصلاحه خارجه.
علِّموهم ألا يجعلوا من أسرار بعضهم مادة للضحك أمام الأقارب.
وألا يستخدموا نقاط ضعف بعضهم عند الغضب.
وألا يقول أحدهم للآخر كلامًا يعرف أنه سيبقى في القلب سنوات.
علِّموهم أن الخصومة لها أخلاق.
وأن الغضب لا يعطي الإنسان تصريحًا بالوحشية.
وعلِّموا أبناءكم أن الاعتذار ليس هزيمة.
إذا أخطأت في حق أختك فقل: آسف.
وإذا أخطأتِ في حق أخيك فقولي: آسفة.
لا تجعلوا كلمة الاعتذار ثقيلة في بيوتكم، ثم تتعجبوا أن أبناءكم يفشلون في علاقاتهم عندما يكبرون.
وعلِّموهم شيئًا أجمل:
أن يشكروا بعضهم.
«شكرًا لأنك انتظرتني.»
«شكرًا لأنك ساعدتني.»
«شكرًا لأنك وقفت معي.»
فالامتنان لا ينبغي أن يكون للغرباء فقط.
أهل البيت أولى به.
ثم وسِّعوا الدائرة.
علِّموا أولادكم الذوق قبل أن يبحثوا عنه في كتب الإتيكيت
علِّموهم أن يقولوا: بسم الله قبل الطعام.
وأن يقولوا: الحمد لله بعده.
وأن يأكلوا مما يليهم.
وألا يعيبوا طعامًا قُدِّم لهم.
وأن من أعد الطعام وبذل فيه وقتًا يستحق الشكر، حتى لو لم يكن الطعام على هواهم.
علِّموهم ألا يمدوا أيديهم إلى أفضل قطعة دائمًا.
وأن ينظروا: هل أخذ الجميع؟
فالذوق الحقيقي أن تتذكر وجود الآخرين وأنت تريد شيئًا لنفسك.
علِّموهم ألا يبدأوا الطعام قبل الكبير إذا اجتمعت الأسرة على المائدة.
وأن يتركوا للكبير مكانًا.
وأن يقوم الشاب من مقعده للكبير إذا احتاج إليه.
وأن يحمل عنه ما يستطيع.
ليس لأن الكبير عاجز.
بل لأن للعمر حقًا.
علِّموهم أن للجدة مقامًا.
وللجد مقامًا.
وللخالة والعمة والعم والخال حقًا في التقدير وصلة الرحم.
لا تجعلوا الطفل لا يعرف أقاربه إلا من صور المناسبات.
علِّموه أن يتصل.
أن يسأل.
أن يهنئ.
أن يعزي.
أن يزور.
أن يقول للكبير: «تفضل».
وأن يستأذن قبل الدخول.
وأن يطرق الباب.
وأن ينتظر الرد.
وعلِّموه ألا يفتح هاتف إنسان دون إذنه.
وألا يقرأ رسالة ليست له.
وألا يفتش في أغراض أخيه أو أخته.
فالخصوصية أدب، وليست سرًا مشبوهًا.
علِّموهم أن الهاتف يُخفض عند وجود الكبار.
وأن الإنسان الذي أمامك أولى بعينيك ممن يرسل إليك من خلف شاشة.
علِّموهم ألا يجلسوا في مجلس وكل واحد منهم منكفئ على هاتفه.
فالوجود بالجسد مع الغياب بالعقل نوع جديد من سوء الأدب.
علِّموهم ألا يقاطعوا من يتحدث.
وأن يستمعوا للنهاية.
وأن الخلاف لا يحتاج إلى صراخ.
وأن ارتفاع الصوت لا يجعل الرأي صحيحًا.
علِّموهم ألا يسخروا من لهجة أحد.
ولا من ملابسه.
ولا من عمله.
ولا من فقره.
ولا من شكله.
ولا من جسده.
ولا من مستواه الدراسي.
فالإنسان المهذب لا يبحث عن نقطة ضعف في الآخر ليصنع منها نكتة.
علِّموهم أن عامل النظافة يُقال له: شكرًا.
وأن السائق يُحترم.
وأن النادل ليس خادمًا شخصيًا.
وأن من يعمل عندك ليس أقل منك.
وأن المال قد يشتري خدمة، لكنه لا يشتري حق إهانة إنسان.
علِّموهم أن يقولوا «من فضلك».
و«لو سمحت».
و«شكرًا».
و«آسف».
هذه الكلمات الصغيرة تصنع فرقًا هائلًا بين شخص تربى على الحقوق فقط، وشخص يعرف أن للناس حقوقًا عليه أيضًا.
علِّموهم إذا دخلوا مكانًا أن يلقوا السلام.
وإذا غادروا أن يستأذنوا.
وإذا طرقوا بيتًا ألا يدخلوا حتى يؤذن لهم.
وإذا رأوا مسنًا أو حاملًا أو مريضًا يحتاج إلى المقعد أن يبادروا قبل أن يُطلب منهم.
علِّموهم ألا يرموا شيئًا في الشارع.
فالشارع ليس بيتًا لا يخص أحدًا.
إنه بيتنا الكبير.
وعلِّموهم أن من يحافظ على نظافة غرفته ثم يرمي القمامة من نافذة السيارة لم يتعلم النظافة؛ تعلم فقط أن ينقل القذارة بعيدًا عن عينه.
علِّموهم احترام المواعيد.
فالتأخير المستمر ليس «طبعًا».
