قصـــــة قصيـــــرة الــــزرقــــــــاء
_____
قصة قصيرة بقلم الأديب ا / سيد جمعه
——————————
لم تكن القرية تحتاج إلى أسوار تحميها من الغرباء، فقد كان أهلها يعتقدون أن عيونهم تكفي لحراستها، كانوا يرون الأشجار والحقول، ويحفظون ملامح العابرين، ويميزون الغيمة من بعيد، حتى لو لم تحمل قطرة مطر واحدة
وكانت بينهم امرأة يسمونها «زرقاء»، لا لأن عينيها كانتا زرقاوين، بل لأنها كانت ترى ما لا يراه الآخرون
ذات صباح، وقفت أمام بئر القرية، وأطالت النظر في قاعه، ثم نادت الناس
لقد جف الماء !
ضحكوا منها، فقد كانت الدلاء تصعد ممتلئة. وضعت يدها على حافة البئر وقالت
ــ أنتم ترون الماء في الدلاء، ولا ترون العطش الذي يختبئ في أعماق الأرض
لم يفهمها أحد، وانصرفوا إلى أعمالهم
بعد أيام، بدأت الأشجار تنحني، ثم اختفت ثمارها، ولم يبق على أغصانها سوى حصى صغيرة تتدلى كأنها ثمار سوداء. وشق الفلاحون الأرض بحثاً عن سر البلاء، فلم يعثروا إلا على جذور جافة
وفي المساء، جاء رجل غريب إلى القرية، يرتدي ثوباً أبيض ويحمل عصاً سوداء. جمع الناس في الساحة، ووعدهم بأن يعيد إلى الأرض خصوبتها، شرط أن يتخلوا عن الأسئلة التي تفسد عليهم راحتهم
قال لهم
ــ ليس مهماً أن تعرفوا لماذا جف الماء، ولا من سرق الثمار. المهم أن تؤمنوا بأن الغد سيكون أفضل
صفقوا له طويلاً
أما زرقاء، فقد ظلت تحدق في ظله الممتد عكس اتجاه الشمس. اقتربت منه وسألته
ــ أجئت لتنقذنا، أم لتعلمنا كيف نتعايش مع الخراب؟
ابتسم ولم يجب، ومنذ ذلك اليوم، صار الناس يستشيرونه في كل شيء، حتى في اختيار أحلامهم
في ليلة مقمرة، ظهر غراب أسود فوق مئذنة المسجد القديم ، نعق ثلاث مرات، ثم اختفى في السماء
في الصباح، استيقظ الناس وقد نسوا أحلامهم ، نسي الخباز لماذا أراد أن يعلم ابنه صنع الخبز، ونسي النجار البيت الذي كان يحلم ببنائه، أما الأطفال فذهبوا إلى مدارسهم دون أن يسألوا عن شيء
قال الغريب إن الغراب طائر مبارك، وإن نعاقه دعاء لا يفهمه إلا أصحاب القلوب الطاهرة. ومن يومها، صار الناس يرفعون رؤوسهم كلما نعق، ويرددون كلمات لا يعرفون معناها
كانت زرقاء تسمع في صوته ضحكة مكتومة
ثم أخذت الأشياء تفقد أشكالها، صارت الأبواب تنفتح على جدران، والنوافذ تطل على عتمة بلا نهاية، وعاد الناس من أعمالهم إلى بيوت لا يعرفونها، وإن أقسموا أنها بيوتهم نفسها
وفي إحدى الليالي، صعدت زرقاء إلى التلة المطلة على القرية، تحمل مصباحاً صغيراً ومرآة قديمة ورثتها عن أمها
نظرت في المرآة طويلاً، فلم تجد وجهها. وجدت تجويفين مظلمين، كأن أحداً انتزع عينيها وترك مكانهما حفرتين تنتظران شيئاً لا تعرفه
أغمضت جفنيها، فسمعت صوت أمها
ــ لا تخافي يا ابنتي، ليست كل عين ترى، وليست كل ظلمة عمياء
فتحت عينيها، فرأت الناس يتحركون كالأشباح، ورأت الغريب يوزع عليهم وجوهاً جديدة، يرتدي كل منهم وجهاً لا يشبهه
وعندئذ فهمت أن الكارثة لم تكن في فقدان الأشياء أشكالها، بل في فقدان الناس قدرتهم على الاعتراض حين لم تعد الأشياء تشبه حقيقتها
