الرئيسيةمقالاتفلسفة الإدارة… حين يصبح القانون عقلًا والإنسان غاية
مقالات

فلسفة الإدارة… حين يصبح القانون عقلًا والإنسان غاية

فلسفة الإدارة... حين يصبح القانون عقلًا والإنسان غاية

فلسفة الإدارة… حين يصبح القانون عقلًا والإنسان غاية

بقلم محمد عطا القطيعي

 

فلسفة الإدارة… بين صرامة القانون ورحمة الإنسان

ليست الإدارة أن تعرف القواعد واللوائح والقوانين فحسب، ثم تُحسن تطبيقها بحروفها الجامدة؛ وإنما الإدارة الحقيقية أن تفهم فلسفة القانون قبل نصه، وغاية القاعدة قبل إجراءاتها، والإنسان الذي وُضعت القوانين من أجله قبل أن تنشغل بالأوراق التي تحملها.

فالمدير الناجح ليس ذلك الذي يكثر من إصدار الأوامر، ولا الذي يجعل من اللائحة جدارًا يفصل بينه وبين العاملين، وإنما هو الذي يجعل من القانون ميزانًا للعدل، ومن اللائحة طريقًا للانضباط، ومن الإدارة وسيلةً لصناعة بيئة عمل يسودها الاحترام والثقة والإنتاج.

إن الالتزام بالقوانين واللوائح هو العمود الفقري لأي مؤسسة ناجحة؛ لأن العمل إذا خلا من النظام تحول إلى فوضى، وإذا غابت القواعد أصبح الحق خاضعًا للأهواء، وإذا تساوى المجتهد والمقصر ضاعت قيمة الاجتهاد، وسقطت هيبة الإدارة.

ولكن هنا تظهر المساحة الأرقى في فلسفة الإدارة:

أن نلتزم بالقانون دون أن نقتل روح القانون.

فالنص قد يكون واحدًا، لكن الوقائع متعددة، والناس مختلفون، والظروف ليست متطابقة. ومن هنا يحتاج المدير إلى عقلٍ يفهم، وبصيرةٍ تزن، وحكمةٍ تعرف متى تكون الصرامة ضرورة، ومتى تكون المرونة عدلًا.

وهذه هي فلسفة «التعامل بروح القانون».

وروح القانون لا تعني أبدًا التحايل على القانون أو تجاوزه، ولا تعني أن تتحول المرونة إلى محاباة، أو أن يصبح الاستثناء بابًا للوساطة والمجاملة؛ وإنما تعني أن يُطبَّق القانون وفق غايته العادلة، وبما يحفظ النظام ويصون الحقوق ويحقق المصلحة العامة.

فإذا كان القانون وُضع لتحقيق العدالة، فلا يجوز أن يصبح تطبيقه وسيلةً لصناعة الظلم.

وإذا كانت اللوائح وُضعت لتنظيم العمل، فلا ينبغي أن تتحول إلى قيود تعطل العمل.

وإذا كانت الإدارة وُجدت لخدمة المؤسسة والعاملين والمتعاملين معها، فلا يصح أن تتحول إلى سلطة تُمارس على الناس بدلًا من أن تكون مسؤولية تُمارس من أجل الناس.

وهنا تلتقي الفلسفة بالإدارة.

الفلسفة تسأل: لماذا؟

والإدارة تسأل: كيف؟

والقانون يحدد: ما الذي يجب أن يكون؟

أما المدير الحكيم فيجمع الأسئلة الثلاثة؛ فيعرف لماذا وُضع القانون، وكيف يُطبَّق، وما الذي ينبغي أن تكون عليه النتيجة.

إن المدير الذي يحفظ مواد القانون دون أن يفهم مقاصده قد يكون موظفًا منضبطًا، لكنه ليس بالضرورة مديرًا حكيمًا.

أما المدير الذي يفهم القانون، ويحترم اللوائح، ويعرف حدود سلطته، ويزن قراراته بميزان العدل والضمير، فإنه يرتقي بالإدارة من مجرد تنفيذ الإجراءات إلى صناعة الإنسان والمؤسسة.

والإدارة في جوهرها ليست أوراقًا تُوقَّع، ولا مكاتب تُفتح وتُغلق، ولا أوامر تصدر من أعلى إلى أسفل؛ الإدارة فن إدارة البشر قبل إدارة الملفات، وفن إدارة الاختلاف قبل إدارة الاتفاق، وفن تحويل القواعد إلى نتائج نافعة.

