بقلم محمد عطا القطيعي
في حياتنا أشياء كثيرة يمكن أن نتبادلها بمحبة، ونعيرها بدافع الكرم وحسن الخلق، لكن هناك أشياء أخرى لا يجوز أن تكون محل طلب أو إعارة، لأنها ليست مجرد ممتلكات، بل هي جزء من شخصية الإنسان، وخصوصيته، ومسؤوليته القانونية والأخلاقية.
فشريحة الهاتف المسجلة باسم صاحبها ليست قطعة بلاستيكية عادية، وإنما هوية رقمية ترتبط بصاحبها أمام القانون، وما يصدر عنها من اتصالات أو رسائل أو معاملات يتحمله مالكها. لذلك لا يصح أن يطلبها أحد، ولا أن يمنحها صاحبها لغيره، إلا في الحدود التي يجيزها القانون.
وكذلك مفاتيح السيارة أو السيارة نفسها، فهي ليست مجرد وسيلة انتقال، بل أمانة ومسؤولية، وقد يترتب على استعمالها من الغير أضرار أو مسؤوليات قانونية جسيمة. والأمر ذاته ينطبق على السلاح المرخص، فهو رخصة شخصية لا تنتقل إلى غير صاحبها، ولا يجوز تداوله أو تسليمه للآخرين، لأن القانون ربطه بشخص محدد يتحمل وحده مسؤولية حيازته واستعماله.
ولا تقف الخصوصية عند الأشياء المادية، بل تمتد إلى ما هو أعظم شأنًا؛ فأسرار البيت ليست حديثًا يُروى، وأسرار الزوجة أو الزوج أمانة، وخصوصيات الأم والأب والأخت والأبناء ليست مجالًا للفضول أو التداول. فالبيوت تُبنى على الثقة، وإذا خرجت الأسرار ضاعت الطمأنينة واهتزت العلاقات.
ومن علامات الرقي أن يعرف الإنسان ما الذي يجوز أن يطلبه، وما الذي ينبغي أن يعف نفسه عنه. فليس كل ما تراه عند غيرك يحق لك أن تطلبه، وليس كل ما يملكه الإنسان صالحًا للإعارة أو المشاركة. فالكرامة تقتضي أن يحترم المرء خصوصيات الآخرين، كما يحب أن تُحترم خصوصياته.
إن الإنسان المهذب لا يضع غيره في موقف حرج بطلب شيء يعلم أنه شخصي أو خاص، لأن هذا الطلب قد يُسبب ضيقًا لصاحبه، حتى وإن لم يُظهر ذلك. والذوق الرفيع يعلم صاحبه أن الامتناع عن طلب بعض الأشياء أدب، كما أن الامتناع عن إعطائها حكمة.
إن احترام الحدود الشخصية من أعظم صور الاحترام المتبادل، وهو دليل على حسن التربية ورجاحة العقل. فهناك حقوق لا تُعار، وأمانات لا تُسلَّم، وأسرار لا تُفشى، وأشياء خُصَّ بها صاحبها، فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيها أو يطلبها.
فلنحفظ لأنفسنا ولغيرنا هذه المساحات الخاصة، ولندرك أن بعض الأشياء لا تُعطى، لا بخلًا، ولا كبرًا، وإنما لأنها جزء من هوية الإنسان ومسؤوليته وكرامته، ولأن احترام الخصوصية هو أساس الاحترام الحقيقي بين الناس.
————–القطيعى الشريف —————-
ليست كل الأشياء قابلة للإعارة… فهناك حقوقٌ لا تُستعار وحدودٌ لا تُتجاوز