في الصباح، اختفت زرقاء
قال بعضهم إنها سقطت من التلة، وأكد آخرون أنها هربت إلى الصحراء، بينما أعلن الغريب أنها ماتت منذ زمن، وأنهم لم يكونوا يرون إلا خيال امرأة مريضة
لكن طفلاً صغيراً قال إنه رآها تعبر الساحة قبل الفجر، تحمل مصباحاً في يد، وتقبض بالأخرى على شيء أسود يشبه قطعة من الليل
لم يصدقه أحد
كان الطفل الوحيد الذي لا يزال يتذكر حلماً رآه ، أرضاً خضراء، وبئراً لا ينضب، وشجرة تثمر طيوراً بيضاء، وفي الحلم، نادته امرأة وطلبت منه أن يضع أذنه على الأرض
فعل ذلك، فسمع نبضاً خافتاً
في الصباح، خرج إلى الحقل، وحفر بيديه في التراب اليابس حتى ظهرت له حبة سوداء، لا يعرف إن كانت بذرة أم حجراً ، خبأها في جيبه، ثم غرسها في حفرة صغيرة وسقاها بقطرات من الماء احتفظ بها
مر يوم، ثم يومان، ثم سبعة، ولم يحدث شيء
وفي الليلة الثامنة، تحرك التراب، وظهر خيط أخضر رفيع
لم تكن شجرة ولا زهرة، لكن الطفل ابتسم؛ فقد حدث شيء لم يأذن به الغريب
حين رآها الرجل، صرخ
ــ اقتلعوها ! إنها عشب ضار
تقدم أحد الفلاحين لينفذ الأمر، لكنه توقف. لمح في التراب خطوطاً دقيقة تتشعب في كل اتجاه، كأن جذوراً خفية بدأت تستيقظ تحت أقدامهم
اقتربت امرأة عجوز، وضعت يدها على الأرض، ثم همست
ــ أسمع الماء
لم يسخر منها أحد هذه المرة
وفجأة، جاءهم صوت زرقاء من جهة التلة
ــ لا تبحثوا عن عينيّ… ابحثوا عما جعلني أرى
رفع الطفل رأسه، فرأى الغراب يحلق مضطرباً. حاول أن ينعق، فلم يخرج من حلقه سوى صوت أجش، ثم سقطت من جناحه ريشة سوداء، تبعتها أخرى
أما الغريب، فقد اختفى وسط الزحام، ولم يره أحد بعد ذلك
مرت سنوات، واستعادت بعض الأرض خضرتها، وعاد الماء إلى بعض الآبار، وتعلم الناس أن يسألوا قبل أن يصدقوا، وأن ينظروا إلى ما وراء الوجوه والكلمات
كبر الطفل وصار رجلاً يزرع الأرض بيديه. وكان يترك قرب جذور كل شجرة حجراً صغيراً، تذكاراً للأيام التي أثمرت فيها الأرض حجراً
وذات ليلة، وجد عند جذع شجرة مرآة قديمة. حملها ومسح عنها التراب، فرأى وجهه، وخلفه أرضاً واسعة تتكوم فيها الأشياء، كأنها تستعد لولادة شيء لا اسم له
ثم ظهرت امرأة بلا ملامح واضحة، وابتسمت له
سألها
ــ أهو خير أم شر؟
قالت
ــ حين يولد، ستعرفون. أما الآن، فاحرسوا البذرة
انطفأت المرآة، وعاد وجهه وحده.في الصباح، وجد أن الشجرة قد نمت، لكن أغصانها لم تعد تشبه أغصان الشجر، وأوراقها لم تكن خضراء ولا صفراء، بل ألواناً لا يعرف لها اسماً
لم يحاول اقتلاعها
جلس تحتها، ووضع أذنه على الأرض
كان النبض قد صار أوضح
وفي عمق لا تصل إليه العيون ولا تقيسه المسافات، كان شيء يتكور، ويتهيأ للخروج إلى العال
شيء لا شكل له ، لا أبُعاد له
شيء ينتظر أن ينطق ! .
ســيــد جــمــعــه
ناقد تشكيلي وأديب
20 / 10 / 2026 م
قصـــــة قصيـــــرة الــــزرقــــــــاء

📧 اشترك في النشرة البريدية
أهم الأخبار توصلك على بريدك.
💬 التعليقات (0)