ولذلك فإن المدير الحقيقي لا يسأل فقط:

«ماذا تقول اللائحة؟»

بل يسأل أيضًا:

«ما الغاية التي وضعت من أجلها هذه اللائحة؟ وهل تطبيقها بهذه الصورة يحقق العدالة والمصلحة التي أرادها المشرّع؟»

وهذا السؤال هو بداية التفكير الفلسفي في الإدارة.

فقد تكون أمام المدير حالة لا تعالجها اللوائح بصورة تفصيلية، وهنا لا ينبغي أن يكون غياب النص سببًا للفوضى، ولا أن يكون اختلاف الحالة ذريعة لتجاهل القانون؛ بل عليه أن يستند إلى المبادئ العامة، وإلى المصلحة المشروعة، وإلى العدالة، وإلى حدود الاختصاص، وأن يتخذ القرار الذي يحفظ النظام ويصون الحق.

إن فلسفة الإدارة هي أن تجعل القانون حاضرًا في القرار، والضمير حاضرًا في التطبيق، والعقل حاضرًا في التقدير.

وما أجمل أن يشعر الموظف أن المدير لا يراقبه بحثًا عن خطأ، وإنما يوجهه بحثًا عن الصواب.

وما أجمل أن يشعر المواطن أو المتعامل مع المؤسسة أن القانون لا يقف في وجهه، بل يقف إلى جواره؛ يحمي حقه، وينظم معاملته، ويمنع الظلم عنه وعن غيره.

إن أعظم الإدارات ليست تلك التي يخاف الناس من مديريها، وإنما تلك التي يحترم الناس نظامها، ويثقون بعدالتها، ويطمئنون إلى قراراتها.

فالخوف قد يصنع طاعة مؤقتة، لكن العدل يصنع انتماءً دائمًا.

والأوامر قد تُجبر الإنسان على أداء عمله، لكن الاحترام يجعله يؤديه بإخلاص.

والعقوبة قد تمنع الخطأ، لكن القدوة تمنع الخطأ وتزرع الصواب.

ومن هنا يمكن القول إن فلسفة الإدارة تقوم على معادلة دقيقة:

قانونٌ يحمي النظام،

وعقلٌ يفهم الواقع،

وعدلٌ يحفظ الحقوق،

وحكمةٌ تحسن التطبيق،

وإنسانيةٌ لا تُهدر كرامة الإنسان.

فحين تجتمع هذه العناصر، لا تعود الإدارة مجرد سلطة، بل تصبح رسالة.

ولا يعود المدير مجرد شاغل لمنصب، بل يصبح أمينًا على مؤسسة، وراعيًا لمصالح، ومسؤولًا عن حقوق، وصانعًا لثقافة.

إن الإدارة التي تطبق القانون بلا فهم قد تصنع نظامًا جامدًا، والإدارة التي تتعامل بالمرونة بلا قانون قد تصنع فوضى، أما الإدارة التي تجمع بين هيبة القانون وروح القانون فإنها تصنع التوازن الذي تحتاجه المؤسسات والمجتمعات.

ولذلك فإن فلسفة الإدارة ليست أن نختار بين القانون والإنسان، وإنما أن نجعل القانون في خدمة العدالة، والعدالة في خدمة الإنسان، والإنسان في خدمة الصالح العام.

فالإدارة الناجحة لا تُقاس بعدد القرارات التي أصدرها المدير، وإنما بعدد المشكلات التي حلها، والحقوق التي صانها، والطاقات التي أطلقها، والثقة التي زرعها، والعدل الذي ترك أثره في نفوس من عملوا معه.

وفي النهاية…

القانون هو السور،

والإدارة هي البصيرة التي تحسن السير داخله،

والفلسفة هي السؤال الذي يمنعنا من أن نتحول إلى آلات تنفذ النصوص دون أن تفهم الغايات.

فإذا اجتمعت سيادة القانون، وحكمة الإدارة، ونبل المقصد، وروح العدالة؛ أصبحت المؤسسة أكثر من مكان للعمل، وأصبح المنصب أكثر من سلطة، وأصبح المدير أكثر من مسؤول.

أصبح أمانة.

وهنا تبدأ الإدارة الحقيقية… حين يكون القانون حاضرًا في اليد،

والحكمة حاضرة في العقل،

والعدل حاضرًا في القرار،

والإنسان حاضرًا في

القلب.

————-القطيعى الشريف————-

فلسفة الإدارة… حين يصبح القانون عقلًا والإنسان غاية

فلسفة الإدارة... حين يصبح القانون عقلًا والإنسان غاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *