كتب / أشرف زيدان
ليس كل من ارتدى البالطو الأبيض صار إنسانا، وليس كل من أمسك سماعة الطبيب حمل في قلبه رسالة الطب. فهناك طبيب يرى المريض إنسانا جاء يبحث عن النجاة، وهناك من يراه رقما في فاتورة، وفرصة جديدة لتحصيل المال.
الطبيب الذي تحولت عنده المهنة إلى تجارة لا يشغله كثيرا أن يخرج المريض مطمئنا، بقدر ما يشغله كم سيدفع، وأين سيدفع، ومن أين تأتي الفائدة. وقد يبدأ الأمر بكشف، ثم تتوالى الطلبات والتحاليل والأشعات والأدوية، وربما يجد المريض نفسه موجها إلى جهة بعينها، أو صيدلية بعينها، أو معمل بعينه، وكأن رحلة العلاج أصبحت شبكة من المصالح لا طريقا إلى الشفاء.
وهنا يصبح الألم مضاعفا؛ فالمريض لا يدخل عيادة الطبيب وهو يحمل صحته فقط، بل يحمل خوفه وقلقه وأحيانا آخر ما يملك. ومن أقسى صور استغلال الإنسان أن يتحول مرضه إلى باب للربح، وأن تصبح حاجته إلى العلاج وسيلة لاستنزافه.
أما طبيب الإنسانية، فحكايته مختلفة تماما.
هذا طبيب يعرف أن أمامه إنسانا قبل أن يكون مريضا، وأن كلمة واحدة منه قد تطمئن قلبا مذعورا، وأن نصيحة صادقة قد توفر على أسرة أموالا لا تملكها. لا يبيع للمريض وهما، ولا يحمّله ما لا يحتاج إليه، ولا يجعل المال ميزانا لعلاقته بمن أمامه.
طبيب الإنسانية قد يأخذ أقل مما يستحق، وقد يساعد من لا يستطيع الدفع، وقد يقول للمريض ببساطة: «لا تحتاج إلى كل هذا، اعمل كذا فقط». وربما لا يعرف المريض بعد سنوات كم وفر عليه ذلك الطبيب، لكنه لن ينسى أبدا أنه في يوم ضعفه وجد إنسانا يطمئنه ولا يستغله.
الفرق بين الاثنين ليس في البالطو، ولا في الشهادة المعلقة على الحائط، ولا في عدد المرضى داخل العيادة. الفرق الحقيقي في القلب.
طبيب التجارة يسأل نفسه: ماذا سأحصل من هذا المريض؟ أما طبيب الإنسانية فيسأل: كيف أساعد هذا المريض؟
الأول قد يرى المرض سوقا، والثاني يراه ابتلاء يحتاج إلى رحمة. الأول يحسب الأرباح، والثاني يحسب الأجر. الأول ينتهي عمله بانتهاء الكشف ودفع الحساب، أما الثاني فقد تبقى دعوة المريض له في ظهر الغيب سنوات طويلة.
والطبيب الذي تربى في بيت يعرف معنى الأصول لا يحتاج إلى من يذكره بأن المريض أمانة، وأن العلم مسؤولية، وأن مهنة الطب ليست مجرد باب واسع للثراء. ابن الأصول يظهر معدنه عندما يستطيع أن يستغل حاجة الناس ثم يختار ألا يفعل.
هؤلاء الأطباء هم الذين يعيدون للطب معناه الحقيقي؛ أطباء يجعلون المريض يشعر أنه أمام إنسان قبل أن يكون أمام طبيب، ويجعلون من العلم بابا للرحمة، ومن المهنة طريقا إلى الخير، ومن نجاحهم سببا في تخفيف آلام الناس.
وفي النهاية، قد ينسى المريض اسم الدواء، وقد ينسى قيمة الكشف، وقد تضيع منه تفاصيل كثيرة، لكنه نادرا ما ينسى طبيبا وقف إلى جواره في وقت ضعفه ولم ينظر إليه بعين جيبه، وإنما نظر إليه بعين الإنسان.
فشتان بين طبيب يجعل من مرض الناس تجارة، وطبيب يجعل من علمه رحمة.
الأول قد يجمع المال، أما الثاني فيجمع شيئا أثمن بكثير: دعوات صادقة لا يسمعها إلا الله، وقلوبا تدعو له حين يغيب، وأثرا طيبا يبقى بعد أن تنتهي كل الحسابات.
وهذا هو الطبيب الذي يستحق أن يقال عنه بحق: طبيب إنسان.
الرئيسية »
مقالاتفرق شاسع بين طبيب تاجر وطبيب إنسان