إنه أكل من أعمار الآخرين.
علِّموهم إذا وعدوا أن يفوا.
وإذا لم يستطيعوا أن يعتذروا مبكرًا.
علِّموهم ألا يرفعوا أصوات هواتفهم في الأماكن العامة.
وألا يجعلوا الناس شركاء إجباريين في مكالماتهم.
وألا يصوروا إنسانًا دون إذنه.
وألا ينشروا صورة أحد لأنه ظهر مصادفة في خلفية حياتهم.
هذه أيضًا أخلاق.
علِّموا البنت حقها… وعلِّموا الولد حدوده
علِّموا البنت أن لها حقًا في الاحترام داخل بيتها قبل أن تطلبه من العالم.
أن رأيها يُسمع.
وأن تعليمها ليس رفاهية.
وأن مالها مالها.
وأن جسدها ليس محل تعليق دائم.
وأنها ليست مطالبة بأن تكون خادمة لأخيها حتى يقال عنها «بنت شاطرة».
وعلِّموها في المقابل أن الحقوق لا تعني الجفاء.
فالرقي أن تعرف حقك دون أن تدهس حق غيرك.
وعلِّموا الولد أن كونَه ولدًا لا يمنحه امتيازًا أخلاقيًا.
لا يأخذ الأكبر لأنه ذكر.
ولا يُعفى من العمل المنزلي لأنه ذكر.
ولا يُغفر له سوء الأدب لأن «الولاد كده».
لا.
الولد الذي تبرر له سوء السلوك اليوم قد تدفع امرأة أخرى ثمن هذا التبرير غدًا.
علِّموه أن يرتب فراشه.
ويجمع ملابسه.
ويعد لنفسه طعامًا بسيطًا.
ويغسل ما استخدمه.
ويشارك في مسئوليات البيت.
فأن يعرف الشاب كيف يخدم نفسه ليس انتقاصًا من رجولته.
بل حماية له من أن يكبر طفلًا كبيرًا ينتظر امرأة تقوم مقام أمه.
وعلِّموا البنت أيضًا الاعتماد على نفسها.
أن تعرف كيف تدير مالها.
وكيف تنجز مصالحها.
وكيف تتخذ قرارًا.
وكيف تقول «لا» بأدب عندما يلزم.
فالتربية السليمة لا تصنع رجلًا يعتمد على امرأة في كل شيء، ولا امرأة تعتمد على رجل في كل شيء.
إنها تصنع إنسانين قادرين، يختاران أن يتعاونا.
وأهم من كل هذا: دعوا أبناءكم يرون ما تعلمونهم إياه
لا تقل لابنك: احترم أمك، ثم يراك تهينها.
لا تقولي لابنتك: احترمي أباك، ثم تجعليه مادة للسخرية أمامها.
لا تطلبوا منهم خفض الصوت وأنتم تتشاجرون بالصراخ.
لا تعلموهم الاعتذار وأنتم لا تعتذرون لهم حين تخطئون.
نعم.
اعتذروا لأطفالكم.
فالأب لا تسقط هيبته عندما يقول لابنه: أخطأت في حقك.
بل ترتفع.
والأم لا تخسر مكانتها إذا قالت لابنتها: كنت متعصبة وظلمتك.
بل تعلمها درسًا لن تنساه:
أن الإنسان يمكن أن يكون كبيرًا ويخطئ، وأن الكرامة ليست في إنكار الخطأ بل في إصلاحه.
الأطفال لا يتعلمون من وصايانا وحدها.
إنهم يراقبون كيف نعبر الباب.
كيف نخاطب العامل.
كيف نتحدث عن الأقارب.
كيف نختلف.
كيف نتعامل مع الضعيف.
كيف نرد على من أخطأ.
وكيف نعامل بعضنا عندما لا يكون هناك ضيوف.
التربية الحقيقية تحدث عندما نظن أن أبناءنا لا يتعلمون.
ومن هنا يبدأ المجتمع.
من ولد تعلم أن أخته ليست خادمة.
ومن بنت تعلمت أن أخاها ليس عدوًا.
من أخ عرف أن الشهامة رعاية لا سيطرة.
ومن أخت عرفت أن الحنان لا يعني إلغاء نفسها.
من طفل رأى أباه يحمل عن أمه شيئًا ثقيلاً دون استعراض.
ورأى أمه تحترم أباه دون خوف.
ورأى الاثنين يعتذران لبعضهما.
ويشكر أحدهما الآخر.
ويحترمان الكبير.
ويرحمان الصغير.
ويقولان بسم الله عند البداية، والحمد لله عند النعمة.
من هنا لا نربي أبناءً فقط.
نحن نجهز أزواجًا وزوجات، وآباء وأمهات، وجيرانًا وزملاء ومديرين ومواطنين لمجتمع لم يولد بعد.
فلا تسألوا فقط:
ماذا نترك لأولادنا؟
بيتًا؟
مالًا؟
شهادة؟
اسألوا السؤال الأهم:
أي نوع من البشر سنتركه للعالم؟
فالبيت الذي يتعلم فيه الولد احترام أخته، وتتعلم فيه البنت احترام أخيها، ويتعلم فيه الاثنان الرحمة والحدود والحياء والذوق والامتنان…
لا يربي طفلين فقط.
إنه يصلح قطعة صغيرة من مستقبل المجتمع كله.
حفظكم الله جميعا وحفظ الوطن .
مع تحياتي ..
نعمة حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *